2018 | 19:42 تموز 22 الأحد
أعمال حفر اسرائيلية في خراج ميس الجبل خارج السياج التقني | بالفيديو: الطيران الإسرائيلي يدخل من كسروان لضرب سوريا | ثلاثة جرحى اثر حادث سير في راس اسطا | بولا يعقوبيان تتعهد الاستمرار بدعم أهالي السان سيمون لاعادة مياه الشفة | تفاصيل استبدال ميريام فارس بشيرين في حفل لندن | سفارة الامارات: ما سمي بإمارات ليكس عار عن الصحة | مالطا تستقبل 19 مهاجرا بعد انقاذهم | الـFBI تشتبه بوجود علاقة سرية بين الروس وأحد مستشاري ترامب | بهية الحريري استنكرت قانون القومية اليهودية: فلسطين لا تمحى بجرة قلم | ترامب عبر "تويتر": يبدو أن حملتي الانتخابية تعرضت للتجسس | المطران مطر: الرب يريد لكل الناس أن يكونوا عائلة واحدة ويتعايشوا بالحب والسلام | عدن: الشرعية تسلم المبعوث الأممي ردها حول مقترحات الحل السياسي |

التمويل الخارجي... وإشكالية "العمالة"

رأي - الجمعة 21 أيلول 2012 - 11:45 - جهاد الملاح

منذ نحو تسع سنوات، سعت إحدى المنظمات الأميركية، إلى تأمين تنفيذ مشروع في لبنان، من خلال منحة بلغت ثلاثة ملايين دولار، خُصّصت لدعم إنشاء مقاهي انترنت في القرى وتدريب المزارعين على توضيب منتجاتهم، فكانت النتيجة أنها اصطدمت برفض من قبل بعض القرى في البقاع الشمالي.

