مقالات مختارة - سمير عطاالله

أمة عربية فقدت وحدتها ووأدت رسالتها

الأربعاء ١٥ حزيران ٢٠١٣ - 08:22

  • Aa
  • ع
  • ع
  • ع

"النهار"

"الكلمات لا تعوِّض شعبي المقتول. لا تعوِّض بلدي الذي اجتاحه الرجال البيض. لا تحمي قبر أبي. لا تدفع ثمن خيولي وقطعاني. الكلمات الطيبة لا تعيد لي أطفالي. لقد تعبت من الكلام الذي هو لا شيء".
الزعيم الهندي
جوزف "هنموتوتو – بلاتيلات"

يقول أنسي الحاج في متعه الأسبوعية، إن الشعر لم يردَّ كارثة ولا حرباً ولا مصيبة. لكن لعله يؤرِّخ لها، منذ هوميروس، أو لعله من يُعلن، باسم الإنسانية، ان الإنسان خُلِق، ولم يولد بعد. أياً كان تعريفه، عاشقاً رخواً تحت تفاحة، كما في التوراة، أم أصلاً حيوانياً، كما في رحلة داروين عبر الغابات والمستنقعات، فإنه لم يولد بعد. هناك بعض الشعراء الذين أعطوا شيئاً من المعنى للجحيم الأرضي. وسوف نسميهم الشعراء لأن الشعر في خلاصته آهة النفس. ومن هؤلاء غاندي ومانديلا والأب بيار والأم تيريزا. حصرناهم بالقرن العشرين، لأنه كان أيضاً أسوأ قرون البشر وأكثرها افتراساً.
سوف أشرح لماذا هؤلاء الأربعة هم شعراء الإنسانية، وماذا يجمع الراهبة تيريزا بالهندوسي موهانداس غاندي، والإفريقي مانديلا بالفرنسي بيار: لأن تيريزا، الكاثوليكية، لم تكن تسأل البرص عن مذاهبهم وهي تبلسم قروحهم. ولأن مانديلا، الخارج من السجن، قرر أن يبني وطنه بالحرية لا بالانتقام. ولأن الأب بيار كان يحمل العشاء والدواء إلى فقراء الشوارع ونزلاء العراء البارد، من غير أن يعرف اسم أو لون أحد منهم. ولأن غاندي أسقط أقوى قوة استعمارية منتصف القرن الماضي، وهو ينادي بالسلام.
التعريف الأصح للإنسان ليس أنه حيوان ناطق، بل إنه الأشد افتراساً بين أهل الغابات. لم يحصد الطاعون ولا الهواء الأصفر ولا الزلازل ولا البراكين، ما حصده الإنسان الذي طوَّر، قبل أي شيء، أدوات القتل. معظم ما نعرفه من مخترعات طبية، أو حتى ألعاب، بدأ في تطوير الأسلحة. تتوقف معاني البطولة على الزاوية التي تنظر منها. ستيفان زفايغ رأى في نابوليون مسعوراً يقتل جنوده وضباطه بلا أي رادع، وتولستوي رأى فيه مجرماً يذهب إلى أراضي الآخرين لاحتلالها وقتل شعوبها. الفرنسيون رأوا فيه إمبراطوراً.
لم يختلف البشر على مفهوم البطل بل في ما هو أقسى بكثير: مفهوم الضحية. عبَّأ قادة الحروب جنودهم "بالأهداف" و"الغايات" في تبرير القتل والإبادات والاعتداء. كثيرون من الذين خاضوا الحروب الصليبية كانوا رعاعاً ومهابيل ماتوا في منتصف الطريق. الرابح الأكبر – بعد صلاح الدين – كان البندقية وتجارها. شجعوا الأغبياء، وقبعوا يثرون ويتفرجون.
