2018 | 06:35 شباط 22 الخميس
في لبنان: فتح التابوت ليودعها... ليتفاجئ بأن الجثة لا تعود لها! | لم يعرف السبب | قصة غيرة |

إلى طفلتي... في يوم مولدها

رأي - الجمعة 14 كانون الأول 2012 - 08:04 - جهاد الملاح

رأيتكِ، فتبعثرت صوركِ على جدران خيالي
وأصبحت لا أرى...
أسأل ذاكرتي عن كلمةٍ في بالي
فتعطيني عينيكِ...
ثم أعود وأرجو أن تفتّش بين الصور
عن حرفٍ أحدّث به
فتأتيني سكرانة تترنّم
لكنها لم تخطئ
فأنغام صوتكِ بين الصور...
في تلك الليلة البيضاء، اختلطت ألوان الليل بأنوار الصباح وتسابقت دقات قلبي مع همسات المطر. كنت أنتظرك بحبّ وشغف، يلهيني عن النوم برق متقطع أخاله عينيك، ورعد يوقظني في كل حين، كأنه صراخك يهزّ جسدي. وبين الغفوة والأخرى، كانت أفكاري تسرح في معالم الخلق وصفحات الأيام الآتية، في وطن اخترته أن يبقى وطنك، وراهنت، لعلّه يلقى يوماً ما، دولة تعلم معنى لإنسان.
عند الظهيرة، أبصرتِ نورَ الله الذي خلقك قبل تسعة أشهر، فرأيتك تتأملين المكان والزمان، كأنك تحملين هموماً مثقلة وتبحثين عن حقيقة تاهت عنك. ربع ساعة، بقينا وحدنا، كنتِ تتأملين الجدران وتنظرين إليّ بنظرات لا أفهمها وأنظر إليك بغرابة. وفجأة دبّ فيك البكاء كأنك لامست حقيقة الحياة وتحسّرت على ذاكرة السماء، فدبّ فيّ القلق، وأيقنت حينها، أولى حروف الأبوة.
كانت نظراتك، في الدقائق الأولى من عمرك، أقوى من أعمار الفلاسفة وأدقّ من عيون العلماء، وكنتِ أكثر وضوحاً من الأقلام الغزيرة ومن صفحات القصص، فعرفتِ الفرق بين الجنة والنار بسرعة البرق، وكان دمعك أبهى صورة صدق رأيتها في حياتي.
أردت أن أسألك لماذا كل تلك النظرات إليّ؟ أهي لوم أم عتب، أم حب، أم أشياء أخرى؟ لن أعرف أبداً الجواب، فعندما تستطيعين الكلام، ستكونين قد نسيتي ما دار بيننا من نظرات في تلك الغرفة القابعة تحت الأرض، في مدينة للمفارقة أنها تحتاج إلى كلام أطفالها أكثر من خطابات كبارها.
نعم حبيبتي، صدقتِ في البكاء. ففي تلك المدينة، صخب أخرق، يقتل الإنسان في كل حين، ويحتقر المواطن عند كل باب. في أرضك، أناس كثيرون يُصلّون ويصومون ويحفظون القرآن أو الإنجيل، لكنهم ينافقون و"يلفون ويدورون"، ولا يستحون من الكذب مهما صغر أو كبر، ويبيعون الشعوب والأوطان وينشرون الفقر والفساد، وثقافتهم ليست إلا ثقافة الحقيقة المطلقة.
في تلك الأرض، أناس يُلملمون من التاريخ صفحات مبعثرة ليصنعوا منها كتاباً مقدّساً، ولا يعرفون معنى الظلم والمظلوم، ولا يفقهون أبداً أن توحيد الله لا يستوي إلا عند إنسان حرّ لا يعبد زعيماً أو مذهباً أو طائفة.
في وطنك، كثيرون يدّعون الدين، لكن يدوسونه في زواريبهم المذهبية والطائفية. فهل تُصدّقين أن مسلماً يصوم ويصلي ويقرأ القرآن، ثم يقول بفجور يحسبه فخراً: أنا سني وذاك شيعي، أو: أنا شيعي وذاك سني؟ وهل تُصدّقين أن مسيحياً يحفظ الإنجيل ووصايا المسيح، ثم يتعصّب ولا يسامح ويردّ الضربة بعشر؟
نعم، صدّقي، فقدرك أنك ولدت في وطن استوطنته منذ 70 عاماً، دولة من عار، زرعت الحقد والثأر والخوف والقلق، ومنعت ثقافة الديمقراطية، ومسحت معالم الإنسان وذلّت الأديان ورفعت الطوائف قرابين لشياطين الأرض.
لكن لا بأس، ليست هذه كل الحكاية، ولا تخافي حبيبتي. فكثيرون أيضاً يعرفون الصدق، ولا يبدّلون الوجوه، ويخشون الله، ويكرهون الظلم ويتّبعون الحق. وكثيرون يساعدون المحتاج ولا يكذبون وينافقون، ولا يعيثون في الدنيا فساداً، حتى أن منهم من يقف عند الإشارة الحمراء!
لقد ولدتِ لأمّ تمتلئ فصاحة في ثورة الإنسان وفي الوعي والرقي، وأعطيناكِ اسماً حمل الحبّ والقمر والسماء والجنة، بكل اللغات. فاحترفي معنى الإنسان وحبّ الناس وعشق الأرض، واحفظي ذاكرة السماء وحلم الحياة. وآمني وصلّي وصومي، واطمحي وتطلّعي إلى الأفق. واصدقي، وابتعدي عن كل مختال وكل مذهبي وطائفي وعنصري وكل من يصنّف الناس، وكل شيطان بلباس البشر.
تعلّمي، واقرأي في كل الكتب وتصفّحي الدروس والعبر وقصص الأمل، لعلّك تصرخين يوماً ما، في برية دولة يملؤها الجهلة والمستبدون، لتهدمي سجون الغربة والفقر والفساد. وربما تحصلين على حكم رشيد أو تنمية أو تعليم مجان أو مركز أبحاث أو مصنع، أو أي شيء، لكن فقط اصرخي واصرخي.
وقبل ذلك كلّه، تعلّمي معنى الوطن، فاعشقيه وإن اسودّت دولته، لأنه مهما تمايزت الدول، لا وطنَ أفضل من وطنك.