مقالات مختارة - هيام القصيفي

إخراج الجيش من عــرسال بعد طرابلس

الأربعاء ١٥ أيار ٢٠١٣ - 08:40

  • Aa
  • ع
  • ع
  • ع

الاخبار

فيما تتلهّى الطبقة السياسية بالتمديد لنفسها، برز تطوّر نوعي في استهداف الجيش في عرسال: عملية اغتيال بالأسلوب نفسه الذي اعتمد سابقاً في نهر البارد، بهدف عزل الجيش وتقييد حركته

 

قبل نحو عشرة أيام، كانت رسالة أحداث الشمال واضحة: «إخراج الجيش من دائرة التوتر التي يمكن أن لا تبقى محصورة في الشمال، وأن تتمدد إلى أكثر من منطقة ربطاً بتداعيات الحرب السورية» («الأخبار»، 22 أيار).
أمس، كانت رسالة عرسال واضحة أيضاً. إنها الحلقة الثانية من مسلسل استهداف الجيش لإخراجه من معادلة الداخل، من حيث يمكن للمواجهات السنية ــــ الشيعية، والسنية ــــ العلوية، والمواجهات بين مؤيدي النظام السوري ومعارضيه أن تأخذ مداها على الساحة اللبنانية. وهي الحلقة التي تسبق حلقة صيدا، وربما غيرها أيضاً وأيضاً، حيث يمكن للنار أن تتمدّد وتحاول الوصول الى قلب الجيش، والضغط عليه لتحييده وتكبيل يديه عن مجريات الوضع اللبناني.
لذا، لم تكن عملية اغتيال العسكريين الثلاثة مفاجئة، كما أحداث الشمال، لمن ربط تسلسل الأحداث من سوريا الى لبنان وتوسع حلقة المتورطين فيها. ولم يكن توقيتها أو تفاصيلها، وبهدفها الرامي الى عزل الجيش واستهداف عناصره ووحدته، أمراً مستغرباً، لأن ما يحدث في سوريا يفرض إيقاعاً موازياً في لبنان: فما بعد عملية القصير يختلف تماماً عما قبلها، في مكيال جميع المتورطين فيها.
والأكيد أن الجيش لم يفاجأ بالعملية، بقدر ما كانت صدمة الاغتيال وطريقته البشعة هي التي أثارت الضباط والعسكريين. فقيادة الجيش سبق أن عمّمت على أجهزتها ضرورة التحوّط من أي استهداف يطاولها، وهي لا تزال تحافظ على مستوى الإنذار نفسه خشية أن تتكرر العملية في غير مكان. لكن طريقة تنفيذ عملية القتل بدم بارد، وبأسلوب المواجهة المباشرة، والتخطيط لاستهداف حاجز يبعد أقل من كيلومتر عن حدود عرسال، يحملان دلالات لا تحتاج الى انتهاء التحقيق العسكري لجلائها، لأنها حملت عناصر سبق للجيش أن تعامل معها. فالهدف هو الجيش أولاً وآخراً. وتحت هذا السقف، هناك كلام كثير ومعطيات لم يكشف عنها الجيش بعد.
في مثل هذه الأيام من عام 2007، كان الجيش يخوض معركة نهر البارد ضد مجموعة «فتح الإسلام». ويوم أمس، أعاد أسلوب اغتيال العسكريين الثلاثة التذكير بعملية اقتحام مجموعة سلفية مراكز الجيش التي كانت محاذية لمخيم نهر البارد وقتل العسكريين فيها. وبحسب معطيات عسكرية، فالطريقة المعتمدة هي نفسها، والتخطيط أتى مدروساً بدقة.
ولئن كان الجيش خبر أيضاً أسلوباً مشابهاً في حادثة اغتيال النقيب بيار بشعلاني والرقيب إبراهيم زهرمان في عرسال أيضاً، إلا أن واقعة أمس كانت محكمة ومقصودة لإيصال الرسالة بطريقة أكثر إيلاماً للمؤسسة العسكرية:
1 ـــ في اختيار الموقع القريب من عرسال، الذي يقع أيضاً في نقطة جغرافية مفتوحة على جرود شاسعة تحتاج الى آلاف العسكريين لضبطها أمنياً. واختيار الموقع يعني أن المهاجمين يعرفون طرق تحركهم للخروج من المنطقة بسهولة، ولا سيما أنه تردد أن السيارة المستخدمة سبق أن دخلت الى عرسال أكثر من مرة. ومعلوم أن الجيش غير موجود في قلب عرسال. لذا، فإن الإغارة على الحاجز تهدف الى محاصرته واستفراده، إضافة الى ما تشكّله عرسال ومحيطها من بقعة جغرافية تشكّل خط تماس مع الأحداث السورية ولا سيما في أسابيعها الأخيرة.
2 ـــ سيارة «الهامر» التي أقلت المسلحين لم تكن وحيدة، بل كان معها سيارة مساندة أخرى. والمسلحون الخمسة الذين أطلقوا النار على الجنود عند الحاجز فور وصولهم إليه، كانوا يعرفون ماذا يفعلون. فنيّتهم الأساسية كانت الهجوم على غرفة منامة العسكر، أي الطريقة نفسها التي تمت فيها مهاجمة غرف العسكريين في نهر البارد ليلاً قبل ست سنوات. ولولا تنبه الجنود وإطلاقهم النار على المسلحين، لكان يمكن أن يتضاعف عدد شهداء الجيش. وهو ما دفع بالمسلحين الى الفرار، مع الاعتقاد بأن إصابات وقعت في صفوفهم.
