2018 | 01:00 تشرين الأول 23 الثلاثاء
ميركل: قتل خاشقجي عمل وحشي ولن نقوم بتصدير أسلحة إلى السعودية حتى كشف الحقيقة حول القضية | باسيل: المحاسبة مطلوبة من الناس لتتقدم الدولة والامل بحكومة جديدة مقياسها الإنتاجية بعد الحكومة الاولى التي انجزت أموراً أساسية | "صوت لبنان (93.3)": إشكال في بلدة المحمرة في عكار بين آل طالب وآل حداد تطوّر الى إطلاق نار والقاء قنابل يدويّة ما أدى إلى سقوط الجريح محمد طالب وتم نقله إلى مستشفى الخير | باسيل من سلطنة عمان: لبنان قريبا سيكون له حكومة وحدة وطنية مسؤوليتها معالجة الازمة الاقتصادية | الرياشي اكتفى بالقول أثناء مغادرته بيت الوسط: "مرتاحين عالآخر للأجواء" | اللقاء بين الرياشي والحريري انتهى من دون الادلاء بأي تصريح | السير شبه متوقف من جبيل باتجاه عنايا بسبب كثافة التوافد الى دير ما مارون عنايا ضريح القديس شربل | بولتون: أصبحنا نفهم بصورة أفضل الموقف الروسي ونود أن نطلع على تفاصيله | وسائل إعلام تركية: السلطات التركية لم تتمكن من تفتيش السيارة الدبلوماسية السعودية اليوم | وزير الخارجية البريطاني: زعم السعودية بأن خاشقجي توفي في مشاجرة غير معقول | مريض في مستشفى الزهراء بحاجة ماسة الى وحدات دم بلازما من فئة +O للتبرع الاتصال على 03123707 | مصادر القوات للـ"ام تي في": رأينا عرض الحريري مجحفا ففاوضنا لاننا نمثل ثلث المسيحيين وكلام جعجع لم يكن موجها للرئيس عون وانما للتيار الوطني الحر |

كلمة رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون في المؤتمر المسيحي المشرقي

التقارير - الأحد 03 تشرين الثاني 2013 - 15:18 -

أيها الأخوة الأحباء،
نلتقي اليوم في الربوع اللبنانية، تجمعنا وحدة الإيمان المسيحي ومواطنية مشرقية نتقاسمها مع اخوة آخرين، للتفكير معاً بالأخطار التي تهدّد وجودنا في المشرق، بعد أن تعاظمت مع بداية ما سمي بالربيع العربي، بسبب الحركات المتطرفة التكفيرية التي تعدّدت اسماؤها، ولكن جوهرها واحد.
حركاتٌ تناقض بتفكيرها التنظيري وتطبيقه العملي جميع حقوق الانسان، وخصوصاً أنها ترفض الديمقراطية نظاماً سياسياً وتعتبرها ضدّ الشريعة، وتتنكّر لحرية الضمير والمعتقد، ولحرية التعبير وحق الاختلاف. وعلى الرغم من الأمل بانتصار الإسلام الحقيقي، المهدَّد الاول من قبل هؤلاء التكفيريين، فلا يسعنا إلا رفض الحقبة الحالية.
"واذا كان الوجود الحر هو مسألة مطروحة على المسيحيين المشرقيين، فهو ايضاً، وبالمقدار عينه، تحدٍّ كبير وتاريخي، مطروحٌ على شركائهم المسلمين المشرقيين، إن ارادوا لهذا المشرق أن يبقى مطرحاً للتلاقي والتنوّع والحوار. مثبتين بذلك ان الإسلام دين رحمة وتسامح وقبول للآخر".
وإذا ما راجعنا تاريخنا الحديث، وعدنا به الى إعلان الدولة الصهيونية في فلسطين، نجد أنّ المسيحيين والمسلمين، وانطلاقاً من تاريخهم وثقافتهم المشتركة، قاتلوا معاً هذه الدولة، ورفضوا تطبيع علاقاتهم معها، ودفعوا ثمن هذه المواقف اضطهاداً وتهجيراً، ما زالوا يعانون منهما حتى اليوم.
