مقالات مختارة - هيام القصيفي

كرة عبرا السياسية في ملعب حــزب الله

الأربعاء ١٥ حزيران ٢٠١٣ - 08:43

  • Aa
  • ع
  • ع
  • ع

الاخبار

الجيش لا يزال على جهوزيته، وكلفة الدم أصبحت غالية، لكنها اليوم تحوّلت بازاراً سياسياً يحاول كل طرف سياسي تجييره وتجيير عملية عبرا لصالحه
 

لم يتعامل المجتمع الدولي مع التمديد لمجلس لنواب اللبناني إلا بوصفه خرقاً للمبادئ الدستورية، ولم يثر لديه تمديد المجلس لنفسه انطباعاً إيجابياً، لكنه اضطر الى التعامل معه بصفته أمراً واقعاً، لأنه يمكن أن يشكل غطاء للاستقرار في لبنان. في المقابل، تعامل الجو الدولي مع نجاح الجيش بوقف الاعتداءات عليه وإنهاء ظاهرة الشيخ أحمد الأسير من زاوية إيجابية، وبصفتها حدثاً يؤكد دور الجيش في تعزيز الاستقرار في لبنان، بحسب ما شددت عليه واشنطن وروسيا ولندن وباريس.
مع اختلاف هاتين الزاويتين، يفهم تعليق الموفدين الغربيين آمالهم وحرصهم مرة تلو أخرى على دور الجيش لحفظ الاستقرار في لبنان، ليس من باب اللازمة التي تتكرر عند كل مفصل أمني، وإنما من زاوية حرص المجتمع الدولي على الاستقرار فعلاً، لا قولاً. والدبلوماسيون والموفدون الغربيون الكبار الذين أتوا وسيأتون تباعاً الى لبنان، إنما ينقلون رسائل واضحة في هذا الاتجاه. وهو ما أكدته مفوضة الشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي كاترين آشتون في زيارتها الأخيرة، وسيكون الكلام نفسه أيضاً على جدول أعمال الموفدين المهتمين بفصل مسار لبنان عن سوريا، وبالرغبة في ترجمة نجاح الجيش بتشكيل حكومة تكون حافظة للاستقرار.

