مقالات مختارة - آمال خليل

تحضيرات التعمير : أنفاق وتدريب نساء

الأربعاء ١٥ آب ٢٠١٣ - 08:32

  • Aa
  • ع
  • ع
  • ع

الاخبار

«علقة التعمير بعد العيد». مقولة كادت تتحول إلى أنشودة تناقلتها الألسن في صيدا وعين الحلوة منذ الاشتباك الأخير بين الجيش و«جند الشام» و«فتح الإسلام» قبل أقل من شهرين. لكن التهويل باشتباك جديد يستعد له الطرفان، لا يتنبه إلى أهالي التعمير الذين يتلقفون القذائف والموت والتشريد من كل جانب


كثيرة هي الزواريب التي توصل إلى تعمير عين الحلوة. أزقة تمرّ بين بيوت متكدس بعضها فوق بعض، ومحال تخفي البضائع «ديكورها» الداخلي الحقيقي. في الشكل، تمنح البيوت والمحالّ التي يخترق بعضها بعضاً، شعوراً بأن التعمير بيت بمنازل كثيرة. لكن الوقائع الميدانية التي ظهر آخرها في الاشتباك الأخير بين الجيش وبقايا «جند الشام» و«فتح الإسلام»، كشفت أن تداخل البيوت قد يرمي بالجيش، أي جيش، في لعبة السلم والثعبان. عناصر «الجند» و«الفتح» الذين أطلقوا على أنفسهم أخيراً تسمية «الشباب المسلم» يجيدون اللعب في منطقة يعرفونها جيداً، ويتمركزون في ظهرها في حيّ الطوارئ. لكن ماذا عن أهالي التعمير الذين أقاموا في أماكن نزوحهم أكثر مما أقاموا في بيوتهم، ودفع بعضهم حياته وبيته ثمناً لاشتباك لا حول لهم فيه ولا قوة؟
في مبنى سكني في تعمير عين الحلوة، بقسمه الفلسطيني، تنهمك النسوة على الشرفات بغسل الأرض والنوافذ وتوضيب الأغراض في ورشة تنظيف شاملة. تقول إحداهن إنها تقوم بالعمل نفسه يومياً لأنها تتوقع أن «العلقة» بين الجيش والمجموعات المتشددة في حيّ الطوارئ قد تندلع في أي لحظة. ولأن شقتها تقع في مرمى الطرفين، وضّبت أغراضها وثياب أطفالها في حقائب وضعتها بالقرب من مدخل البيت. هكذا، تكون جاهزة لتركض بها عند أول طلقة رصاص.
ابنة صيدا التي تزوجت أحد أبناء التعمير، تؤرخ سنواتها الأخيرة على تقويم «العلقات». علقة «جند الشام» مع «فتح» والجيش، وعلقة «عصبة الأنصار» مع «فتح» والجيش على السواء، وعلقة الجماعات المتشددة بعضها مع بعض... إلخ، وصولاً إلى الاشتباكات والإشكالات المحدودة التي سجلت في الأشهر الأخيرة بين مجموعة بلال البدر مع «فتح». جارتها تنصحها بألّا تتعب نفسها بترتيب البيت قبل هروبها. لأن قذيفة مجهولة المصدر قد تأتي على البيت فتحرقه ولا تبقي فيه شيئاً، كما حصل معها. هي في الأساس، كانت تسكن في مبنى يشكل خط تماس بين التعمير وحي الطوارئ قبالة حاجز للجيش. احترق المبنى بما فيه. «ولأنني لا أقوى مادياً على إصلاحه، ولأنه سيأكلها في العلقة المقبلة» تركته واستأجرت منزلاً آخر. علماً بأن جيراناً لها باعوا منازلهم المتضررة للأسباب نفسها وهجروا التعمير «لأن أعصابهم لم تعد تحتمل».
في المبنى نفسه، يسكن رجل لا يزال يحتفظ بشظية في الشريان الأبهر في قلبه كـ«ذكرى» من «علقة» أمير «جند الشام» السابق أبو العبد الشمندور مع الجيش إبان معركة نهر البارد. كان يتفرج على الاشتباكات من على شرفة منزله، فأشرك فيها بالقوة. دخل في غيبوبة لستة أشهر ثم حاول بصعوبة العودة إلى مزاولة عمله. في هذا الوقت، لم يجد من يعوض عليه مادياً أو معنوياً. في الاشتباك الأخير، بات الرجل يجد نفسه في صورة خضر الكبش الملصقة على الجدران حول منزله. الشاب لم تجرحه الشظية، بل قتلته فوراً عندما أصابت قذيفة مجهولة المصدر محله. للرجل والكبش زملاء كثر في التعمير لم يعوض عليهم أحد ولا يستطيع أحد أن يعدهم بأن لائحة الضحايا ستقتصر على من سقط حتى الآن.