ما بال الدول العربية تستبدل حربها القومية ضد اسرائيل بحروب اسلامية – إسلامية، أصبح فيها المسيحيون مضطهدين ولا يعرفون سبب هذا الاضطهاد، ولا من أين يأتي ولا لماذا يُضربون؟ لذلك، بات لزاماً علينا، ونحن ابناء هذه الأرض، أن نسأل شركاءنا في الوطن عن الأسباب التي تؤدي الى هذا السلوك المستهجن الذي يتوافق مع السياسة الإسرائيلية التي تهدف الى تفتيت الشرق الأوسط، فهل ساءت النوايا الى هذه الدرجة، أم ان هناك غفلة في لحظة فُقدت فيها الذاكرة؟ وهل نسوا اننا حملة الإرث المسيحي الذي تبلور في هذا المشرق وتلمذ به الرسل، الغرب والعالم؟
"من الخطأ مقاربة الواقع المشرقي الحالي من منطلق اقليات واكثريات، فهذه البلاد منذ فجر التاريخ هي ثمرة تراكم معرفي ثقافي لشعوب كثيرة وديانات شتى منذ ما قبل التوحيد. تراكم جمّعته الأقليات والأكثريات معاً في مزيج عزَّ نظيره، وتقلّبات غيّرت التوجهات السياسية وأبقت على التنوّع المجتمعي والثقافي داخل الجغرافيا، ولطالما كانت هناك اكثرية باتت اقلية، وبالعكس، وهذا نموذج فريد للغنى الروحي والثقافي والمعرفي، يقتضي منا جميعاً المحافظة عليه وحمايته في اطار احترام حرية المعتقد والرأي والتعبير وحق الاختلاف، مع التشبث بهذا المشرق."
فهل يحق لنا اليوم ضرب هذا التنوع الطبيعي في المشرق، بعد أن اجتاز العالم المسافات الطويلة باتجاهه، وبعد أن أُسقطت الأحاديات بجميع اشكالها الدينية والعرقية والسياسية؟ وما نراه من بقايا هذه الاحاديات يسير بدون شك نحو الانقراض.
إنّ ما نريد بحثه اليوم، ليس فقط العيش بأمان ضمن الأنظمة الحالية، بل ماهية الدور المسيحي؛ فهل هذا الدور يقاس بالأحجام، أم أنه نوعيٌّ يتفاعل مع الآخر؟ إن الدور المسيحي يكون نوعياً، يساهم في صياغة نمطٍ من التفكير والعيش المشترك، وفي رقي مكونات المجتمع الواحد، أو لا يكون
وإذا كان الوجود ضمن المجتمع يقاس بالأدوار، فما نشعر به اليوم من تناقصٍ مفروض لدور المسيحيين بدأ يلامس التمييز العنصري، وهذا ما نلفت اليه الانتباه، لأنه جدير بالتفكير الهادئ لتحديد ما يترتّب على المجتمع من مسؤوليات معنوية، إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه الآن. وهل غاب عن بال بعض المنظّرين أن التمييز العنصري قد انتهى مع تطور الفكر الانساني، وأحداثٍ كبرى غيرت قواعد التعاطي بين البشر؟
لقد سقطت الأحادية العرقية بين السود والبيض بنهاية الحرب الاهلية الامريكية، ومعها تحرّر السود من العبودية.
وسقطت كذلك محاولة السيطرة النازية على مختلف الاعراق البشرية بعد هزيمة هتلر في الحرب العالمية الثانية.
كما سقطت الاحادية الدينية باعتماد العلمانية في الأنظمة السياسية الحديثة.
أما الأحادية السياسية فسقطت بانفجار النموذج السوفياتي وانهيار أنظمة ديكتاتورية عديدة.