وحدهم اللبنانيون، بحسب أحد السياسيين المطلعين، هم الذين يريدون زعزعة هذا الاستقرار ويسحبون بلدهم نحو التدهور.
منذ أن أطلقت النار على الجيش في طرابلس وقبلها وبعدها في عرسال، ومنذ أن بدأت بعض الصفات تطلق على الجنود المنتشرين في الأحياء التي تشهد اشتباكات، بدا أن الوضع دقيق وحساس، وأن ما يمكن أن يتعرض له الجيش سيكون أكبر من محاولات ضبط إيقاع الفتنة التي حاول الجيش القيام بها.
لكن أسوأ ما حصل في صيدا، هو أن ثمة طرفاً يظهر نفسه على أنه ضحية قمع الجيش لحالة الأسير، وهو ما عكسه بيان رؤساء الحكومات بوصفه صادراً عن زعماء الطائفة السنية، وطرف آخر يظهر نفسه كأنه منتصر جراء ما حصل، وهو الثنائي الشيعي. وكلاهما يحاولان تجيير سقوط شهداء الجيش ومصابيه في ميزانه السياسي، مع العلم بأن الجيش حين قام بعمليته لم يكن يقوم بها لاستهداف «أهل السنة» ولا دفاعاً عن مقامات «آل البيت». وهو لم يعدّ لعملية عبرا ولم يكن يجهز أي حملة لإزالة المربع الأمني طالما أن الأسير كان ملتزماً السقف التقليدي الذي اعتاد عليه، بل رد الجيش على العملية التي استهدفته مباشرة «عن سابق تصور وتصميم».
وأسوأ ما حصل أن فريق 14 آذار السني تصرف وكأن ما يعنيه فقط عرسال وطرابلس وصيدا فحسب، بوصفها مراكز سنية الطابع. وتصرف أيضاً وكأن الجيش يتعرض له، رغم أن الجيش لم يمسّ من قريب أو من بعيد أي فرد من تيار المستقبل، بل رد على مجموعة كانت قوى 14 آذار الى الأمس القريب تشن عليها هجمات سياسية وتنتقدها بحدة. ومع ذلك، تصرف هؤلاء وكأن عملية عبرا توازي بظروفها عملية 7 أيار، رغم اختلاف الظروف والمجموعة المستهدفة واختلاف قيادة الجيش عن تلك التي كانت في حينه. لكنهم مع ذلك وجدوا في حادثة عبرا فرصة للرد على حزب الله من باب الجيش، وقفزوا فوق الحادثة، للمطالبة بحكومة تلبي مذكرتهم الى رئيس الجمهورية، تعويضاً عن إزالة مربع الأسير.
في المقابل، لا شك في أن الثنائي الشيعي الذي طالما وقف الى جانب الجيش ويشيد به، يتصرف بالنسبة الى الحادثة حتى الآن بصمت مدوّ، على أساس أن إزالة المربع الأمني للأسير تصب في نهاية المطاف في صالحه، إذ بقيت بذلك طريق الجنوب مفتوحة وسالكة لحماية تنقلاته، ولم يعد لديه خصم مسلح في مدينة صيدا، مع العلم بأن الكرة اليوم أصبحت في يد هذا الثنائي لإزالة الالتباس الحاصل حول موقعه في صيدا، حماية للجيش ونجاحه، وحتى لا يتحول الانتصار العسكري وكأنه ترك صيدا في يد فريق دون آخر. من هنا أهمية مبادرة حزب الله إلى القيام بخطوة لسحب فتيل الفتنة التي لم تنته فصولها بعد. وبقدر ما ذهبت 14 آذار بعيداً في مطالبة الجيش بإزالة الشقق وسرايا المقاومة، مع العلم بأن هذا الأمر سياسي، وليس من مهمة الجيش، فإن على الحزب في المقابل فتح ثغرة في جدار الأزمة السياسية، بدل أن تتحول طرابلس وصيدا ساحة احتقان شديدة تنعكس في نهاية المطاف على وجود الجيش دون غيره.
هكذا كانت صورة المشهد بعد تحقيق الجيش انتصاره في عبرا وسقوط الشهداء والجرحى. لكن أين الجيش من الفريقين؟ الواضح أن الاستغلال السياسي للحدث، سواء بالنسبة الى التمديد لقائد الجيش أو حتى بالنسبة الى فتح ملف الخلاف المستشري بين المستقبل وحزب الله، طغى في الساعات الأخيرة على الحسابات العسكرية. هكذا أطل الرئيسان فؤاد السنيورة وسعد الحريري والنائبة بهية الحريري، وهكذا ظهر رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون. لكن في الواقع، هناك عملية بالغة الأهمية حصلت، ولم يسأل أحد لماذا كانت حصيلتها مرتفعة الى هذا الحد، وما هي المفاوضات التي جرت وكيف رحبت القوات الدولية بما حصل.
بحسب المعلومات، فإن الجيش كان قادراً منذ الساعات الأولى للعملية على أن يحسم الوضع لصالحه، عبر عملية قيصرية حاسمة، لكنه تفادى ذلك كي لا يتسبب بخسائر كبيرة في صفوف المدنيين، الأمر الذي جعل المواجهات تستمر بوتيرة وبطرق مختلفة، ما أدى الى سقوط هذا العدد من الشهداء والجرحى في صفوفه، مع العلم بأن شهداء الجيش وجرحاه لم يسقطوا في عبرا وحدها، بل استهدف عدد منهم في أحياء مختلفة من صيدا، ومن منطقة تعمير عين الحلوة.
النقطة الثانية هي أن المفاوضات السياسية التي جرت في المراحل الأولى وعلى أعلى المستويات هدفت الى تأمين مخارج لائقة للأسير، وتسويات سياسية. كان ثمة انطباع عند القائمين بمحاولة التسوية أن الجيش لن يتحرك أسوة بما فعله في عرسال. لكن بالنسبة إلى الجيش كانت عبرا النقطة التي أفاضت الكأس، إضافة الى أن عبرا بخصوصيتها وأهداف المجموعة وانتماءاتهم، ومنهم غير اللبنانيين، تختلف تماماً عن عرسال أو طرابلس، حيث الظروف والحيثيات مختلفة. وإن كان الجيش لا يزال يتخذ التدابير اللازمة لإلقاء القبض على مرتكبي الاعتداءات ضده في عرسال وطرابلس.
النقطة الثالثة تتلخص في مدى الارتياح الذي خلفته حادثة عبرا وسيطرة الجيش بالنسبة الى القوات الدولية العاملة في الجنوب في إطار تنفيذ القرار 1701. وهذه القوات كانت قد رفعت صوتها يومي الأحد والاثنين بعد إقفال طريق الجنوب أمامها، وهي تعد الشريان الحيوي والوحيد لإمداداتها، وأبدت ارتياحها التام بعدما أصبحت الطريق سالكة أمامها بشكل تام.
أما النقطة الرابعة فتتعلق بما بعد عبرا.
لا يزال الجيش في حال جهوزية تامة، وهو يدرك أن الاستهدافات لن تتوقف، ويتوقع كما كان قبل عملية عرسال الأخيرة وبعدها أن يستهدف عناصره. والأسبوع الماضي، كان الجيش يتحدث بصراحة تامة عمن يتحمل كلفة انسحابه من الداخل لينتشر على الحدود. اليوم، بعد حادثتي عبرا والليلكي، يتكرر السؤال ذاته، مع إضافة أخيرة: كيف يمكن أن يوضع الجيش في خضمّ سجال سياسي بين قوى 8 و14 آذار ولأهداف وغايات متعددة، بعضها قد يكون صحيحاً أو خاطئاً، ودماء شهدائه لم تجفّ بعد؟
 

  • شارك الخبر