مقالات مختارة - شربل مخلوف

هل يقود تميم ربيع قطر بعدما قاد والده ربيع العرب؟

الأربعاء ١٥ حزيران ٢٠١٣ - 08:22

  • Aa
  • ع
  • ع
  • ع

البلد

الأمير تميم بن حمد (33 عاماً) سيتولى السلطة نهاية آب المقبل، هكذا خرجت إلى العلن أخبار العائلة الحاكمة في إمارة قطر، وتمّ الكشف عن نية الأمير حمد بن خليفة آل ثاني تسليم السلطة إلى نجله الاول من زوجته الثانية الشيخة موزة بنت المسند، بعدما كانت الاخيرة تعارض تسليم زوجها السلطة إلى ابنهما وتحضّه على البقاء لأكثر فترة ممكنة في الحكم، لينتهي بذلك عهد انقلابات الابناء على أبائهم في هذه الدولة الخليجية.
أبلغ الشيخ حمد شركاءه الفرنسيين أولاً برغبته في التنحي لأسباب صحية علماً أن باريس هي من ساندت أمير قطر في إنقلابه على والده في العام 1995 وسوّقت اسمه لدى حلفائها الدوليين، ومنذ ذلك الحين تجمع الدولتين صداقة واستثمارات وأموال وغطاء سياسي وتبادل مصالح.
بدأ الشيخ حمد تسويق اسم نجله تميم في المحافل الدولية وهو مهّد له الطريق لتولي عرش دولة قطر، خصوصاً في زمن "الربيع العربي" والأوقات الحرجة التي تمرّ فيها المنطقة العربية، فيما تلعب بلاده دوراً رئيسياً في تطبيق مشروع "الاخونة السياسية" في المنطقة وتقديم نفسها على أنها "نصير الشعوب العربية التوّاقة إلى الحرية والديمقراطية"، ما جعل هذه الدولة الخليجية تخرج من قمقمها ومزاحمة كبار دول المنطقة، فتحولت قطر في عهد الشيخ حمد من دولة متفرجة إلى دولة فاعلة ترسم سياسات المنطقة ما أثار ريبة اللاعبين الاقليميين التقليديين. وقد نالت خطوة الشيخ حمد استحساناً لدى حلفاء قطر الدوليين وأبرزهم الولايات المتحدة وبريطانيا والمملكة العربية السعودية.
خرج الشيخ حمد عن التقليد المعتمد في المنطقة الخليجية، فقد درجت العادة على أن يتسلّم ولي العهد الحكم بعد موت الحاكم، إلا أن الرغبة في نقل السلطة بشكل سلس إلى جيل شاب مع ما يترافق ذلك من تغييرات جوهرية قد تطال رموزاً في الدولة أبرزها استبعاد رئيس الوزراء القطري الحالي ووزير الخارجية حمد بن جاسم آل جبر، ما قد يؤثر على السياسات الخارجية لدولة قطر ويؤدي إلى عدم وضوح الرؤية في هذا المجال، وبالتالي سينعكس ذلك بشكل أو بآخر على الازمة السورية وكيفية التعامل معها خصوصاً أن الدوحة من أشد المناهضين للرئيس السوري بشار الاسد، كما أن العلاقة بالحلف الاطلسي والاستثمارات القطرية في الدول الاوروبية وشبكة العلاقات التي بناها نظام الشيخ حمد منذ العام 1995 ستشكل حافزاً بالنسبة إلى الامير تميم للسير على خطى والده مع إضفاء لمسته الخاصة.
إلا أن البعض يرى أن توقيت إعلان هذا الخبر أثار شكوك المتابعين، فقطر اليوم منغمسة تماما في كل أزمات المنطقة، نصبت نفسها عبر الجزيرة والمال راعيا للربيع العربي ودوله وثوراته، رعاية حملت لها الكثير من الاتهامات، فباتت اليوم الحليف الاول للبعض والعدو الاول للآخرين، لتكسر الامارة قيود التاريخ والجغرافيا وكل قواعد الشرق الأوسط.