القرن الماضي كان أسوأ قرون "العنف المنظم"(1). تراوح تقديرات الضحايا بين 167 مليوناً و188. كل موت من 22 وفاة كان على يد بَشَري آخر (من بشر). الروس كانوا أفظع الضحايا: 25 مليوناً بين 1939 و1945. واحد من عشرة، ولكن ما ليس ثابتاً هو نوع الموت، هل على يدي الغازي النازي أم في حملات "التطهير" الستالينية، التي سقط فيها من "الرفاق" بقدر ما سقط من "أعداء الثورة". عندما ضاق الأمر بموسوليني لم يعدم رفاقه فحسب، بل ترك صهره أيضاً للإعدام.
بين 1900 و1999(2) قامت في أرض البشر 200 حرب أهلية وإبادة جماعية ونزاع مسلح، أكبرها مليون قتيل وأصغرها ربع مليون قتيل. "معهد الأبحاث الدولي في استوكهولم" يقدِّر أن في العقد الأخير وحده نشب مئة نزاع، منها عشرون كانت لا تزال مستعرة العام 1999.
العام 1994 سقط نحو مليون بشري في رواندا، 20% من السكان، بالسواطير القبلية، لونهم واحد ودينهم واحد لكن قامات الهوتو أطول من التوتسي. أو العكس. ما عدتُ أذكر هذه القضية الجوهرية. أراد بطرس غالي بعد عار رواندا أن ينشئ قوة دولية سريعة التدخل. لكن مادلين أولبرايت أطاحته، منفردة، في وجه 14 دولة أخرى بينها بريطانيا وفرنسا، بتهمة الوقوف ضد إسرائيل في مجزرة قانا. استخدمت الفيتو الذي استخدمه الروس في كوارث سوريا.
كانت إسرائيل تتولى المجازر وعمليات الترويع والتهجير والتطهير في العالم العربي. لم يعد الاحتكار حصرياً، لقد تعمّم في ديار العرب. موت وتهجير وجحيم متنقل. وزيادة في الإقناع يأكل "بشري" قلب ضحيته أمام الكاميرا. طالبان لا يفعلون ذلك، يكتفون بحزّ عنق الضحية بعد أن ينتهي من قراءة البيان عن حسن المعاملة. أليس مفترضاً في كل مخطوف أن يقرأ بياناً عن حسن المعاملة ثم يشكر خاطفيه على تقبّلهم الفدية؟ تلك هي التقاليد الرفيعة، ولا بد من احترامها.
وتلك هي أدبيات العنف. عندما تقول المؤسسات الدولية إن ضحايا 1939 – 1945 كانوا قتلى النظام والعدو معاً، يبين لك ذلك كم يتساوى مفهوم العداء في غياب القانون ومفاهيم الحرية، وما يُتفق على وصفه بالديموقراطية. بعد سقوط جدار برلين كانت ردة الفعل الأولى خروج الناس جماعياً من دول أوروبا الشرقية إلى أي مكان بعيداً من بلدانهم. وفي ردة لا مثيل لها في التاريخ خرج الألبان عن بكرة أبيهم إلى إيطاليا يتنّشقون الحرية بعد عقود من "إيديولوجيا" أنور خوجا، كيم إيل - سونغ الأوروبي.
العدد الأكبر من ضحايا القرن الماضي سقط بسبب ديكتاتوريين أو سياسات ديكتاتورية. "عشرات الملايين" في صين ماو تسي تونغ. وكما دفع هتلر بعشرات الملايين إلى الموت، هكذا فعل هيروهيتو، آله الشمس ورب اليابانيين الذين طفقوا يحتلون الصين وكوريا، ثم جرّوا بكل حماقة أساطيل أميركا إلى الحرب. وهكذا فعل روزفلت وترومان وتشرشل عندما أحرقوا درسدن بأهلها ورمَّدوا طوكيو وأخيراً ضربوا هيروشيما بالذرة، توفيراً للمال والرجال والوقت! فالقاذفات "29 - ب" كانت تقتضي طلعات كثيرة وملاحين كثيرين. وأمام صمود ملايين تموت من أجل الامبراطور أو الفوهرر أو الدوتشي، كان لا بدَّ من "الكيّ" الذرّي. ضُربت القنبلة في المكان الخطأ! فقد اخترعها علماء من المهاجرين اليهود كي تضرب بها ألمانيا. ترومان ارتأى اليابان.
