2018 | 21:24 شباط 21 الأربعاء
"او.تي.في.": ما من اشكال لانعقاد مؤتمر روما لكن الامور تختلف لناحية امكانية انعقاد مؤتمر باريس 4 | وزير الاقتصادي لـ"أو.تي.في.": لاقرار الموازنة بالتوازي مع اصلاحاتها قبل مشاركة لبنان في المؤتمرات الدولية | "أو.تي.في.": الاتفاق على مبادلة جزء من سندات الخزينة بالليرة اللبنانية بسندات تصدرها الحكومة بدولار لمعالجة العجز العام |

في رحلة العودة

رأي - الجمعة 24 آب 2012 - 10:17 - جهاد الملاح

قبل كل زيارة إلى لبنان، تغيب فجأة أحاديث السياسة السوداء ويتناسى العقل قصص الرصاص المتنقلة بين نشرات الأخبار وتغريدات الأصدقاء، فتتجمّد الأفكار عنوة عند أوصاف الحنين، وتلبس العيون لوناً واحداً، هو لون الفرح.
تتسارع دقات القلب بين مواعيد الإقلاع والهبوط وتختلط أوراق الذاكرة بأوراق جواز السفر، ويحجز حلم الحياة مقعداً على الطائرة المسرعة ببطء، بعيداً عن مقاعد الغربة الممتلئة بالانتظار.
وفي طريق العودة، ينشغل الجميع في ملأ وترتيب الأيام القليلة في أرض الوطن، باللقاءات والنشاطات وحتى بالزيارات المملّة. وقد يشاغب البعض قليلاً، فيحمّل السماء المترامية خلف النوافذ، وزر قرار التنازل عن الغربة.
يبقى الفرح سيد الرحلة، لا تهزّه أحاديث الركاب عن الساسة والسياسة، ويصبح سبّ "الدولة" رمز الوحدة الوطنية وركيزة تعايش الطوائف في الأجواء الشاهقة، ويكاد الوطن، بتاريخه وقصصه، يتلخص بابتسامات المضيفات.
تقترب الطائرة من بيروت، فتتأهب القلوب قبل الأحزمة، وتُضبط الملابس لتتناسب مع رقي اللقاء المنتظر، وتنزع العيون غفواتها لتولد من جديد، ويتحوّل البعض إلى خبير جغرافي يشرح المسار الأخير للرحلة بكل مودة وتفانٍ. وإذا أطلّت جبال لبنان بأنوار خجولة، لا تواجَه إلا بالنكات الخفيفة، التي تتكرّر دائماً، ثم تتبعها رنات الهواتف المستعجلة إلى خرق قوانين السماء، قبل قوانين الأرض المقبلة من خلف أحزمة الفقر الساحلية.
ويشعر "المشتاقون" بالطائرة وكأنها تحطّ في أبهى وقفة عز منذ أن خُلق الإنسان، فتتسابق العيون المتفائلة، إلى حواجز التدقيق، وتلتزم الطوابير مهما طالت، تراقب عن كثب كل ضربة على جواز سفر وتحسد كل من يُسرع بفخر إلى حقائب لم تصل بعد.

ساعات طويلة بين المنزل والمنزل، تحكمها الإيجابية ويقودها الفرح، إلى أن تحطّ بين أحياء أتعبتها السنوات الثقيلة وتجذرت فيها شريعة الغاب. فلا تكاد تنتهي رحلة السفر بعد الاستقبال العائلي، حتى تتفجّر عصبّيةً وعصياناً على الذات، ويصبح الأمل بغد الوطن ترفاً أخرق وحلم البقاء فيه كفراً موصوفاً، وتتحوّل وجوه السياسيين وأسماؤهم المزمنة إلى حجج وبراهين على جنة الغربة ونعيمها.
يستحي الحالم من أفكاره التي زينّت طائرة العودة وتنسّمت هواءها البارد، ويجد أن الكهرباء الخجولة التي سالت نكاته، تسيل من جسده عرقاً، وأن ابتسامات المضيفات لا تلخّص إلا أسنانهن. يرى السبّ قد عاد إلى مواقعه الطائفية والسياسية، ولا يسمع إلا حسداً لكل من يملك مرقد "فرشة" خلف هذه الأرض، فيتردّد كلما فكّر القول بأنه يريد أن يعيش في وطنه، ويُحرَج كلما قال له أحد: جيد أنك ما زلت صامداً في إجازتك.
هو عار نظام وظلم دولة ونفاق سياسة، لكنه أيضاً شوق دائم. فهل من شيء أقسى من جبروت وطن؟