بعد فترة قصيرة، طُرح في المنطقة ذاتها مشروع آخر، تمثل باستضافة عدد من الفلاحين وتدريبهم على الأساليب الزراعية الصحيحة. وبقي التمويل أميركياً، لكن هذه المرة بمشاركة إحدى المؤسسات التربوية المحلية، فشهد المشروع قبولاً ونجاحاً.
ومع مرور السنوات، تصاعد في لبنان عمل المجتمع المدني والأهلي، بتمويل خارجي في معظمه، فأصبح أكبر من مجرد بيع حلوى في الجامعة لجمع أموال لترميم مدرسة أو جمع تبرعات لتزيين شارع أو مساعدة مريض. وصار هذا التمويل يخضع لجدل يصل أحياناً إلى حدّ الاتهام بالعمالة والخيانة. فما هي أهم خلفيات هذا الجدل؟ وما هي الأبعاد الأساسية التي يستند إليها التمويل الخارجي لمنظمة أو جمعية داخل لبنان؟
أولاً، إن إحدى الإشكاليات الأساسية التي تحيط بهذه المسألة، ترتبط بغياب مفهوم المجتمع المدني، عن الشريحة الأكبر من اللبنانيين، كما العرب، حيث لا يزال العقد الاجتماعي منشغلاً في البحث عن صياغة سويّة، بين الشعب والحكم، ولا مجال للحديث كثيراً عن طرف ثالث. أما في الغرب، فإن المجتمع المدني يكاد يكون سلطة موازية للسلطة الحاكمة، يراقبها ويحاسبها ويدفعها إلى اتخاذ القرارات، كما يتغلغل داخل المجتمع، ليلعب بالتالي، دوراً أساسياً في تنفيذ العقد الاجتماعي العامودي السويّ، كما العقد الأفقي العادل بين شرائح الوطن.
ثانياً، يؤدي غياب المجتمع المدني الفاعل في لبنان، فضلاً عن القصور في فهم طبيعة مفاهيمه ومضامينه، إلى النظر إلى منظماته طبقاً لاجتهادات شخصية وعشوائية، وإلى إخضاع مصادر تمويله إلى الشكوك والتساؤلات. فالثقافة الفكرية الاجتماعية لمعظم اللبنانيين، والعرب بشكل عام، تربط دفع المال بالمصلحة المباشرة، ولا تستوعب كثيراً فكرة "عدم توخي الربح"، خصوصاً إذا كان منحُ المال منظماً في إطار مؤسساتي.
ثالثاً، إذا كانت المنح المالية الفردية تأتي داخل لبنان، في إطار التبرعات العرَضية أو الزكاة والخمس أو التبرعات المباشرة للمعاقين والفقراء والأيتام وبعض الجمعيات ذات الصلة، فإن معظم التبرعات داخل دول الغرب تستهدف خدمة المجتمع المدني ومنظماته، وربما تصل إلى أشخاص وقضايا في قارات أخرى.
في هذا السياق، يلجأ ورثة المتموّل اللبناني، إلى إنشاء "سبيل ماء" أو توزيع بعض الأموال عن روحه، مع وجود نسبة قليلة تختار الأعمال الخيرية كبناء مستوصف أو جامع أو كنيسة أو التبرع التربوي، بينما يتجّه ورثة المتموّل الغربي، نحو أولوية إنشاء منحة سنوية باسمه أو تمويل برنامج زمالة، أو التبرع لمركز أبحاث أو لمنظمة غير حكومية تعمل في مكافحة مرض ما، أو تُعنى بالــ"Street Law" فترشد المراهقين إلى مبادئ حقوق الإنسان والحقوق المدنية وغيرها.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، إذ إن الأمثلة بالآلاف، عندما يمنح صحافي وكاتب أميركي يُدعى ديفيد أوتاوي، وهو ليس من أصحاب رؤوس الأموال، منحة سنوية لاستضافة صحافي عربي لمدة ثلاثة أشهر في مركز أبحاث، فهو يعكس ثقافة معينة إزاء فكرة التبرع وعمل المجتمع المدني، ولا يبحث عن تجنيد الباحثين، لخدمته.
كذلك عندما تُنظّم منظمة "IREX" ورش تدريب، أو تجمع متخصصين لمناقشة الوضع الإعلامي في بلد عربي ما، لتنتج تقارير مهنية مفصلّة وتقدّم اقتراحات بشأن الاستدامة الإعلامية في هذا البلد، فإن المال الذي تدفعه، يصبّ في النهاية في خدمة الشأن العام.
رابعاً، من المعروف أن معظم الدول التي تقدّم تمويلاً حكومياً لمجتمعها المدني وللخارج، هي دول تتمتع بركيزتين، نظام ديمقراطي مستقر منذ عشرات أو مئات السنين، وإمكانيات مالية كبيرة. وهذه الدول، ومن بينها الولايات المتحدة وكندا والدول الاسكندنافية، أنتجت مجتمعاً مدنياً ناضجاً ومتطوراً، تحولت العديد من منظماته، مع تصاعد العولمة، إلى منظمات دولية، بما يشبه الشركات متعددة الجنسيات، مع فارق عدم توخي الربح. فتوسّعت بالتالي نشاطات المنظمات إلى الدول النامية، ومن بينها لبنان، حيث افتتحت العديد منها مكاتب إقليمية.
وقد استهدفت هذه المنظمات في لبنان، مشاريع التنمية البشرية وبناء القدرات وبرامج الزمالة ومبادئ الديمقراطية والتدريب الإعلامي وحقوق المرأة والطفل، ومكافحة الأمراض، وغيرها. وشجّع النمو في هذه المشاريع الكثير من اللبنانيين على تأسيس منظمات غير حكومية، ثم البحث عن مصادر تمويل أجنبية، في ظل غياب المصادر المحلية، مع العلم أن هذا التأسيس لا يزال يخضع لقانون عثماني صدر منذ أكثر من 100 عام.
انطلاقاً مما تقدّم، من الضروري عدم اللجوء إلى التعميم في مسائل التمويل الخارجي، والخلط بين فعل الحصول على تمويل للمنظمات المدنية والأهلية، وبين فعل الحصول على تمويل، للقيام بأعمال تجسّس أو تنفيذ مهمات لمصلحة جهات خارجية، إذ إن الأخير يخضع لتصنيف آخر، على الدولة والقضاء والأجهزة الأمنية التعاطي معه بحزم.
ومن نافل القول إن الدولة اللبنانية هي التي بدأت بعادة الحصول على التمويل الأجنبي، بدءاً بالمنح الخاصة بالإعمار والاقتصاد، مروراً بمِنح القطاع التربوي والجيش وقوى الأمن ونزع الألغام والمشاريع الزراعية والمائية، وصولاً إلى مِنح مساعدة اللاجئين.
وإذا كانت المراقبة مشروعة في مسألة المِنح المقدمة للمنظمات غير الحكومية في لبنان، فإنها أكثر ضرورة في حالة المِنح المقدمة للدولة، إذ لا بدّ من معرفة مسارها ومصيرها، داخل الموازنة أو على جوانبها المنسّية, خصوصاً أنها دولة نشأت على الفساد، وتعجّ بسارقي أموال الشعب. وبالطبع، هؤلاء خونة، لكن من نوع آخر.