Lebanon Web Design
لمن يرغب بالدخول الى الموقع بواسطة رابط خفيف مخصص للهواتف العادية غير الذكية wap.lebanonfiles.com -----
مقالات مختارة
مقارنة بين دولتين - مدينتين: البندقية وقَطَر
جهاد الزين

النهار


 ما هي هذه الظاهرة القطَرية؟ قطر في تونس، قطر في ليبيا، قطر في مصر، قطر في سوريا، قطر في غزة، قطر في واشنطن لقيادة أول إعلان عن استعداد عربي للقبول بتبادل الأراضي بين اسرائيل والفلسطينيّين في أي حل سياسي بين الطرفين، قطر في فرنسا عبر حجم ضخم من الاستثمارات التجارية والخدماتية والعقارية بما فيها دعم المنظمات الإسلامية، قطر في قطر مع الفوز بتكليفها استضافةَ بطولةِ كأسِ العالم لكرة القدم عام 2022 ، ووووو.....

بدأ كل شيء في هذه الظاهرة مع تأسيس “قناة الجزيرة” التي ستصبح أول قناة تلفزيونية عربية بل أول وسيلة إعلامية عربية تحتل مكانا ورتبة بهذا المستوى العالمي.
هذه الأدوار هي روافد لظاهرة أساسية بات يلعبها طاقم إمارة الدولة القطرية التي كانت حتى أواخر القرن التاسع عشر قائمقامية تابعة لولاية البصرة حسب السجلاّت القطرية نفسها التي نُشرت بمناسبة العيد الوطني للإمارة في 18 كانون الأول 2012. فصباح ذلك اليوم وبينما كنتُ أتصفّح في غرفتي في أحد فنادق الدوحة عدد صحيفة “الراية” قرأتُ في صدر الصفحة 17 أن الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني “قائمقام قطر” (حسب هذه الصحيفة القطرية الرئيسية) عندما اعترض على قرار الحكومة العثمانية إنشاءَ دائرة للجمارك في الدوحة وفرْضَ رسومٍ على تجارها ولا سيما على بيع اللؤلؤ عام 1893، قدّم استقالته إلى والي البصرة محمد حافظ باشا الذي رفضها ولكن الوالي وصل إلى الدوحة “بدعوى إعادة إلى نصابه” فاستدعى الشيخ جاسم الذي امتنع عن الحضور لأنه “كان غير مطمئن لنوايا الوالي العثماني” (تقرير لوكالة الأنباء القطرية - “الراية” 18-12-2013).
 الظاهرة القطريّة الراهنة تدفع إلى المقارنة مع أدوار سياسية كبيرة لعبَتْها دولٌ- مدنٌ في القرون الوسطى في أوروبا وامتد بعضها حتى فترات من “عصر النهضة”. أبرز هذه الدول-المدن وأشهرها جمهورية مدينة البندقية على اقصى الشاطئ الغربي من البحر الأدرياتيكي.
ما هي أوجه المقارنة الممكنة بين البندقية وقطر؟
- كلاهما دولة - مدينة،
- من حيث مصدر الثروة كانت البندقية في القرون الوسطى تُنتج الملح وتصدّره إلى شواطىء كل البحر الأبيض المتوسط الذي كان لا يزال بحيرة شبه مغلقة ما عدا منفذه الغربي في جنوب أوروبا عند المضيق المعروف ب"جبل طارق". أما ثروة قطر فهي الغاز كما هو معروف. وهي تقتسم مع إيران في الخليج ثاني أكبر حقل غاز مكتشَف في العالم (كانت لي الفرصة أن أُحلّق ذات يوم قبل سنوات في طائرة هيليكوبتر فوقه).
 هناك ملحٌ مع سيطرة على خطوط التجارة بين الغرب والشرق المتوسّطيّين، وهنا غازٌ مع كتلة نقدية ضخمة.
   - العنصر الأهم الذي يدفع إلى المقارنة هو القوة المالية التي جعلت البندقية "تموّل" سياساتٍ وحروباً بين دولٍ أكبرَ منها في مراحِلَ مختلفةٍ مثلما هي قطر اليوم كمموّلة كبيرة في سياسات خطرة بين دول عظمى وإقليمية. ربما أشهر حرب موّلتها البندقية عبر وضع أسطولها التجاري-الحربي الذي يُقال أنه بلغ 300 سفينة كانت ما سُمّي “الحملة الصليبية الرابعة” في أوائل القرن الثالث عشر والتي نَقلت فيها جيوشا أوروبية وصلت إلى القسطنطينية واحتلّتها ليعود إليها البيزنطيون إليها بعد خمسين عاما. لكن هذه الحملة لم تستطع أن تحقّق هدفها الرئيسي وهو “استعادة” القدس التي كان صلاح الدين قد استعادها! ولن ينقضي القرن الثالث عشر إلا ويكون “الفرنجة” أو “اللاتين” قد طرِدوا من كل مواقعهم في بلاد الشام.