يتمهل أحمد قبل الحديث عن «علقة» التعمير المرتقبة. يفكر كثيراً. في لحظات، استعاد شريط «العلقات» التي عايشها في التعمير منذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وحتى الاشتباك الأخير. يصل إلى نتيجة مستمدة من خبرته: «لا علقة قريبة». يرى أن «لا مصلحة للمخيم في أن يدخل في اشتباك مع الجيش، وأن جماعة حيّ الطوارئ لن تجد تجاوباً من فصائل المخيم لدعم قتالها ضده». الجيش أيضاً لا مصلحة له في شنّ معركة ضد حيّ الطوارئ وبقايا «جند الشام» و«فتح الإسلام» يقول أحمد. ويشير إلى أن «ضباط الحواجز وعناصرها في التعمير أدركوا في الاشتباك الأخير أن تلك الجماعة قادرة على الالتفاف عليهم من كل جانب. ويذكر أنه رأى عناصر منهم يقفون في نقاط أمامية للحاجز خلال الاشتباك الأخير، ما يعني أن «البيوت والمحالّ المتداخلة تشكل نفقاً يوصلهم من حيّ الطوارئ إلى الشارع الرئيسي، لا إلى مدخل التعمير فحسب».
مع ذلك، الترقب سيد الموقف في التعمير. تتباين الآراء في جدوى اندلاع اشتباك جديد. البعض يقول: «خليها تعلق لكي نخلص من تلك الجماعات في الطوارئ». فيما يخشى آخرون من نتائج قرار الجيش بالدخول إلى الحيّ كما دخل قبل سبع سنوات إلى التعمير. يتوقف هؤلاء بخوف أمام الأسلحة التي استخدمها كل من الجيش والجماعات في الاشتباك الأخير. مدفعية ثقيلة وقذائف رشاشة لم تهدأ طوال يومين متتاليين أوقعت أضراراً جسيمة أكثر من المرات السابقة. يدرك الأهالي أن الجماعات نظّمت أمورها في ما بينها أكثر من السابق وامتلكت كميات من الأسلحة ستنهمر فوق رؤوسهم. لكن هل اكتملت عناصر المواجهة؟
تبدو ظاهرة للعيان أعمال التدشيم التي ينفذها الجيش في نقاطه في التعمير. في الأيام الأخيرة، لوحظ استنفار لعناصر الحاجز في الوقت الذي حصلت فيه تطورات أمنية في الشمال والبقاع والضاحية، خوفاً من فتح «جبهات نصرة» متصلة ضد الجيش. وكلما وضع الجنود «الطاسات» على رؤوسهم، استنفر الأهالي وانتظروا الساعة الصفر للهروب. في المقابل، ينقل الأهالي أن الاستعدادات جارية لمواجهة مرتقبة في حيّ الطوارئ أيضاً. يتحدثون عن غرباء كثر يتوافدون إلى الحي وعن انتشار ظاهرة تزوير الهويات في التعمير. وقد لجأ أهالي المطلوبين في أحداث عبرا ومناصرو فضل شاكر وأحمد الأسير إلى الحيّ، تاركين بيوتهم في التعمير، التي أحرق بعضها خلال الاشتباك الأخير. فيما تنشط عمليات شراء واستئجار للشقق التي تضررت أو هجرها أصحابها، ويتردد أن فضل شاكر وشقيقه أبو العبد الشمندور وأسامة الشهابي يقفون خلفها لاستخدامها كجبهة قتال ونقاط قنص ضد الجيش. معلومات تحدثت عن عمليات تجنيد واسعة لشبان ضمن إطار «الشباب المسلم» الذي بات لقب بقايا «جند الشام» و«فتح الإسلام»، ولا سيما بين النازحين السوريين. فيما نقل آخرون مشاهدات عن تدريب نساء في الحيّ وداخل المخيم على استخدام المسدسات ضمن عمليات اغتيال أمنية. سكان بعض البيوت الملتصقة بالطوارئ يتهامسون عن سماع أصوات تكسير في الجدران ورشقات نار وانفجار قذائف محدودة، فيما يقول بعضهم إنهم شاهدوا لدى أحد مسؤولي الجماعات أكثر من «كومبراسور» كهربائي تستخدم لحفر الأنفاق.

  • شارك الخبر