2018 | 03:57 شباط 20 الثلاثاء
قائد الجيش: لن يوفّر الجيش وسيلةً متاحةً للتصدي لأي عدوان إسرائيلي مهما كلفه ذلك من أثمان وتضحيات | سجن أميرين من الأسرة الحاكمة في الكويت لمدة 5 سنوات بتهمة إهانة رئيس مجلس الأمة | قتيل وجريح في حادث صدم بطرابلس |

أبو أنيس وأم أنيس

رأي - الاثنين 22 تموز 2013 - 07:19 - فراس حميّة

اعتدت رؤيتهما يوميّاً اثناء عودتي من العمل. أبو أنيس وأم انيس عجوزان في خريف العمر ينتظران سقوط آخر أوراقه. لا أذكر يوماً دخلت فيه الى الحيّ من دون أن أرى الحجّة أم انيس جالسة أمام باب الدار تنفخ دخان سيجارتها الطويلة كطول سنينها. حين تراني قادماً من بعيد تبتسم وينتابها شعوراً بالغبطة لا أدري كنهه. ربما لأنّني أذكّرها بشبابها فهي كانت تحكي لي قصصاً عن طفولتي لا أذكرها. أسئلتها على الدوام كانت سياسيّة من العيار الثقيل، فهي اعتادت على الاستماع الى نشرة الاخبار عبر الراديو الصغير إضافةً الى استفسارها الدائم عن الوضع الامني. ينتابني شعور بالخجل حين كانت تمسك يدي وتقول لي "انت اذكى شاب لأنك ما تركت المدرسة وتعلمت". وفي المرات القليلة التى لا تجد فيها سؤالاً هاماً كانت تستوقفني للسؤال عن الساعة ثم تتمتم قائلةً "أوففف مرق الوقت والعمر بسرعة".
زوجها هو الآخر طاعن في السن. كانا يجلسان خارجاً للتمويه والحديث مع الجيران والهروب من الحرّ الذي يلفّ الحيّ أثناء انقطاع الكهرباء. كانت مهمة ادخال ابو انيس الى البيت إحدى واجباتي اليوميّة، وعند انتهاء السهرة، وقبل المغادرة، تنظر اليّ وتقول بصوت عالٍ "الله يلعن أسرائيل... الله ينصر المقاومة..." فأهز رأسي موافقاً. لم يفترقا طيلة خمسين عاماً من الزواج وبالرغم من السنين الكثيرة الا أنّ نظراتهم ما زالت مليئة بالحب والحنان والحنين والشفقة ربما لما آلت اليه حالتهما الجسديّة والصحيّة. إحساس صعب أو غريب عندما تلبس الحفاضات وانت تناهز الثمانين سنة ولا تقوى على قصّ أظافرك والاعتناء بنفسك وغسل ثيابك وشراء الدواء وتأمين المأكل والمشرب.
ها هي تبتهج أم أنيس وتزفّ لي خبر وصول الباخرة التركيّة فاطمة غول لتضيء لبنان من دون انقطاع وتعلّق على الموضوع قائلةً "صار فينا نقعد وننضبّ بالبيت شوي ونرتاح وننام بلا ما نفطس". أبتسم وأهزّ رأسي موافقاً على كلامها...لا يحقّ لليائس أن ينقل عدوى يأسه للآخرين. اؤمن بأنّ للآخرين حقّاً في الحلم وأنا لست من النوع الذي يقتل الأحلام.
في اليوم الذي تعطّلت فيه فاطمة غول، ارتسم على وجه ام انيس تعب العمر كله وردّدت أثناء دخولها الى بيتها الأرضي "الليلة عالشمعة يا أبو انيس". في صباح اليوم التالي كاد يختنق الحيّ كلّه جرّاء الدخان المتصاعد من غرفة بيت ابو انيس. أيقظني صوت صراخ الاهالي لأودّع العجوزين المحروقين بسبب شمعة...
الآن، وبعد مرور الوقت، أتساءل لو أنّ فاطمة غول أنارت سماء لبنان في تلك الليلة لكنت الى الآن أرجع من عملي لأجد أبو أنيس وأم انيس يجلسان خارجاً يستمعان الى نشرة الاخبار. رحلت أم أنيس ولم تدرِ أنّها هي المقاومة بحدّ ذاتها.