وهنا تطرح أسئلة عدّة: كيف ينسحب الامير من المشهد السياسي في ذروة النفوذ القطري في المنطقة والعالم؟ وهل هذا الانسحاب يهدد السياسة القطرية بأسرها، لا سيما وان المعلومات تشير الى امكانية تغيير الرجل القوي رئيس الوزراء حمد بن جاسم، الذي رسم مع الامير انتقال قطر من مشيخة في الخليج الى إمبراطورية مال وغاز واعلام؟ وهل يكون انسحاب الامير من السلطة شكلياً فقط ليؤمن للشيخ تميم انتقالاً سلساً تدريجياً، فيشرف من خلف الستار على استمرار ما رسمه لقطر الدولة، ام أن تميم سيتسلم بالفعل قيادة الدولة الامبراطورية التي تخوض حروبا بالمال والاعلام والسلاح على امتداد الشرق الأوسط؟
ويعتبر المحلل السياسي والاقتصادي د. سامي نادر في حديث لـ"صدى البلد" أن رغبة أمير قطر تسليم السلطة إلى نجله لم تأت من عبث، بل هي خطوة مدروسة، تمّت بالتنسيق مع القوى الفاعلة داخل النظام القطري، فأي خطوة ناقصة ممكن أن تؤثر على مسار الاحداث في المنطقة وعلى دور بلاده، خصوصاً أن الدوحة تلعب دوراً بارزاً في هذه الفترة". ويضيف "كل شيء متوقف على مدى تنسيق هذه الخطوة، لأنها لم تكن صادرة ولم تنزل كالصاعقة، بل تمّ التحضير لتسلم الامير تميم الحكم منذ أكثر من أربع سنوات، فالدولة القطرية لديها تقاليد تتبعها في الحكم، ووفقاً لهذه التقاليد يتمّ العمل".
ويتساءل نادر "هل ان تسلم جيل شاب الحكم قد يؤثر على العلاقة مع رئيس الوزراء خصوصاً ان الدور الذي لعبه الأخير كان دوراً مميزاً من خلال إدارته للحكومة، والحركة المكوكية التي كان يقوم بها والتي جعلته لاعباً أساسياً في الساحة الشرق-أوسطية؟". إلا أنه يرشّح استمرار الشراكة بين الشيخ حمد بن جاسم والامير تميم رغم بعض التغييرات في الوجوه التي قد تطرأ على أي نوع من الحكم الجديد.
ويقول نادر إن "امير قطر لم يقم بخطوة للتغيير بقوة، بل لتسليم السلطة إلى جيل شاب قادر على الاستمرار بنفس النهج، وفي حال نجحت هذه العملية فإنها ستؤسس حتماً لبداية حقبة جديدة، يتم فيها إنتقال السلطة بشكل هادئ ومنظّم وخاضع للتقاليد ومنطق الشورى وليس للمنطق العنفي".
ويصرّ نادر على ان "انتقال السلطة إلى جيل الشباب ليس خياراً إعتباطياً" ويختتم في أن "أمير قطر أبلغ الفرنسيين اولاً بهذه الخطوة نظراً إلى العلاقة الوطيدة التي تربط الدوحة بباريس خصوصاً في عهد الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، عندما عوّل الفرنسيون على الشراكة مع قطر". ويرجح أن يكون سبب إبلاغ الفرنسيين أولا هو عدم رغبة القطريين في الدخول مباشرة مع الاميركيين فالخطوة الاولى هي تحضير الدبلوماسية الاوروبية لهذا الانتقال من خلال فرنسا.
تسليم العرش وان تم فلا شك سيشكل خطوة تاريخية في منطقة الخليج بل والعالم العربي أيضا، في ظرف شديد الحساسية أيضا. يسلم الأمير عباءة الحكم لولي العهد ليكسر التقاليد المتبعة والأعراف الضاربة في عمق جذور خليج العرب وجزيرتهم. منذ أعوام أنشأ الملك عبدالله في السعودية هيئة البيعة لضمان انتقال سلس للسلطة في المملكة التي يتوارث عرشها أبناء سلطان نجد وملك الجزيرة عبد العزيز بن سعود، وها هو الامير القطري يخطو أيضا في هذا الاتجاه.
لن يكون الموت هذه المرة باب الانتقال ولا الانقلاب أيضا، بل ارادة ذاتية بتسليم مقاليد الحكم الثقيلة لأمير جديد، كسر التقاليد لم يأت من فراغ ربما، فرياح الربيع العربي غيرت كل شيء وهي التي هددت مملكة البحرين المجاورة وحكما عمره مئات الأعوام لآل خليفة خصوم آل ثاني في ما مضى وحلفائهم اليوم.
سيستلم اذا وجه شاب جديد كرسي الامارة في قطر، فهل يكون تميم قائد ربيع قطر بعدما قاد والده ربيع العرب؟

  • شارك الخبر