مقالات مختارة - غسان سعود

فخّ بري الانتخابي

الأربعاء ١٥ أيار ٢٠١٣ - 08:42

  • Aa
  • ع
  • ع
  • ع

الاخبار

خيّط الرئيس نبيه بري غطاء البئر الانتخابية العميقة وطرّزه، وكان يكفي أن «يدفش» قوى 14 آذار بخنصره لتقع في قعره 4 سنوات. فبعد إقفال باب الترشح إلى الانتخابات دون دخول أقوياء قوى 14 آذار، وفي ظل تدافع مخيف على بعض المقاعد في دوائر عدة، وشلل ماكيناتها الانتخابية، بات في امكان بري الالتزام بالتوصيات المعلنة لكل من المستقبل والسفيرة الأميركية بإجراء الاستحقاقات الانتخابية في مواعيدها

 

وقعت قوى 14 آذار في فخِّ الرئيس نبيه بري. لم تكتف بتصديق أن الثنائية الشيعية تعارض بشكل نهائي وجازم إجراء الانتخابات في موعدها وفقاً لقانون الستين، بل باشرت في مفاوضته على ما سيقدمه لها مقابل قبولها التمديد. قال الرئيس فؤاد السنيورة إن مصلحة فريقه السياسي تقتضي إجراء الانتخابات ولم يلبث أن صدّق قوله: لم يعر النقاش في شأن قانون الانتخاب أي اهتمام، وأضاع الوقت ليضمن إجراء الانتخابات وفق «الستين»، وما عاد يمكنه مقاطعة صديقته السفيرة الأميركية مورا كونيللي حين تشرع بالتنظير عن وجوب إجراء الاستحقاقات في مواعيدها.
النتيجة الرئيسية لوقوع قوى 14 آذار في فخ بري كانت إبقاء محركاتها الانتخابية مطفأة: لم تحدّث هذه القوى قوائم المغتربين ولم تحجز طائرات وفنادق. وحتى عصر أمس، لم تكن ماكينات المستقبل والقوات والكتائب قد سحبت من وزارة الداخلية قوائم الناخبين لتدرسها وتحدثها وتجزئ دوائرها وتتقاسم مفاتيحهان كما فعلت عام 2009 مع غالبية المخاتير ووجهاء العائلات والمشايخ وكبار التجار والمديرين العامين والنافذين اجتماعياً ومالياً. والأهم من ذلك، أن قوى 14 آذار لم تحضّر مسبقاً لوائحها. عام 2009، خدعت خصومها عبر «خطأ تقني» في وزارة الداخلية دفعها إلى إعطاء قوى 8 آذار نسخاً قديمة من قوائم الناخبين، فحسمت الانتخابات لمصلحتها قبل أشهر من موعدها عبر ماكينتها الاغترابية. كان يمكن الرئيس بري رد صاع هذا الغدر الانتخابيّ صاعين، إذا أجريت الانتخابات في موعدها وفقاً لقانون الستين. فخلاصة النقاشات الانتخابية الجدية في اليومين الماضيين، خصوصاً بعد إقفال باب الترشيحات، كانت ترجّح تحقيق التيار الوطني الحر فوزاً مهماً ليس في دوائره الرئيسية في جبل لبنان وجزين فقط.

لا معارك في «دوائر عون»

البداية من جبل لبنان الذي تعود الكلمة الرئيسية في تشكيل لوائح دوائره للعماد ميشال عون وحده، وهي جاهزة في جيبه منذ أشهر. فيما تعصف الخلافات بين خصومه. وحتى لو أدّت «معجزة حريرية» ما الى حل خلافاتهم في الأسابيع الثلاثة المتبقية قبيل موعد الانتخابات، فإنهم لن يجدوا في قوائم المرشحين من كانوا يعوّلون عليهم قبل بضعة أشهر لالحاق الهزيمة بجنرال الرابية. ففي المتن الشمالي، دفع إرباك اللحظات الأخيرة النائب ميشال المر إلى إعادة ترشيح من خاض معهم الانتخابات السابقة: النائب سامي الجميل، إدي أبي اللمع، سركيس سركيس والياس مخيبر. ورغم رفض المر، تاريخياً، تبني ترشيح أحد أبناء عائلة أبو جودة لما يثيره ذلك من حساسيات داخل بيوتات هذه العائلة، قبل أبو الياس مبدئياً ترشيح مارون أبو جودة (المرشح الكتائبي الوحيد إلى جانب الجميل على لائحة المر في معقل الكتائب) رغم أن رئيس بلدية جل الديب ورئيس جامعة آل أبو جودة يتبنيانه نكاية بصديق المر النائب نبيل نقولا. و«بومبا» اللائحة هنا مرشح حزب الوطنيين الأحرار عن المقعد الكاثوليكي فيليب معلوف.
في كسروان، يستحيل على مرشحي قوى 14 آذار تسمية المرشحين الخمسة الذين كانت ستتشكل منهم لائحة النائبين السابقين فريد هيكل الخازن ومنصور البون، بعد «هروب» رئيس جمعية الصناعيين نعمة افرام والوزير السابق زياد بارود. فصهر رئيس الجمهورية وسام بارودي يشتهي كرسياً (للترشيح طبعاً)، والإعلامية مي شدياق تشتهي كرسياً مماثلاً، ومرشح القوات الرسمي شوقي دكاش موعود بالكرسي نفسه، فيما يصعب إغضاب نوفل ضو وهنري صفير. أما دائرتا بعبدا وجبيل اللتان يحسم العونيون الفوز بهما، فكان سيواجههم في الأولى النائبان السابقان صلاح الحركة وعبدالله فرحات الذي يصعب اكتشاف لونه السياسي أو طعمه، فيما عجز العونيون حتى مساء أمس عن اكتشاف من سيرافق النائب السابق فارس سعيد في رحلة السقوط هذه المرة. وتضاف إلى «دوائر عون المحسومة» دائرة جزين بمقاعدها الثلاثة.

