مقالات مختارة - شارل جبور

هل يعزّز تمايز «الكتائب» رصيدَه أم العكس؟

الأربعاء ١٥ آب ٢٠١٣ - 08:31

  • Aa
  • ع
  • ع
  • ع

الجمهورية

من حقّ حزب الكتائب التمايز عن مكوّنات 14 آذار في الشكل والأسلوب، كما من حقّ هذه المكوّنات التمايز بدورها عن الكتائب وعن بعضها بعض، لأنّ ما يجمع بين هذه القوى أبعد من تمايز شكلي إلى اتفاقها على مجموعة مبادئ وأهداف سيادية أثبتت الأعوام المنصرمة أنّ أيّاً منها على استعداد للتضحية بأيّ شيء باستثناء التراجع عن هذه المبادئ.

فالمسألة إذاً ليست في الأساس، إنّما في الشكل، ولكنّ هذا لا يحجب ضرورة التساؤل عن الجدوى من وراء خطوات لا تقدّم ولا تؤخّر، لا بل تنعكس سلباً على صورة هذا الفريق داخل بيئته من دون أن يتمكّن في المقابل من استثمارها لدى الطرف الآخر، وحتى لو كان أساساً ليس في وارد الاستثمار، ولكنّ حقيقة الأمور أنّ خطوات من هذا النوع تضع الفريق الذي يقوم بها في خانة الـ Lose-Lose Situation، إذ إنّه يخسر قاعدته من دون أن يربح القاعدة الأخرى.

ولعلّ مناسبة هذا الكلام زيارة نائب رئيس حزب الكتائب سجعان قزي لموقع الانفجار في الرويس، والانتقاد ليس من باب التضامن مع أهل الضاحية، وهو تضامن بديهيّ ضدّ أيّ عمل إرهابي في أيّ بقعة من هذا العالم، فكيف الحريّ في لبنان؟

إنّما الانتقاد سببه أنّ الحماس الزائد أدّى إلى تحميل الزيارة التضامنية رسائل سياسية وتفسيرات وتأويلات كانت الكتائب بغنى عنها، على رغم أنّ هذا الحماس قد يكون مردُّه إلى جرح حزبيّ-عائليّ متصل باستشهاد النائبين بيار الجميّل وأنطوان غانم بنفس الطريقة الإرهابية، وبالتالي رغبتهم بالتعبير قولاً وفعلاً عن سخطهم وغضبهم من هذه الأعمال.

ولكن أين مصلحة الكتائب في إعطاء إشارات انفتاحية على "حزب الله" لا تغيّر بالواقع القائم، ويستفيد منها الحزب بتظهير الانفتاح السياسي عليه، في الوقت الذي يفترض فيه تضييق الخناق على مشروعه الإقليمي لدفعه إلى تقديم تنازلات وطنية من قبيل انسحابه من سوريا، أو بالحدّ الأدنى ترسيم حدود اللعبة معه على قاعدة أنّ تمسّكه بمواقفه يحول دون التواصل معه، خصوصاً أنّ المطلوب الضغط على الحزب لا ترييحه؟

فالحزب قد يفهم إشارات الكتائب على غير حقيقتها لجهة أنّها تبحث عن دور أو سلطة، وأنّه في موقع القادر على تلبيتها لتحييدها أو استيعابها، فيما الكتائب لم يسبق أن بدّت المنافع الفئوية على حساب المصلحة الوطنية، وبالتالي إشاراتٌ من هذا النوع تفيد الحزب ولا تبدّل شيئاً في الواقع، فضلاً عن أنّ القيام بخطوات انفتاحية يتطلّب مناخات توافقية لا أن يقابل بأقصى التشدّد السياسي من خلال الإصرار على المعركة السورية والإعلان عن حرب مئوية جديدة مع التكفيريين بعد الإسرائيليين من دون الوقوف على رأي الكتائب ولا اللبنانيين.

كما أنّ الحزب يعرف جيّداً تاريخ الكتائب ورفضها في كلّ مفاصله الأساسية التنازل عن أيّ مسألة سيادية، وبالتالي أفق العلاقة بين الطرفين مسدود، خصوصاً أنّ "حزب الله" لا يتطلّع إلى علاقات ندّية، إنّما كلّ همّه توفير أوسع مظلّة وطنية لمشروعه الإقليمي، فضلاً عن أنّ شرط أيّ تحالف معه الالتحاق بمحور الممانعة.

وإذا كان شخص من قبيل وزير الداخلية مروان شربل غير مرغوب فيه في الضاحية، أو رجل وسطيّ على غرار رئيس الجمهورية ميشال سليمان شنّت عليه حملة شعواء لمجرّد دفاعه عن الدولة والدستور على رغم زيارته لطهران ورفضه إدراج "حزب الله" على لائحة الإرهاب الأوروبية، فهل من يسأل عن مكان للكتائب في الضاحية؟

وإذا كان من يعتقد بأنّ التمايز عبر التساهل لا التنازل يخوّله تسجيل بعض النقاط على حلفائه باختراق البيئات الأخرى، فهذا الاختراق غير قابل للصرف لا مسيحيّاً ولا شيعيّاً، ولا بل يرتدّ على أصحابه وطنياً، خصوصاً أنّ الرأي العام غالباً ما يكون أقرب إلى خط الصقور لا الحمائم، والمتشدّد لا المتساهل، في ظلّ صراع سياسيّ يستخدم فيه الخصم كلّ أنواع الأسلحة لإبقاء لبنان محتجزاً ومخطوفاً، وما ينطبق على "الضاحية" ينسحب على الحكومة والحوار من زاوية أنّ أيّ مساكنة مع "حزب الله" تشكّل خدمة للحزب وحده.

وإذا كان التمايز مسألة بديهية وطبيعية ومطلوبة، إلّا أنّه حبّذا لو يكون هذا التمايز في البعد التنظيمي لا السياسي لجهة جذب الرأي العام لهذا الحزب أو ذاك من باب الدينامية والحيوية والتنوّع والتعدّد والديموقراطية...

  • شارك الخبر