- كان البنادقة شهيرين بكسر القراصنة عندما يقفون عقبةً في وجه انتشار تجارتهم في البحرين الأبيض المتوسّط والأسود اللذَيْن أقاموا(أي البنادقة)على العديد من شواطئهما وجزرهما مراكز تجارية بل احتلّوا طويلا بعض الجزر ومنها كريت وكورفو.
على ضوء ذلك هل يمكن تشبيه استعارة بعض الفرق العسكرية لقتال الدول الممسكة بالأجزاء الشرقية من البحر المتوسط كالسلاجقة والبيزنطيّين أحيانا والعثمانيين... تشبيهها بتمويل قطر اليوم الكثيف للجهاديّين التوانسة والليبيين وغيرهم من الجهاديّين الإسلاميين العرب وغير العرب؟ وهل يمكن تشبيهُ النفوذ القطَري على “الإخوان المسلمين” الحاكمين اليوم في مصرَ المنهكةِ سياسيا واقتصاديا وإقليميا بنفوذِ البنادقةِ السياسي على القسطنطينية المتراجعة في القرون الوسطى؟
طبعا تجب الإشارة إلى بعض التمايزات الأساسية غير فارق الأزمنة والمَوْقعَيْن وبعض الأمكنة. من هذه الفوارق أن البنادقة رغم استعارتهم للعساكر بنوا قوّةً قتالية برية وبحرية وكان لديهم نظامٌ معروفٌ لاستقطاب وتدريب كوادر عسكرية من أبناء العائلات في تلك الجمهورية التي سُمّيت ب”الجمهورية الأريستوقراطية” وانْبنى حُكمُها طويلاً على تحالف النبلاء والتجار رغم بعض الصراعات بين الطبقتين أحيانا. كما أن البندقية التي استقدمت أول مطبعة بعد اختراعها في ألمانيا تحوّلت إلى مركز إبداعي بارز للحركة الفنية والثقافية والعمرانية في عصر النهضة الأوروبي. لا توفّر قطر جهدا لتحويل نفسها إلى مركز خدمات ثقافية في المنطقة كما تجهد في محاولة استقدام فروع لجامعات من بين الدرجة الأولى في العالم، إنما لا شك أنها على هذا الصعيد لا تزال دون دولة - مدينة أخرى هي دبي.
نسبة “تحرُّشِ” قطر بالسياسات الكبرى لا سابق لها بين الدول الصغيرة في الخليج والمنطقة. وحتى الكويت التي تميّزت بدور تمويلي استقطابي بما فيه إعلامي وخدماتي ثقافي في الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي قبل أن يوجّه لها صدام حسين ضربة هائلة لم تُشْفَ منها فعليا، دولةً ومجتمعاً، حتى الآن... لكن الكويت التي كانت أحيانا في قلب العواصف الإقليمية الخطرة لم تلعب هذا النمط من الدور القطري، بل بالعكس كانت الإدارة الكويتية تتجنّب بالقدر المتاح، أي عندما تستطيع، هذه العواصف. نجحت الكويت أحيانا وفشلت أحيانا أخرى. وباستثناء مواجهتها الوجودية مع صدام حسين بعد 1990 انطوت كل خياراتها بل اختلافاتها في فترات السياسات الناصرية والسورية والعراقية والفلسطينية والإيرانية على مرونة كبيرة ضمن علاقتها الثابتة المتينة بالأسرة السعودية.
لا أحد مثل ما آلتْ إليه قطر: دولة – كتلة مالية ضخمة ترقص وتُرقّص بين قوى خطرة، عسكرية وأيديولوجية ونفطية إقليمية وعظمى. ولا أحد مثلها يلعب دورا قد يكون أحيانا وليس دائما على مسافة سلبية صامتة أو معلنة من القطب السياسي والنفطي الرئيسي في الخليج: آل سعود الذين يمثّلون العصبية العائلية والدينية البارزة في شبه الجزيرة العربية والتي بات تاريخها ممتدّاً منذ منتصف القرن الثامن عشر.
كانت هناك ولاتزال نماذج معاصرة مختلفة للدولة –المدينة: سنغافورة وهونغ كونغ ومونت كارلو ودبي والكويت والبحرين وقطر ولكنّ كلّ واحدةٍ منها مرتبطة بشكلٍ ما من النفوذ الاقتصادي لا يمكن تصوّرُ حضورِها السياسي من دونه مثل ارتباط المدن-الدول الأوروبية البندقية وجنوا وبيزا بالنفوذ التجاري والذي نعرف أقدمَ نماذجَ سابقةٍ عليه في المدن-الدول في العهد الفينيقي على الشاطىء السوري اللبناني. بعضها في زمننا بلا أي دور سياسي خارجي كمونت كارلو وهونغ كونغ التي حافظت على تميّزِها الاقتصادي الخدماتي ونظامها السياسي الخاص وصحافتها الليبرالية داخل السيادة الصينية كما نصّت اتفاقية التخلّي البريطاني عنها بين الصين وبريطانيا. أما الدول - المدن الخليجية ولو كانت متمركزة حول شرعيات عائلية عريقة إلا أنها من بنات المنظومة النفطية. 

نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات.
إنّ التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة اطلاقًا من جرّائها.

مقالات مختارة

27-08-2014 09:02 - جنبلاط "الخائف" يحاكي الرئاسة...من اجل داعش 27-08-2014 06:42 - الصلاة وحدها لا تكفي 27-08-2014 06:42 - كي لا تبقى "داعش" في سورية 27-08-2014 06:40 - أغلى من أن تترك للشعب 27-08-2014 06:37 - غفلة لبنان عمّا بعد سيطرة «الدولة الإسلامية» عـلى الرقة 27-08-2014 06:36 - المعاون جعجع: فديتي انسحاب الحزب من سوريا 27-08-2014 06:34 - جريمة تهزّ جل الديب... كفوري «ما كان عندو عدوّ» 27-08-2014 06:32 - إنفتاح على سوريا... وإنفراج في لبنان 27-08-2014 06:29 - شمال لبنان مهدد باجتياح شيعي/ علوي 27-08-2014 06:28 - أوباما وبشّار في خندق واحد! 27-08-2014 06:03 - برتوكولات الحكيمة هيلاري 26-08-2014 06:42 - هل بدأ "الخليج" تقليص تمويل "داعش"؟ 26-08-2014 06:42 - مَن يفتدي الإسلام؟ 26-08-2014 06:37 - برّي: يريدون لعبة حافة الهاوية... سألعبها معهم 26-08-2014 06:34 - «الراحل الكبير»: فرقة راديكاليّة تتحدّى الواقع طرباً 26-08-2014 06:28 - الحكيم يتقدّم على الرئيس القوي 26-08-2014 06:15 - جنبلاط استفزَّ بكركي... نحن محور الحركة الرئاسية 26-08-2014 05:56 - الأسباب الأمنية تلغي مهرجان الإمام الصدر للسنة الثانية 26-08-2014 05:45 - هل يخشى مسيحيّو 14 آذار خيار الشعب؟ 26-08-2014 05:30 - تنظيم الدولة ونظرية المؤامرة 26-08-2014 05:10 - غزة .. المعركة الأخرى 25-08-2014 08:40 - الحريري مسؤول عن دماء الجيش ومقولة أنه رمز الاعتدال كذبة كبيرة 25-08-2014 06:45 - لبنان والعاصفة الإقليمية المقبلة 25-08-2014 06:43 - الحريري «تخلّى» عن إسقاط النظام: عبيد أو قهوجي للرئاسة 25-08-2014 06:42 - Apocalypse «داعش» والحليف الأميركي 25-08-2014 06:38 - انتخِبوا واحداً من هؤلاء رئيساً! 25-08-2014 06:37 - المجنّسون سيقترعون للرئيس؟ 25-08-2014 06:35 - المخرج من فيلم الرعب الداعشي لن يكون «هوليودياً» 25-08-2014 06:33 - صحوة عربية بعد التخاذل الأميركي..؟ 25-08-2014 06:33 - الحرب على داعش: تحالف الضرورة أم باب للتسويات؟ 25-08-2014 06:30 - من هجمات سبتمبر إلى ذبح فولي.. الفكرة حية 24-08-2014 09:29 - اللهو غير البريء في مفاوضات القاهرة 24-08-2014 09:25 - هل ستقوم منطقة عازلة في سورية؟ 24-08-2014 09:23 - قرار سياسي إيراني لحسم مصير التفاوض 24-08-2014 09:21 - بالإذن.. حرب المرايا 24-08-2014 08:53 - الجيش ينفذ قرار السلطة السياسيّة وقضية الاسرى في بداياتها 24-08-2014 08:52 - نشأة تنظيم الدولة الاسلاميّة ووصوله الى «الخلافة» 24-08-2014 08:00 - السيسي ومعاداة أميركا.. سيرك بهلواني 24-08-2014 07:14 - مشكلة الخطاب السوري المعارض 23-08-2014 07:36 - المسيحيون العرب ينتخبون رئيس الجمهورية؟ 23-08-2014 07:35 - جبهة للحرية 23-08-2014 07:34 - ثمن التجاهل دماء كثيرة؟ 23-08-2014 07:34 - عون تبلّغ تراجع فرصته لكن رهانه مستمر إنزعاج من الراعي لسحبه "ورقة القوة" 23-08-2014 07:33 - "التيار الوطني الحر" يملأ الوقت الضائع بطرح اقتراحات "صعبة" في غير وقتها... 23-08-2014 07:31 - أسقط القضاء جنسيتهم... فتكرّم عليهم سليمان بمرسوم 23-08-2014 07:31 - مجرد فكرتين... عن الذميّة والمرأة 23-08-2014 07:30 - 8 آذار: لدى عون خطة رئاسية بديلة 23-08-2014 01:56 - تركيا وقطر لن تتدخّلا في عرسال 23-08-2014 01:55 - من الرابية إلى بعبدا: إستئصال الدور المسيحي 23-08-2014 01:53 - «داعش» دور وظيفي أم مشروع عقائدي؟
الطقس