2018 | 10:57 شباط 21 الأربعاء
جنبلاط: نشهد اليوم عملية ابادة جماعية في الغوطة الشرقية للبشر وسط تقاسم نفوذ دولي واقليمي مفضوح لسوريا | هل تجمع الهواجس الانتخايبة الحريري وجعجع؟ | ماذا يعني الاعلان المبكر لمرشحي الثنائي الشيعي؟ |

اللبناني "الحشري"!

رأي - الجمعة 08 شباط 2013 - 06:17 - جهاد الملاح

في كل مرة أحاول التنقل بين الشاشات اللبنانية، أواجه مشاهد مكرّرة لأشخاص يجلسون كأنهم في منازلهم، منهم من يثبت في مكانه ليطلق العنان للسانه يصول ويجول كما يشاء، ومنهم من يتمايل بكل جسمه على إيقاع لسان لا يهدأ، تحليلاً وإفتاءً في السياسة والدين والاقتصاد ومعالم الكون كلّه.
تتصاعد الأحداث في لبنان، فيتدفق المحلّلون إلى القنوات، يدلون ببنات أفكارهم وبنظرياتهم الأكيدة والمطلقة، ويتحدثون ويحلّلون ويكشفون المستقبل. وإن سُئل أحدهم سؤالاً، يصفن، ثم يستعجل القول بنبرة عالية: "أنا". فأودّ لو أستطيع أن أسأله: من أنت بالله عليك؟
عندما يضيع الحديث، كما العادة، وتتشتّت المواضيع ويصبح التحليل كلاماً لا يقدّم ولا يؤخّر، ألجأ إلى إلغاء الصوت، فأرى الواحد منهم وكأنه في سيرك يحرّك يديه ويلعب بملامح وجه ليفترس فكرة ما، ثم يشدّ إحدى عينيه فتكاد تتطاير، ويظهر في صورة الواثق بأنه يملك الأجوبة ويعرف المستقبل. ولا يهمه حتى إن غاب الصوت، فإشاراته قدرها أن تسمع من به صمم.
تحوّل التحليل السياسي في غضون سنوات، إلى ظاهرة شائعة في لبنان، لكن دون أن يمرّ بمراحل تطويرية تجعله يخضع لضوابط ولقواعد تشرح معنى التحليل وكيفيته وماهيته والهدف من عرضه للناس. وقد تلجأ مؤسسات إعلامية، بحكم التنافس، إلى استضافة أي مسؤول أو أي صحافي يستطيع التحدث. وهي ظاهرة يقلّ مثيلها في دول العالم، خصوصاً من حيث نوعية المقاربات التي ينتهجها المحلّل، إذ إنه في لبنان، يتحدث في كل شيء ويفتي بما يريد، ولا يجد من يسأل عما استفاد منه المشاهد.
إن التحليل مهنة تقوم على مبادئ عدة، منها ما يُكتسب بالخبرة السياسية وأكثرها ما يُكتسب بتعلم شروط التحليل والفرق بينه وبين الرؤية، ومعرفة كيفية نقض الأفكار ودحضها بالأدلة والبراهين الواضحة والحجج المضادة العلمية وغير الشعبوية، دون التعرض والإساءة والاستهزاء من الخصم، وبالطبع من دون أن يلجأ المحلّل إلى الحديث في ما لا يعرفه. فالتحليل عندما يلتزم بتلك المبادئ، يكون رشيداً، تماماً مثل الحكم الرشيد، يفيد الشعب ويُغني الحراك السياسي والاجتماعي.
وإذا كانت "تحليلات" المحطات التلفزيونية تدخل كل منزل، لتتفوق على "تحليلات" الصحافة المكتوبة التي تضيع بين كثرتها، فقد تحوّل المواطن اللبناني، بحكم الأمر الواقع، إلى متابع مخلص ودؤوب، يتنقل بين شاشة وأخرى، ليقضي وقتاً طويلاً في الاستماع إلى أحاديث لا تقدّم ولا تؤخر، ولا تتضمن أي إخراج لافت أو سيناريو جذاب، وكثيراً ما تحمل نفاقاً ومغالاة ومزايدة وشتائم، فيما تقود بعضها "يوتوبيا" بعيدة عن الواقع.
واللافت أنه عندما يصرّ المواطن اللبناني، وإن على سبيل التسلية، على الاستماع إلى تحليل من هذا النوع، يتخلّله حوار مع مقدم البرنامج، فإنه يتحوّل إلى شخص يسترق السمع إلى حوار بين شخصين آخرين، لا يفيده بشيء ولا يستطيع المشاركة فيه أو التعليق عليه، وكأنه مجرد حشري وفضولي.
فليتَ المحطات اللبنانية تخفّف قليلاً من فقراتها التحليلية، في انتظار أن يصبح التحليل السياسي في لبنان رشيداً، وربما يصبح للمحلّلين اللبنانيين نقابة تراقب أعمالهم وتنبؤاتهم، فيسمع الشعب اللبناني يوما ما، محلّلين من أهل الإعلام والسياسة، يجيبون بعبارات "لا أعلم" و"لست متأكداً" و"لا أملك الجواب".
ورغم كل ما تقدّم، قد تكون برامج التحليل السياسي في لبنان، أفضل بكثير من البرامج الحوارية غريبة الأطوار، التي تجعل المستضيف ينتشي فخراً بـ"نجاحه" كلما سقط الحوار وأساء للسياسة والمواطن والقيم والأخلاق.