مقالات مختارة - هيام القصيفي

كي لا يكون «أمن المجتمع الشيعي» وحــده فوق كل اعتبار

الأربعاء ١٥ حزيران ٢٠١٣ - 08:26

  • Aa
  • ع
  • ع
  • ع

الاخبار

ين حرب استباقية في سوريا ونزاع داخلي في لبنان يقف حزب الله في مفصل تاريخي، وهو يحتاج الى نقلة نوعية في الخطاب والاداء. فلا يبقى اسير هاجس الاستهداف، وكي يكون امن لبنان، لا المجتمع الشيعي وحده، كله فوق كل اعتبار
 

يقف حزب الله على مفترق لبناني واقليمي ودولي تاريخي. وهو، من دون شك، منصرف الى حماية موقعه امنياً وعسكرياً، وقراءة تداعيات مواقفه من الازمة السورية على لبنان والمنطقة. تطور موقف الحزب من الازمة السورية التي تخطت عامها الثاني تصاعدياً، من داعم للنظام السوري الى متورط حتى التفاصيل الصغيرة في الازمة، على عكس غيره من الافرقاء اللبنانيين، الذين استعجلوا نصراً مبكراً. ولم يعد سرا ان نقاشات كثيرة خيضت داخل دوائره الداخلية في ظل وجود تباين في وجهات النظر حول مستويات التدخل وتدرجه.
لكن هاجس الحزب تجلى في فكرة اولى ووحيدة، ظلت امام عيون قادته، وهي شعوره بأنه مستهدف من خلال الازمة السورية، بقدر ما ان النظام السوري مستهدف لتغيير نهجه لبنانياً واقليمياً ودولياً واسقاطه. ورغم ان الحزب كان متخوفاً، لا بل مدركاً، ان الضغط لاسقاط النظام السوري مركّز لاسقاطه معه، الا انه بقي يوازن بين دعمه الرئيس السوري بشار الاسد، وبين عدم غرقه في رمال سوريا، لا سيما في المراحل الاولى من الحرب فيها. وعلى خط مواز، بدا واضحاً، في اكثر من مفصل، ان الحزب تفادى استدراجه الى المعركة في لبنان، وسعى من خلال حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وفي حركته الداخلية الى منع توريطه في معارك جانبية.
ورغم ان ازمة سوريا طالت اكثر مما كان متوقعاً، ظل الحزب ممسكاً بالعصا من نصفها اشهراً طويلة قبل ان يقلب المعادلة ويذهب الى المعركة علناً، بعدما بدا ان الافق بات مسدوداً وان لا خيارات أخرى أمامه.
اطل الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله، في خطابه الاخير في 25 أيار الماضي، ليفنّد اسباب هذا التدخل المباشر. فالحزب خاض حرباً استباقية، بعدما شعر بأن المعركة بدأت تقترب من بيته. ولا يمكن أي طرف سياسي يضع نفسه في الموقع السياسي والامني ذاته للحزب، لبنانياً واقليمياً، الا ان يسير على الدرب نفسها. لكن الحزب الذي حاول تلميع صورته وتبرير تدخله سورياً، بحماية الوضع اللبناني ككل، لم ينجح في تسويق فكرته، ولم يستطع ان يحولها فكرة مربحة سياسياً، لا محلياً ولا اقليمياً. لا بل ان الهجوم عليه زاد حدّة، ووصل الى حد اطلاق الاطراف السياسيين المناهضين له، نعوتاً وصفات عليه لم يسبق ان استخدمت سابقا حتى في عز الازمات الداخلية العاصفة. اضافة الى ان الحزب بات يُسمى في صورة مباشرة، لبنانياً وعربياً، كما حصل مع دول مجلس التعاون الخليجي والسعودية، من دون اي مواربة، ويُحمّل مسؤولية ما يحصل في سوريا وطرابلس وعرسال وصيدا وغيرها من مناطق التوتر اللبناني. في موازاة تحريك عدد من الدول الاوروبية ملف وضع جناحه العسكري على لوائح المنظمات الارهابية رغم ان هذا الملف مرجح لأن يبقى معلقا لاسباب باتت معروفة.
