مقالات مختارة - ناصر شرارة

رسالة لجنبلاط: القصير أكبر من عاليــه والشوف

الأربعاء ١٥ آب ٢٠١٣ - 08:34

  • Aa
  • ع
  • ع
  • ع

الاخبار

هل يتورط رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف في مغامرة بندر بن سلطان، ويعلنان حكومة الأمر الواقع اليوم أو غداً؟ وماذا سيفعل زعيم المختارة الحائر بين مصالحه الآنية، والمفاعيل السلبية لهذه الدعسة الناقصة عليه وعلى البلد؟


تكرر اكثر من مرة، في الأسابيع الاخيرة، المعنى العملي لـ «العبرة» التي تؤكد ان الانخراط في تنفيذ أجندة مدير الاستخبارات السعودية الأمير بندر بن سلطان أمر مكلف، وأن تلبية أوامره أشبه ما تكون بتلبية دعوة مموّلة للدخول الى نادي تخريب الذات وخراب البلدان.
غزوة أطراف اللاذقية، التي صمّمها بندر للدلالة على أن جعبته لا تزال تحوي مفاجآت قادرة على استعادة زمام المبادرة العسكرية ضد النظام في سوريا، حققت نتائج عكسية. أما أكثر المتضررين من نتائجها، فهي القاعدة الاجتماعية السنية في سوريا، المفترض ان بندر يقاتل من أجلها.
اللاذقية في احداث سوريا تشبه ما كانت عليه برمانا إبان الحرب اللبنانية. فقد نعمت اللاذقية بازدهار كتعويض عن انهيار ادوار المدن السورية الكبرى على هذا الصعيد. وما زادته اللاذقية على دورها عن برمانا اللبنانية، هو انها اصبحت ملجأ يقصده النازحون السوريون بمختلف طوائفهم من كل المناطق الساخنة في انتظار حل الازمة، متحاشين خيار الهجرة من البلد. وقرار بندر بهزّ استقرار اللاذقية ومنطقتها لن يغيّر ميزان القوى العسكري فيها، لكنه بالتأكيد هزّ استقرار الديموغرافيا السورية التي نزحت اليها من المدن بوصفها مدينة تجارية عابرة للصراع المذهبي. وقبل اللاذقية، كانت مدينة الرقة قد أدت دوراً مشابهاً في ظل تعاظم الفرز الديموغرافي. كان ينظر الى الرقة على انها فندق النزوح السوري الداخلي الآمن، لكن تمويل بندر هجوم المعارضة عليها اغتال هذا الدور. والثمن في الحالتين دفعته الديموغرافيا السنية السورية.

