Lebanon Web Design
اتيح لمتصفحي موقعنا من الهواتف الذكية تبويب خاص يسهل متابعة الأخبار، بينما يبقى التبويب العادي متوفراً من الالواح الالكترونية التي يزيد حجمها عن 7 انش
وفيات
رأي
شعب الـــXanax
جهاد الملاح

جلست السيدة اللبنانية الخمسينية في مقعدها داخل الطائرة، ثم سحبت من محفظتها شيئاً ما، وأخذت "تُضَيِّف" من يجلس إلى جانبها وأمامها. بالطبع، مضغ العلكة في الطائرة جيّد لأنّه يساعد على تخفيف الضغط داخل الأذن. لكنّها لم تكن علكة تلك التي تصرّ السيدة على "تضييفها"، وتدعو من إلى جانبها إلى أخذ حبّة أخرى يبقيها معه لوقتٍ لاحق. كانت فقط حبوب دواء "Deanxit" المهدّئ للأعصاب.
إنّ هذا المشهد يتخطّى فوبيا الطائرة، التي ربما تدفع إلى تناول حبّة ما خوفاً من الارتفاع أو تحسّباً للمطبّات الهوائيّة، إذ أنّه يعكس ظاهرة منتشرة في لبنان منذ أيام الحرب الأهلية، وهي ثقافة الأدوية المهدئة.
وهذه الظاهرة، التي تطوّرت مع استمرار وتفاقم المشاكل والأزمات، تختلف عن ظاهرة حبوب الهلوسة والحبوب المخدّرة التي انتشرت في السنوات الأخيرة بين بعض الشباب اللبناني، على خلفيّات إجراميّة تقودها شبكات المخدرات أو جماعات تريد بث الانحراف في البلاد أو ربما جهات تهدف إلى إلهاء الشباب عن التفكير السليم في الدين والسياسة وغيرهما. فثقافة المهدئات، الشائعة عند الآباء والأمهات بشكل خاص، منتشرة بين العائلات المحترمة والمنضبطة، ومن بينها الكثير من العائلات المتعلمة والمثقفة.
وعلى الرغم من أنّ السبب التقني المباشر لوجود الأدوية المهدئة في معظم المنازل اللبنانيّة يعود إلى سهولة الحصول عليها بسبب عدم التزام الكثير من الصيدليّات والمراكز الصحيّة بالضوابط المفروضة، التي كانت وُضعت منذ سنوات مع وصول عدد علبات الأدوية المهدئة المستهلكة إلى عدة ملايين في العام الواحد، فإنّ أسباباً عدّة صنعت ومازالت تصنع وتعزّز ظاهرة تناول المهدئات في لبنان.
فالحاجة إلى تلك المهدئات كانت في أيام الحرب الأهلية توازي الحاجة إلى الملاجئ، وكانت تشكّل الملاذ الوحيد في مواجهة التوتر والانهيار العصبي عند كل حادث مقلق، وعند كل قصف سُمع بعد وقت قليل من ذهاب الأولاد إلى المدارس، أو قبل وصولهم إلى المنزل بقليل.
ومع انتهاء الحرب، استمرت هذه الظاهرة وتنامت، أولاً بسبب اعتياد الجسم على الحبوب وسهولة الحصول عليها، وثانياً بسبب استمرار الأزمات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، التي ظلّ يفرزها الحُكم السيئ، وصولاً إلى العام 2013 الذي تجتاحه الأزمات من كلّ حدب وصوب.
ووسط الحذر الدائم والقلق مما هو قادم، والانتظار المزمن للحرب والدماء عند كلّ صباح ومساء، والتصريحات السياسيّة الخرقاء ونشرات الأخبار الحربيّة، والخوف من كلّ شيء وعلى كلّ شيء، قد تصعب الحياة الهادئة والمستقرّة، ويصبح التوتر والاكتئاب وأوجاع الجسم واضطرابات النوم ظواهر تلازم الحياة اليوميّة.
يمرّ المواطن اللبناني يوميّاً من التنمية المفقودة، والكهرباء التي لم تعرف طريقاً إلى النور بعد، ومشاكل المياه، إلى الاتصالات السيئة في وسط العاصمة كما في القرى، وأسعارها الأغلى عالمياً، إلى الانترنت الباهظ والمستفز الذي يسيل الشتائم في كل حين، إلى الوزارات المتعفنة، إلى أقساط المدارس المخيفة للفقير ومتوسط الحال، إلى الغلاء المعيشي وأسعار الوقود غير المنطقية والرواتب المتدنية.
ومن الشوارع التي تملؤها الفوضى وتصدح منها أبواق لا تُسمع إلا في الدول المتخلّفة، ويتنقّل عبرها سائقو التاكسي بإيماءات يعرف الجميع أنّها شتائم للسياسيّين، يصعب على البعض استخدام المنطق قبل تناول حبّة Xanax أو ربما Lexotanil.
إذا كان تنصّل السياسيّين اللبنانيّين الدائم من تمثيل مصالح الشعب بشكل صادق ومثمر، يجعل لبنان بلداً ديكتاتورياً مقنّعاً بعبارات الديمقراطية ويصنع من الشعب عبداً خاضعاً يتوّهم الحرية، فإنّ أمراض الضغط والتوتر وثقافة إدمان المهدئات الناتجة عن الأزمات والمشاكل التي يتسبّب بها النظام السيئ والفساد السياسي في هذا البلد، تجعله يتشابه أكثر فأكثر مع الديكتاتوريات، التي نشأت فيها أجيال اعتادت على القمع والخوف من الهمس برأي سياسي في المدرسة والجامعة والتاكسي ومكان العمل، فتربى في داخلها التوتر والأمراض والعقد النفسيّة.
بعد 70 عاماً من الحكم السيئ، وفي الذكرى 38 لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، وبعد 23 عاماً من نهايتها "المفترضة"، يواصل جزء كبير من الشعب اللبناني المعاناة من أمراض نفسيّة تمثّل النقيض الآخر لكآبة الرفاهيّة، ويستمرّ في العيش وسط حذر مزمن كأنّه فوبيا حياة، ليواجهه تارة بحبّ الحياة وطوراً ببعض الحبوب. لكن للأسف، إنّ تلك الحبوب، التي تهدئ الجسم وتهدمه تدريجيّاً، لا يصل مفعولها إلى أروقة رجال السياسة ومدّعي الدين في لبنان، حيث الأزمات تُصنع وتُستدام، والمصالح الشخصيّة تتحكّم، والنفاق يطغى، والكذب يتسيّد.

