مقالات مختارة - فيليب سكاف

رسالة من بشار إلى والده!

الأربعاء ١٥ أيار ٢٠١٣ - 08:45

  • Aa
  • ع
  • ع
  • ع

النهار

 جلستُ إلى مائدتها كما أفعل منذ عقود، كلما سنحت لي فرصة المرور بعاصمة السّلام. ولطالما شعرت بالفرح، وهي تسكب في صحني طبقها المحضر خصّيصاً لي، ليس لأنه الـ"أوسّو بوكو" فحسب، بل لأن مائدتها تطلّ على أرزة من لبنان مزروعة هناك من زمان لتشرّف بحيرة ليمان.
"هل قرأت رسالة بشار إلى والده على الإنترنت؟". وقبل أن أجيب، تناولت اللابتوب. ومن وراء عيني الستة وثمانين عاماً، بدأت تقرأ...
… والدي العزيز. كنتَ قلقاً عليّ قبل أن تفارق الحياة. دعني أطمئنك. كلّ شيء سار على ما يُرام منذ أن توليت السّلطة. حصلت بعض المشاكل الصّغيرة مع شقيقنا الصّغير، ولكن، بفعل ساحر، تمّت تصفية رفيق الحريري... وارتحنا. أمّا عندنا، فقد استمرّ روتين سجن المعارضين، في صفاء تام كان سيدوم لولا الحراك الذي سمح به بن علي ومبارك... ووصلت المعمعة الشعبيّة إلى بلدنا. تذكرت كيف كنت تتصرّف أنت، وطبّقت تعليماتك حرفيّاً. فحوّلت كلّ المدن السّوريّة "الناكرة للجميل" إلى حماه متجدّدة. إلا أنّ المشكلة التي لم تصادفها أنت عام 1982 فهي التكنولوجيا اللعينة التي بعثت بصور القمع والقتل إلى العالم أجمع. قلقت في البداية، خصوصاً عندما أتاني مبعوثون يعظون بحقوق الإنسان، ويُهدّدون بالتدخّل العسكري، حتى إن وقاحة بعضهم وصلت إلى القول إنني خسرت كلّ شرعيّتي. غريب أمر هؤلاء الحكام الذين لا يفهمون أننا لا نفكر مثلهم، ما عدا الرّوس الذين يعرفون أنّ الأهم هو الحفاظ على السّلطة بأيّ ثمن. ومثلهم الصّينيّون، مع أنهم متردّدون قليلاً. أمّا إيران فقد وقفت بحزم إلى جانبي. ولكم كنتَ رؤيويّاً عندما سمحتَ بنشوء "حزب الله". نعم، أعرف أنهم كلهم ساندوني، لا لزرقة عيوني، بل لغايات في نفس يعقوب، المهم النتيجة!
لكنّ الورقة التي غيّرت الموازين، فهي ورقة الجهاديّين الذين توافدوا علينا، فدعمتهم بإطلاق كلّ المعتوهين أمثالهم من السّجون السوريّة، ليُسمّموا شرايين المعارضة، ببقر البطون، وجدع الأنوف، وتقطيع الأوصال، والرّقص بالجثث، وتفجير وحرق دور العبادة والتهديد بتدمير المقامات الرّوحيّة. فانقلبت الصّورة، وانقلب الغرب على المعارضة. حتى إنّ أوباما الأسمر وضع خطاً أحمر... الأسلحة الكيميائيّة. وفهمك كفاية: عليكم بباقي الأسلحة!
والدي العزيز. إطمئن. أبشّرك أنّي حافظ لدروسك. فحتى لو لم يبق فيها "حجر على حجر"، فسوريا باقية سوريا الأسد إلى الأبد! إبنك الوفي... بشار.
على بعد أمتار من منظمة حقوق الإنسان، تلبّكت معدتي. يا ضيعان الـ"أوسّو بوكو"!
 

  • شارك الخبر