فهل يجوز أن تعود أنظمتنا في هذا المشرق الى أحاديات تتحكّم بكل إنجازات العصور الحديثة، وتعيدنا الى عصورٍ بائدة، وقواعد حكمٍ تخطّاها الزمن، وقد سقطت بغالبيتها منذ أماد بعيدة، بعد أن تأكّد عقمها ولم تعد صالحة لما تصبو اليه الانسانية من تقدّم وحداثة؟!
لا شكّ أن مجتمعاتِنا المشرقية تعاني اليوم من سلفياتٍ عادت، وتحاول إحياء العهود الغابرة. ومن هنا يأتي دورنا في رفع الصوت، والتحذير من الأخطار التي تهدّد الجميع على حد سواء، قبل أن تقضي على منجزات العصر. لقد أصبح من الضرورة بمكان، أن يعي جميع القيمين على الأنظمة، بأن من واجبهم أن يتطلّعوا الى ما يجري حولهم، قبل أن تتحوّل بلدانهم الى بؤر من النار يصعب إطفاؤها. وهكذا نتحاشى انتشار الحريق الذي يطوق ما تبقّى من مشرقنا. ومن له أذنان سامعتان فليسمع، وعينان مبصرتان فليبصر.. فهل سنصطدم بمن لا يريد أن يسمع أو بمن لا يريد أن يبصر؟
إن الوقت لم يعد يحتمل الانتظار، والكلفة ستكون باهظة على الذين لم يتّعظوا من الأحداث التي عمّت البلدان العربية، مغربيةً كانت أو مشرقية. إنّ مسؤولية المحافظة على أمن المسيحيين في المشرق تقع على عاتق جميع الأنظمة، الآتية منها أو الباقية، لأنه دينٌ عليها وواجب. نعم، على هذه الأنظمة أن تطمئن المسيحيين العرب، وهم الذين حافظوا على لغة الضاد وطبعوا لها أول كتاب في العام 1733 في الخنشارة- لبنان على يد الرهبنة الكاثوليكية الشويرية بشخص الأب عبدالله الزاخر، الذي هرب من الاضطهاد العثماني بسبب ملاحقته لأنه كان يعمل لإنجاز هذه المطبعة بالحرف العربي في حلب. ولن نتجاهل أيضاً دور رواد النهضة العربية، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، الذين أيقظوا الأمة العربية، وقد أجادوا قولاً وفعلاً. وأستذكر هنا قصيدة الشاعر ابراهيم اليازجي "تنبهوا واستفيقوا أيها العرب"، وفيها يعبّر عن ألمه للصمت العربي عن مظالم الدولة العثمانية والخضوع لها:
تَنَبَّهُـوا وَاسْتَفِيقُـوا أيُّهَا العَـرَبُ فقد طَمَى الخَطْبُ حَتَّى غَاصَتِ الرُّكَبُ
خَلُّوا التَّعَصُّبَ عَنْكُمْ وَاسْتَوُوا عُصَبَاً عَلَى الوِئَـامِ وَدَفْعِ الظُّلْمِ تَعْتَصِبُ

وإذا كانت النهضة العربية استوجبت الثورة ضدّ مظالم الحكم العثماني، وضدّ الواقع المذلّ في ظل حكم الولاة العثمانيين، فنهضتنا الحاضرة تستوجب ثورة فكرية في سبيل ديمقراطية عادلة يتمتّع فيها المواطن بجميع الحريات التي نصّ عليها الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وباحترام دساتير تعبّر بمضامينها عن هذه الحقوق. والخلل الحاصل في ممارسة الحكم في الوطن يوجب علينا اعتماد نهج تغييري يحرص على الالتزام بالقيم وبالمقاربات العلمية لمواجهة مشاكل المجتمع، وببرنامجٍ إصلاحي يعنى بتصحيح مكامن الضعف والثغرات في القوانين؛ فالتغيير والإصلاح يشكلان أساس العمل السياسي، ومن دونهما لن يتم بناء دولة قوية تشد اواصر مكونات مجتمعاتنا وتحافظ على وحدتها الوطنية، الشرط الضروري للمحافظة على الارض والهوية. ولما كانت الديمقراطية هي النظام الجامع لمختلف المواطنين ويمكن أقلمتها مع التنوّع ضمن الوحدة لتحقيق العدالة لهذا التنوع، فإن المسيحيين يجدون في الدولة المدنية، القوية، الديمقراطية، الخيار الوحيد بين قومية عربية تهاوت، وأصولية تكفيرية تلغي الآخر.