 


 

ق، . .

رأي

07-03-2016 14:44 - أبعدوا وحشيتكم وبشاعتكم عن الأطفال... واتركوهم يعيشون طفولتهم بسلام! 01-03-2016 00:57 - من أجل "لبناننا"... لن نعتذر! 20-01-2016 06:46 - وللذاكرة ايضاً رأي في لقاء معراب 13-01-2016 06:50 - بين لقب "أحلى صوت" ومعاناة لاجئين... نوايا خفية 23-11-2015 01:02 - صرخة أطفال موجوعين... "بس كرمال مين"؟ 18-11-2015 06:43 - "إستفيقوا يا بشر... نعم وألف نعم للقضاء على الإرهاب!" 24-08-2015 20:47 - 5 سياسيين يتقاسمون "غنائم زبالة البلد" 12-08-2015 06:49 - لا تهمشونا... 24-07-2015 06:47 - من مطمر الناعمة إلى مطمر البلمند 18-07-2015 07:55 - سامحنا يا جورج...
10-07-2015 06:47 - بين "داعشية" المجتمع اللبناني و"الديمقراطية المزيفة" 10-07-2015 06:44 - هل قدر اللبنانيين الإستزلام دائما؟ 07-07-2015 06:00 - التغيير يحتاج لوقت ولكنه يبدأ بخطوات 05-06-2015 12:24 - روكز يدفع ثمن مصاهرته عون 08-04-2015 07:17 - لاتسألوني عن "رئيس جمهوريتنا"...! 17-03-2015 06:12 - من قرأ رسائل جعجع ...المشفّرة؟ 21-02-2015 00:42 - ألحوار تمرير للوقت حتى يصل الفرمان ...ويسمي رئيس لبنان 10-02-2015 06:49 - يسوع الملك في قفص الإتهام؟ 05-02-2015 06:37 - داعش من الذبح إلى الإحراق...فماذا بعد؟ 03-02-2015 11:23 - عندما كنت صغيراً! 23-01-2015 06:34 - ألقضاء قال كلمة الفصل: قانون الإيجارات الجديد نافذ اعتباراً من 28/12/2014 17-01-2015 00:42 - يوم يكبر حنظلة..!.. 30-12-2014 05:55 - هذه هي حقيقة ما حصل مع بابا نويل! 29-12-2014 05:51 - جنود مخطوفون و...مآتم متنقّلة 08-12-2014 10:16 - حين أعدموه 04-12-2014 06:04 - هل إرساء قاعدة الفراغ يجرّ التمديد ؟ 25-11-2014 06:09 - ملفات اللبنانيين في مهب الريح 24-11-2014 06:11 - "لبنان ان حكى" 10-10-2014 06:13 - اتركوا جامعتي تعيش 02-10-2014 06:07 - علقوا المشانق...عبرة لمن يعتبر 29-09-2014 05:32 - الوطن والمؤسسة العسكرية كبش محرقة! 27-09-2014 07:39 - "الايزوتيريك" بوابة الى المسامحة والارتقاء 26-09-2014 06:22 - عندما نخاف من الاستشهاد في طلب الشهادة 24-09-2014 05:55 - ماذا لو مُنع "تويتر" و"فايسبوك" و"يوتيوب" عن الارهابيين؟ 19-09-2014 11:33 - عن أمير طرابلس "الداعشي" 19-09-2014 05:55 - طلاب لبنان، من يتذكرهم اليوم؟ 18-09-2014 06:12 - عقبال...عنّا! 16-09-2014 06:14 - "وينن، وين وجوهن؟" 12-09-2014 06:15 - نحن ... سلاحنا العلم 09-09-2014 06:30 - ويبقى الأمل... 06-09-2014 05:46 - "العقل لا يفهم" 05-09-2014 06:13 - من هو المسؤول عن هجرة المسيحيين من لبنان؟ 19-08-2014 05:14 - سيناريو داعش في لبنان 15-08-2014 05:37 - من حقنا ان نعرف 13-08-2014 06:12 - "داعشية" المجتمع اللبناني 15-07-2014 06:26 - الطريق الى النجمة الرابعة 14-07-2014 05:58 - "أقل الحياء" استباق التمديد بإقرار قانون انتخاب 10-07-2014 06:15 - زمن"داعش" الكسرواني 09-07-2014 14:05 - هل تطفئ السبعة الألمانية... النجمات البرازيلية الخمس؟ 01-07-2014 05:49 - تنازلات عون للحريري... ما لم يتنازل عنه في ظلّ الحصار والاجتياح!
الطقس