مقالات مختارة - طوني عيسى

... وماذا لو إنفجرت عرسال بأهلها ولاجئيها؟

الأربعاء ١٥ تشرين الثاني ٢٠١٣ - 06:49

  • Aa
  • ع
  • ع
  • ع

 الجمهورية
الضربة جاءت في بيروت. لكنّ الحدث الحقيقي ليس هناك. إنه يبدأ بالقلمون السوري ويَعْبُر إلى عرسال، فطرابلس. هناك إلتهابٌ في المفاصل: مفصل جبل محسن، ومفصل عرسال... وما بينهما وجعٌ كبير.

 

تنتفخ عرسال قسرياً، يوماً بعد يوم. وإذا كان عدد اللاجئين السوريين إليها قد فاقَ الـ50 ألفاً، ومعركة القلمون لم تحتدم بعد، فالمتوقع دخول عدد مماثل في الأسابيع المقبلة، إذا سمحت بذلك ظروف الأمن والطقس. وعندئذٍ، ستكون عرسال محقونةً إنسانياً وإجتماعياً وأمنياً. وستكون جزيرة سنّية تضم نحو 45 ألف لبناني، في بحرٍ شيعي، وجاءها 100 ألف سنّي من القلمون.

ستختزن عرسال النزاع كلّه في البقعة اللبنانية ـ السورية الواحدة. والمعادلة هناك هي الآتية: جيران عرسال (الشيعة اللبنانيون) يقاتلون ضيوف عرسال (السنّة السوريون) على أرضهم، والعكس صحيح. فالجغرافيا تتنازع مع الديموغرافيا. وفي أي لحظة، ربما تلتهب عرسال مذهبياً، بالتزامن مع إلتهاب القلمون.

وهناك مخاوف من أن يتعاطى "حزب الله" مع عرسال كورقة ضغط مذهبية في معركة القلمون. فالبلدة، عملياً، أسيرة له. وستكون ساقطة عسكرياً عندما ينقطع تواصلها مع الداخل السوري وتبدأ المناطق القلمونية بالسقوط، كما تتوقع غالبية المحللين. ولكنّ "التحرُّش" ببرميل البارود العرسالي سيوقع كارثة لن تقف حدودها عند البقاع.

البعض يخشى من أن تكون النهايات الدرامية للمواجهة في عرسال قد أصبحت حتمية وآن أوانها. وفي تلك الحال، ستسري الشرارات خارج عرسال، في الهشيم اللبناني الجاف. وفي البداية ستشتعل طرابلس. وسيقرِّر "قادة المحاور" فيها أن يردّوا على "حزب الله" لمنعه من الإستفراد بعرسال. ولا سبيل أمام هؤلاء سوى تنفيذ تهديداتهم بـ"إقتحام" جبل محسن، أو على الأقل الضغط عليه ومحاصرته لكي يخفِّف "الحزب" ضغطه على عرسال ويفكّ عنها الحصار.

عندئذٍ، ستكون اللحظة قد حانت للمواجهة الكبيرة. فـ"الحزب" وحليفه السوري، اللذان يدفعان الأثمان الغالية لتكريس نفوذهما في دمشق - الشام، ويقال إنهما يرغبان في تثبيت ضاحية شيعية فيها، لن يتخليا عن الضاحية العلوية الموجودة والمحصَّنة في طرابلس ـ الشام، على مسافة كيلومترات قليلة من خطوط التماس السنّية مع منطقة النفوذ الشيعية ـ العلوية، على طرفَي الحدود اللبنانية ـ السورية.

المحللون يتوقعون دفاعاً شرساً عن جبل محسن من داخله بالتأكيد. فهو مهيّأ لمواجهات تدوم أشهراً. لكنّ "الجبل" سيتلقّى دعماً من "حزب الله"... وحتى من قوات النظام إذا إقتضت الحاجة.

إذا قرّر "الحزب" أن يقوم بالمهمة، فسيعني ذلك إجتياح مناطق في جرود الهرمل وعكار. وسيكون المشهد كارثياً، لأنه سيستنفر الحالة السنّية على المستوى اللبناني عموماً، فيما الجميع يحاول عزل لبنان عن نار القلمون. وستكون النار عابرة للحدود السورية إلى لبنان... وعابرة لحدود المحميّات المذهبية في داخل لبنان. وستكون بقعة النار واحدة في البلدين. وقد تتمدّد إلى بيروت مثلما جرى أمس، أو الجنوب. فمَنْ يَكْفل عدم حصول ذلك: مناعةُ المؤسسات والأجهزة أم وحدةُ القرار السياسي؟

أما إذا قرّر الرئيس السوري بشّار الأسد أن يتولّى بنفسه مهمة الدفاع عن البقعة العلوية في طرابلس، على أبواب "بيته الساحلي"، فالسيناريوهات ستكون سوريالية، وتفوح منها رائحة العودة إلى لبنان من نافذة "الدفاع عن الأقلية المهدّدة في وجه التكفيريّين". وهذا التدخُّل قد لا يكون واضحاً ومباشراً في الفترة الأولى، تماماً كما أنّ تدخُّل "حزب الله" في سوريا بقي ملتبساً حتى الأمس القريب. فالمطلوب دائماً فرض وقائع على الأرض، يتمّ إستيعابها، ثم يجري كشفها.

ولذلك، هناك خوفٌ من إنفجار في عرسال، أو إنفجار عرسال بأهلها ولاجئيها. وبعد ذلك تسيل الدماء في طرابلس ومناطق لبنانية أخرى. وإنفجار السفارة الإيرانية ليس سوى حلقة، وستتبعه حلقات تَفوقُه رعباً على الأرجح. وإذا لم يعرف المعنيون كيف يتداركون الأسوأ، فإنّ لبنان مرشح جدياً لدخول النفق السوري وسقوط سلمه الأهلي... فوق رؤوس الجميع، وسيكون سقوطه عظيماً!

  • شارك الخبر