تذكير بكوارث بندر

خلال الساعات الماضية، مثلت سيرة كوارث بندر في الذاكرة اللبنانية مع تحذير من اتباعها. جرى ذلك في اتصالات عاجلة أجراها أقطاب وازنون في فريق 8 آذار مع شخصيات لبنانية يُعوّل بندر على توريطها في القفز بمهمة رئيس الحكومة المكلف تمام سلام نحو خطوة ناقصة بتأليف حكومة أمر واقع.
ولم يعد خافياً ان إعلان حكومة أمر واقع يحتاج إلى نوعين من التوقيعات عليها لتصبح قائمة وفعلية: الأول دستوري يتعلق برئيس الجمهورية ميشال سليمان، والثاني سياسي في عهدة النائب وليد جنبلاط.
في أوساط 8 آذار انطباع بأن سليمان قد«يفعلها». أما التوقعات بالنسبة الى جنبلاط، فيشوبها التباس، مع ميل إلى انه سوف «يتعقل». وفي الساعات الماضية، وصلت إلى الأخير نصائح تحمل معنى الرسائل، تطلب منه محاذرة التورط في أجندة بندر، بغض النظر عن إغراءاتها الآنية. وترتكز النصائح إلى أن معادلة الصراع الراهنة لن تكون قابلة للتجزئة، فالمقاييس يجب ان تكون واضحة عند اتخاذ القرارات الكبرى، اذ إن «القصير اكبر من كل من الشوف وعالية مجتمعتين»، ومسالكها السياسية اكثر خطورة ووعورة.
ويلاحظ ان الرسائل لم تكن تصدر من جانب واحد. ففي الواقع، دشّن الخرق الاسرائيلي في اللبونة والرد عليه بكمين مرحلة الرسائل الساخنة على الساحة اللبنانية وانطلاقاً منها، بالتوازي مع الاستعدادات السعودية لمعركة حلب، وما يقابلها من استعداد لمحور الممانعة للرد على هذه المعركة بحزم، سواء في ميدانه أو على ضفافه الإقليمية.
ولم يكن ما استجد من تطوير للرد على الدور غير المباشر لتركيا في قضية مخطوفي أعزاز، بمعزل عن بدء «مرحلة حرب الرسائل الساخنة»، بغض النظر عن الجهة التي قامت باحتجاز الطيارين التركيين. فالاهم من العثور على الجهة الفاعلة هو اتقان قراءة رسالة الحدث، التي تقول إن اللحظة خطرة للغاية، وإنّ فواتير المواقف السياسية المتخذة خلالها مكلفة فيما لو غامرت بـ «دعسات ناقصة».
ورغم ما تتضمنه الرسائل من «نصيحة جدية» للمعنيين من عواقب السير في حكومة أمر الواقع على البلد، الا ان ما تسرب ليل اول من امس عن السفيرة الاميركية مورا كونيللي خلال لقائها بعض اصدقائها اللبنانيين، يوحي بأن قرار تأليف الحكومة اتخذ، وبان موعد خروج الدخان الأبيض من قصر بيت الدين بات قريباً جداً.
في غضون ذلك، الجميع في انتظار عودة وزير الشؤون الاجتماعية وائل ابو فاعور وتيمور جنبلاط من السعودية، لمعرفة ما إذا كانا قد استطاعا إقناع بندر بأن لبنان لا يتحمل عبء السير في حكومة أمر واقع، علماً أن ثمة شكوكاً في ذلك. لذا يبقى الأمل في ان ينجح جنبلاط في اقناع نفسه بأنه في غنى عن تأييد هذه الخطوة، حتى لو أصر عليها بندر ومن ورائه سليمان وسلام.

وزيران لكل حقيبة؟

لا يبدو أن هناك ضمانة بأن يفتح مجلس النواب أبوابه أمام حكومة أمر واقع لنيلها الثقة، وذلك تحت المبرر ذاته الذي أفاد منه في المرات السابقة فريق 14 آذار، وهو ان المجلس لا يستقبل جلسات غير ميثاقية تغيب عنها طائفة بكاملها. ومن غير نيلها الثقة، لن يكون ممكناً لوزراء حكومة الامر الواقع تسلم الوزارات من نظرائهم في حكومة تصريف الاعمال، حتى لو ان العادة درجت في زمن الوجود السوري على وضع عربة تسلم الوزارات قبل أحصنة نيل الثقة. تلك كانت مرحلة عبّر فيها هذا الاجراء عن توافق سياسي، اما في الظرف الحالي، فإن وزراء حكومة تصريف الاعمال باقون وراء مكاتبهم طالما ان الحكومة الجديدة لم تنل الثقة. ويقود هذا المشهد الى صورة يمكن استقراؤها منذ الآن: تمام سلام في السرايا لأن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي لن يعاند رغبة السعودية، وعدا ذلك ستكون هناك حكومتان. واحدة دستورية لا تملك مفاعيل سياسية، وأخرى سياسية تفتقر إلى الغطاء الدستوري. وهذا يعني ان البلد سيدخل ازمة وطنية، وحلها لن يكون ممكناً من دون جهد خارجي كبير يعادل الجهد الذي سبق اتفاق الطائف، لكن في ظل انشغال الدول الكبرى عن لبنان حالياً، يتوقع أن تطول الازمة في انتظار توافر لحظة دولية تسمح بإعادة انتاج اتفاق تأسيسي للجمهورية الثالثة، لا أقل من ذلك.

  • شارك الخبر