وعندما نتكلم عن الدولة القوية يخلق الالتباس عند بعضٍ من الناس فينحون بتفكيرهم نحو عسكرة النظام والدولة الأمنية، ولكن الواقع ينبئنا بعكس ذلك تماماً لأننا عشنا الأنظمة المعسكرة وقريباتها الأنظمة الديمقراطية المزيفة التي تطغى فيها القوى العسكرية على باقي السلطات فتقع في الدكتاتورية.
ومهما كانت طبيعة النظام القائم فإن الدولة ملزمة بتنشئة شعبها أخلاقياً واجتماعياً وسياسياً؛ فالمنتخبون صورة عن شعبهم، والشعب على صورة حكّامه، فكيف نستطيع أن نكسر هذه الدائرة إذا لم نقم بتثقيف الشعب وتوعيته؟ إن الثقافة السياسية المقرونة بالتربية المدنية والقائمة على القيم الديمقراطية وحدها بإمكانها أن تخرج شعوب المنطقة من الدوران في حلقة مفرغة، عندها نستطيع ان نقول اننا بدأنا مسيرة التطور السياسي.
سئلت مرة في مقابلة صحفية في العام 1994عن مستقبل الاصوليين فأجبت ببساطة: "سيصلون إلى الحكم يوماً في الدول الاسلامية، وسيسقطون بعد وصولهم، وعندها يعاد النظر في نوعية الحكم من قلب الاسلام."
ما قلته لم يكن نبؤة ولكن النظرة في حينه الى الأنظمة العربية تظهر واقعين: واقع السلطة الأحادية وضرب الحريات السياسية، وواقع شعبٍ تعيس ينوء تحت أعباء الحياة، ويصغي الى خطاب متطرف؛ فالوحل الذي تخبطت فيه مجتمعاتنا ولم تزل ما هو إلا نتيجة تحجّر الأنظمة وغياب المعارضة الجدية القادرة على التغيير مما سمح للأصولية المتطرفة ان تنمو في الأماكن الدينية حيث اعتنقها كثيرون اعتقدوا أن الخطاب الديني الرفضي هو خشبة خلاصٍ من حالة البؤس واليأس.
من هنا كان تقديرنا بأن الوضع سينفجر يوماً ويؤدّي الى سقوط الأنظمة الحاكمة، ثم سقوط البدائل التي وصلت لأنها أتية من ماضٍ لكان استمر لو كان صالحاً للحاضر والمستقبل. وقد بدأت معالم السقوط تظهر في أكثر من بلد.
قد يتساءل البعض اليوم كيف يمكن أن نتخطى الأصولية التكفيرية لننتقل الى الديمقراطية المدنية، وآخرون يعتقدونه حلماً مستحيل التحقيق في شرقنا العربي. أما نحن فنقول إن الإنسانية لم تحقق شيئاً لم يبدو في البدء مستحيلاً او شبه مستحيل؛ من الغوص في عمق البحار الى استكشاف الكون، مروراً بجميع الاختراعات التي بدّلت وجه الحياة الانسانية. وما نتمناه اليوم قد تخطته شعوب كثيرة وكان حلمنا منذ قرنٍ ونيف، فهل يجوز ان نبقى في تلك المستنقعات؟
أيها الأخوة
غنّى الشرق الحب حتى ملأ القلوب والشرايين، فحبذا لو يغني اليوم الحرية والكرامة علّه يملأ بهما النفوس. حقنا ان نحلم بمعجزة تنقلنا من عالم إلى آخر، ولكن المعجزة الإلهية لا تتم إلا بسعي من الانسان وقبول من الله، فعلينا ان نسعى.
ومن كانت فضائله المحبة والإيمان والرجاء... ينتصر.