هذا التصعيد في الخطاب السياسي والاعلامي تجاه حزب الله الذي يمثل الطائفة الشيعية، وصل الى الخط الاحمر والى الحد الذي بات الحزب يشعر معه بأن ثمة محاولة جدية لادخال الحرب الى منطقته وبيته، ما يجعله يردّ ويتصرف على قاعدة ان «امن المجتمع الشيعي فوق كل اعتبار». من هنا توضع سلسلة الاحداث والردود عليها من طرابلس الى عرسال وامام السفارة الايرانية او انفجار العبوة على طريق المصنع.
ينبئ تدحرج الاحداث في لبنان، ولمن يعرف خريطة سوريا، ان الآتي على الحدود يوازي اهمية ما جرى في القصير التي تشكل نقطة استراتيجية في محافظة حمص وكخطوط امداد. فاتجاه المعارك نحو حماية الحدود السورية ــ اللبنانية واقفال الثغر فيها، من اكروم جبلاً الى وادي خالد شمالاً، قد يشكل تطوراً خطيراً، ولا سيما ان الجزء الاكبر المواجه لسوريا في تلك المنطقة سني، بعكس ما هي عليه الحال في الهرمل. وهذا يعني ان المواجهة الداخلية بين الطرفين السني والشيعي التي بدأت منذ اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري ستزداد حدة، ولن تكون ساحتها حكرا على منطقة واحدة.
وهذا يؤدي حكماً الى ازدياد الشرخ الداخلي، وقد يكون الحزب حينها يخوض احدى اكثر مواجهاته الداخلية حدة، في دفاعه عن امن المجتمع الشيعي الذي يمكن ان يتعرض للخطر. فالحرب الاستباقية التي ارادها الحزب «كثمن اقل كلفة»، قد تكون انتهت مفاعيلها على مذبح دخول الفتنة الى لبنان واستجرار الحرب اليه، والاخطر استجرار التوتر الى الساحة الشيعية، عبر فتح جبهات توتير لالهاء الحزب وارباكه داخلياً، حتى تصبح ارضه بأكملها عرضة للتصويب عليها.
حتى الآن، ثمة من يرى ان الحزب حاول استدراك هذا المنحى بتسهيله تكليف الرئيس تمام سلام تشكيل الحكومة، وحتى من خلال تفاديه الذهاب الى الانتخابات في الوقت الراهن لتجنب تفاقم الحديث المذهبي والتشنج السياسي والطائفي ــ السني الشيعي ــ وتحوله بنداً وحيداً في الخطب الانتخابية بين الفريقين المتواجهين. لكن تقديم تنازلات محدودة بالزمان والمكان في هذا الشأن، لم يعد كافيا لا للوضع العام ولا حتى للحزب، لانه للمرة الاولى يصبح متورطا الى هذا الحد في الازمة الداخلية، ويصبح مجتمعه في مواجهة مفتوحة بلا خط رجعة مع المجتمعات اللبنانية الاخرى.
واذا كان الحزب خبر اكثر من مرة سبل النفاذ من المآزق الداخلية، الا ان المخرج بالذهاب الى تفاهمات حقيقية في الوضع السياسي على اكثر من مستوى، لم يعد مجرد عبارة سياسية عابرة، بل بات تحدياً حقيقياً في تحييد لبنان جدياً عن الحرب السورية، التي وضعته ــ رغم كل التبريرات ــ في مواجهة مع جزء لا يستهان به من اللبنانيين. والخروج من هذه الحرب بأقل الاضرار كلفة، في الداخل اللبناني، يحتاج الى نقلة نوعية في الخطاب والاداء. ومسؤولية حزب الله في ذلك حتمية، فلا يبقى اسير هاجس الاستهداف، وكي يكون امن لبنان كله فوق كل اعتبار.
 

  • شارك الخبر