الأشرفية: عقد بالجملة

وبالانتقال إلى الدوائر التي تشهد تقارباً بين المتصارعين، تبرز أقضية الأشرفية ودائرة بيروت الثانية وزحلة.
في الأولى، كان يتعين على النائب نديم الجميل إقناع ثلاثة مرشحين مقربين من فريقه السياسي بسحب ترشيحاتهم على مقعده الماروني. ونسبة نجاحه هنا كانت ستماثل نسبة نجاح الرئيس سعد الحريري في حل عقدة القوات التي رشحت عماد واكيم على مقعد النائبة نايلة تويني التي تقول في مجالسها الخاصة إنها تود اكتشاف حيثيتها بمعزل عن القوى السياسية، وعقدة ترشيح القوات ريشار قيومجيان على مقعد النائب سيرج طورسركيسيان، وعقدة ترشيح حزب الرامغافار هاروتيون أركانيان على مقعد النائب جان أوغسبيان رغم ترشح مدير مكتب النائب ميشال فرعون سيبوه مخجيان على المقعد نفسه.
أما دائرة بيروت الثانية فتحسم قوى 8 آذار، كما ماكينة الطاشناق الدقيقة غالباً، قدرتهما على الفوز بمقاعدها الأربعة، علماً أنهما توافقا على تقاسمها مع تيار المستقبل في الانتخابات الماضية.
وفي زحلة، كان يتعين على أحد الوسطاء حسم نقاش الوزير السابق الياس سكاف والتيار الوطني الحر والنائب نقولا فتوش الصاخب بالمفرق في منزله، وإبلاغهم بما يتعين عليهم فعله للفوز. أما في المقلب الآخر، فلا صالون يتسع للخلافات: على مقعد النائب إيلي ماروني الماروني يرشح رئيس الجمهورية النائب السابق خليل الهراوي. على المقعد السني، يتعين على الأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري زيارة أكثر من ثلاثة عشر منزلاً لإقناع أصحابها بسحب ترشيحاتهم لمصلحة النائب عاصم عراجي، لتهديد كل مرشح منهم لائحة المستقبل بخسارة تراوح بين خمسمئة وألف صوت. على مقعد النائب جوزف معلوف الأرثوذكسي، يمكن القوات حل صراع المرشحين أسعد نكد وربيع الفرنجي لمصلحة نكد، باجتماع واحد مع سمير جعجع. أما المقعدان الكاثوليكيان فمشكلتهما مستعصية بسبب وجود أكثر من ستة مرشحين يدورون في فلك 14 آذار. وقد استبقت القوات ضغوط المستقبل بترشيح أحد المقربين منها الى المقعد الشيعيّ الذي يحتله النائب عقاب صقر. ولسان حال القوات دائم السؤال عمّا يبرر لتيار المستقبل حصوله على مقعدين (سني وشيعي) في هذه الدائرة.