3 ـــ الفارق بين العمليتين هو أن الذين يطالبون بنهر بارد جديد لا يدركون أن الظروف مختلفة عن تلك التي شهدها الشمال قبل ستة أعوام. ففي حينه كان مصدر الهجوم معروفاً بمكانه وإقامته، وكان يتحصن داخل مخيم نهر البارد، وفي منطقة محصورة جغرافياً، إضافة الى أن الشريحة السنية الشمالية كانت تقف الى جانب الجيش، في حين كان حزب الله ضد العملية في ذلك الوقت. اليوم، مكان المهاجمين غير محصور بنقطة جغرافية معينة، والمنطقة شاسعة وتحتاج الى قوة معززة وكبيرة، والأهم أن الجيش يتحرك في منطقة لا تؤازره، كما كانت حاله في نهر البارد.
بعد حادثة عرسال الثانية، تضاعفت المخاطر المحدقة بالجيش. ومن التقى أمس قائد الجيش، العماد جان قهوجي، أدرك أن وقع العملية كبير على المؤسسة العسكرية بحيثياتها ومفاعيلها. لكنها، وهذا هو الأهم، توازي ثقة قهوجي بأن الجيش موحّد ضد من يستهدفه، وأن كل محاولات إلصاق الصفات المذهبية بالجيش عبر مواقع التواصل الاجتماعي والصالونات السياسية والإعلامية، وإطلاق التنظيمات الإرهابية حربها على الجيش، لم تؤثر في معنويات العسكر والضباط ووحدتهم، وهذا ما يعني قائد الجيش أولاً وآخراً.
ليس الكلام على وحدة الجيش أمراً عابراً، ولا واحداً من الكليشيهات. إنه أمر يعوّل عليه قهوجي لمواجهة حملات سياسية وعسكرية. في السياسة، يواجه الجيش، أخيراً، ضغطاً مضاعفاً عليه، مرة للدخول الى عرسال بعد عملية اغتيال بشعلاني وزهرمان، ومرة للدخول الى باب التبانة من جانب قوى 8 آذار أو للدخول الى جبل محسن من جانب قوى 14 آذار، ومرة للانسحاب من شارع سوريا وترك الفريقين يتقاتلان وجهاً لوجه. وهو اليوم يواجه ضغطاً في تقويم ردة فعله على حادثة عرسال، بما هو أبعد من الملاحقة العسكرية التي نفّذها فوج المجوقل أمس في جرود عرسال، من دون أن ننسى أنه يواجَه أيضاً بحملة تشكيك بدوره حين يتعلق الأمر بمحاربة التنظيمات الأصولية.
ثمة كلام قاله قائد الجيش بعد حادثة عرسال الأولى: «من يرد التنظير عما يجب أن يفعله الجيش فليجلس مكاني». حينها خاض الجيش حرباً أمنية لملاحقة المعتدين، وهو يردد دوماً أنه خاض الحرب نفسها حين اعتدى مسلحون على باص للجيش في طرابلس، وحين اعتُديَ عليه أيضاً في رياق.
أمس، كاد الكلام يكون نفسه. ففي غمرة التحضير للانتخابات أو التمديد أو الفراغ، جاءت حادثة عرسال لتشكل عنصراً دسماً في التجييش السياسي لهذا الفريق أو ذاك، من الذين يريدون أن يكون الجيش ذراعاً لهم. فعدا عن الاستنكارات والاتصالات السياسية بقائد الجيش والمنددة بعملية عرسال، هناك من يريد للجيش أن يخوض حرباً طاحنة، وهناك من يريد أن يكون الجيش محايداً في حرب تريد إدخال لبنان في عمق الأزمة السورية، وهناك من يريد أن يصرف الجيش عن الحدود وعن تطبيق 1701 وأن يخرج من طرابلس وصيدا والبقاع الشمالي.
في غمرة الاستنكارات والتنديد باغتيال العسكريين الثلاثة، توجد مساحة للتحديات الكثيرة التي تواجه الجيش في رده على الاعتداء، كما توجد أسئلة:
1 ـــ في خضم تدخل حزب الله المباشر وتدخل عناصر لبنانية من جهات سلفية وغير سلفية في سوريا، هل كان يمكن لانتشار الجيش بقاعاً وإقفال الحدود وتأسيس منطقة أمنية عازلة بين لبنان وسوريا أن تساهم في خفض منسوب التوتر والتعرض للجيش؟
2 ـــ هل كان بإمكان الجيش، في ظل التوازنات الحالية، أن يشن حرباً بلا هوادة في طرابلس على الطرفين المتقاتلين، وعرسال وجرودها؟
3 ـــ هل بإمكان الجيش أن يتحرك ويردّ في طرابلس والبقاع وبيروت وصيدا وغيرها من المناطق بمعزل عن قرار السلطة السياسية؟ وهل يمكن بعد التطور الخطير في عرسال أن يستمر الجيش تحت رحمة المسلحين من جهة، والسياسيين من جهة أخرى؟
 

  • شارك الخبر