هل تقدّمت الإنسانية منذ أيام جنكيزخان في القرن الثالث عشر وتيمورلنك في الرابع عشر؟ الأول قتل 37 مليوناً في آسيا الوسطى والصين، أو 10% من سكان العالم آنذاك. ضحايا الثاني زادوا على عشرة ملايين بالسيف والترس والحراب. الكمبودي بول بوت قتل ثلاثة ملايين من شعبه في السبعينات، إنقاذاً للأمة من أعدائها، وأقام متحفاً للجماجم في العاصمة التي أفرغها من أهلها، دافعاً بمن بقي حياً إلى الحقول من أجل "الحل الزراعي".
أرجو ألا يؤاخذني الشيوعيون القدامى عندما أقول إن نيكيتا خروشوف كان أشجع رجال الأرض عندما وقف أمام المؤتمر العشرين للحزب يقول إن ستالين "اخترع مصطلح عدو الشعب" وإنه كان مريضاً بالشك والغرور: "أيها الرفاق كيف يمكن أن نحوّل رجلاً واحداً إلى سوبرمان يتمتع بقوى خارقة للطبيعة كالتي لإله. رجل يعرف كل شيء ويرى كل شيء ويفكر عن الجميع وفي كل ما يفعله معصوم لا يخطئ".
كرر الناسخون نظرية "عدو الشعب" في قمعيات اليمين واليسار. سوموزا وأولبريتش وفرانكو وسالازار البرتغالي وجيفكوف البلغاري مدرسة واحدة تزيل الناس في سبيل الفرد المقدس المتمتع بطاقات ليست لأحد سواه. في سنوات فرانكو كان لكل حي مفتاح يقفل مدخله عند منتصف الليل. في عُمان كان السلطان سعيد يقفل أبواب المدينة عند السادسة مساء. يجب أن تعرف من تخلَّف خارجاً لأنه عدو الشعب.
تغيرت أوروبا في صراع الأفكار. فولتير وروسو وماركس. الشرق الأوسط لم يخرج من صراع الأديان. إسرائيل "الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" تريد إقامة "دولة يهودية". وفي تونس ومصر، النزاع اليوم بين السلفيين والإخوان. وفي العراق تتفجّر بغداد كل يوم في نزاع السنّة والشيعة. وفي السودان انفصل الجنوب غير المسلم عن الشمال الذي يطبّق نظام الشريعة. وفي كل بلدان الثورة حلّ السعي إلى إقامة الخلافة محل أي نزعة قومية. وفي سوريا "قلب العروبة النابض" تتولى "جمهورية إيران الإسلامية" مؤازرة "النظام العلماني الوحيد في المنطقة”.
وهنا، في بلاد ميشال شيحا و"الميثاق الوطني" و"الصيغة الفريدة" يعرض على جنابكم "القانون الأرثوذكسي" فيما تهبّ المقاومة إلى الدفاع عن الشيعة اللبنانيين في سوريا. أنشأ الاستعمار الفرنسي والبريطاني دولاً قائمة على التسوية بين الطوائف والأعراق وأبقى الأكراد دون دولة. هنيئاً للمنطقة فهي تستعيد جذورها، فرقاً وتفرقة وفروقات، والأكراد تقوم دولتهم في معاقلهم وجبالهم التي فرّوا إليها من القصف الجوي.
أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة. مع بعض التعديلات. الرجاء حذف كلمتين "عربية" و"واحدة". لقد اقتسموها.

  • شارك الخبر