البقاع الغربي: الظروف المؤاتية

في مقابل حسم حزب الله وحركة أمل، بفارق خيالي، معركة بعلبك ــ الهرمل، لا يمكن قوى 8 آذار إيجاد ظروف أفضل من تلك القائمة اليوم في البقاع الغربي وراشيا لخوض انتخاباتها. فبعيداً عن خلاف القوات والنائب روبير غانم الذي يمكن تيار المستقبل في نهاية الأمر حله، واضطرار تيار المستقبل إلى إعادة ترشيح نائبيه جمال الجراح وزياد القادري رغم جزم الجميع بفشلهما وضخامة النقمة الشعبية المستقبلية عليهما، هناك معطيان يؤثران في تلك الدائرة: برز الأول غداة إقفال مئات المشايخ الدروز، يعاونهم مخاتير وأعضاء مجالس بلدية وعدة شخصيات مؤثرة شعبياً، الطريق التي تربط قرى شبعا بمستشفى راشيا الحكومي أمام سيارات الإسعاف التي تنقل مقاتلي «الجيش السوري الحر» و«جبهة النصرة»، لأن هؤلاء يقاتلون أبناء الطائفة الدرزية في حوران. ورغم نجاح النائب وائل أبو فاعور في امتصاص النقمة والسيطرة نسبياً عليها، فإن النقمة الدرزية من الفتاوى المتداولة بين الثوار السوريين ومناصريهم اللبنانيين في شأن أبناء الطائفة الدرزية وبناتهم وما يصلهم من أخبار قتل وحصار وتجويع لأخوتهم في المقلب الآخر من الجبل، يفرمل حماستهم لتيار المستقبل. أما المعطى الثاني فيخص تيار المستقبل نفسه الذي يواجه في البقاع الغربي خصما قويا (النائب السابق عبد الرحيم مراد) لم يكف في مرحلة المستقبل الذهبية (2005 ـــ 2009) عن مقارعته مالياً وخدماتياً وسياسياً، فكيف الحال في مرحلة تقهقر المستقبل وظهور مراد بمظهر المعتدل في نظر الكثير من الملتفين سابقاً حول المستقبل لتصديقهم شائعة اعتداله.
ومن «الغربي» إلى الجنوب الذي يفوز حزب الله وحركة أمل في غالبية دوائره بما يشبه التزكية (في بنت جبيل، يتنافس أربعة مرشحين على ثلاثة مقاعد. وفي الزهراني، لا ينافس النائب ميشال موسى مرشح آخر على مقعده الكاثوليكي).
لا جديد شمالاً في دائرة البترون ما دام النائب بطرس حرب يتمتع بالقدرة على نسيان كل ما سرّبته القوات عنه في سبيل حفاظه على كرسيه النيابي. أما في الكورة فلا يمكن قوى 8 آذار أن تجد أيضاً ظروفاً مؤاتية لفوزها أكثر من تلك القائمة اليوم. تشبه الكورة زحلة. بعيداً عن الظرف السياسي المؤثر في كل هذه الدوائر، أولى نقاط ضعف قوى 14 آذار ترشيح نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري ابنه نبيل محله، فكثيرون ممن ينتخبون مكاري الأب، رغم اختلافهم السياسي معه لتفضله عليهم بخدمة، ليسوا مضطرين إلى مراعاة ابنه. وثانيتها تتعلق بالنزاع المستمر بين المستقبل والقوات على مقعد النائب نقولا غصن الذي يتمسك المستقبل بالحفاظ عليه، وتقول القوات إن حجمها الشعبي يعطيها الحق بانتزاعه. وسواء توصل الفريقان إلى حل أم لا، تؤكد مصادر غصن أنه سيكمل الانتخابات حتى النهاية، فـ«ليس المستقبل والقوات من فتحا بيت نقولا بك فؤاد بك غصن السياسي ليقررا إقفاله بالنيابة عن أهالي الكورة». وسيتعين على جعجع الانشغال عن نصرته لـ«جبهة النصرة» و«الجيش السوري الحر» بمعالجة أزمة المرشحين المقربين منه. فإلى جانب النائب فادي كرم، يترشح وليم حبيب الذي تنازل بهدوء لكرم عن مقعد والده النائب الراحل فريد حبيب في الانتخابات الفرعية قبل نحو عام، ومسعد بولس الذي انتقل بتأثيره الانتخابي المؤثر من الضفة العونية إلى ضفة المستقبل عام 2009 بسبب عدم تبني العماد ميشال عون لرغبته بالترشح. وبالوصول أخيراً إلى زغرتا التي قال رئيس الحكومة السابق سعد الحريري للنائب سليمان فرنجية مرة إنها كلفته في الانتخابات السابقة 25 مليون دولار. لم تدفع قوى 14 آذار ديونها الكثيرة هنا بعد. وبعدما كان مرافقو المرشح السابق ميشال معوض يرصدون حركة النائب سليمان فرنجية قبيل انتخابات 2009 بأيام لثقتهم أن عدم نزول فرنجية إلى الأرض سيخسره المعركة، أمضى المرشح الحالي طوني سليمان فرنجية السنوات الأربع الماضية متنقلاً بين القرى منزلاً منزلاً.
وعليه كان التيار الوطني الحر قادراً، بجهد صغير من حلفائه في بعبدا وجزين وكسروان وجبيل، على المحافظة على التوازن القائم اليوم في المجلس النيابي للأعوام الأربعة المقبلة وليس لمجرد عامين كما يشتهي بري. وكان يمكنه، بجهد أكبر من حلفائه في زحلة والأشرفية والكورة ودائرة بيروت الثانية، وبدرجة أقل في البقاع الغربي، أن يحقق اختراقا كبيرا في هذا التوازن الذي يربك حزب الله. لكن حسابات بري كانت مختلفة، فضّل إيقاف خصومه على حافة البئر ورمي حجر فيها ليريهم عمقها، مردداً: «كنت قادراً على رميكم فيها». أما لماذا لم يرمهم، فسرّ لا أحد في حزب الله وحركة أمل يبوح بتفاصيله أو يلمح إليها.
 

  • شارك الخبر