2018 | 08:12 شباط 19 الإثنين
"التحكم المروري": تدهور مركبة على أوتوستراد البترون | حركة المرور كثيفة من قصقص باتجاه البربير وصولا الى بشارة الخوري بيروت ومن المدينة الرياضية باتجاه الكولا وصولاً الى نفق سليم سلام | نقولا تويني لـ"صوت لبنان (93.3)": هناك امكانية جدّية لانجاز الموازنة لأنّ الاصرار موجود لدى الرئيس الحريري والحكومة |

الأسير أقوى مما تتصوّرون

رأي - الجمعة 29 حزيران 2012 - 07:51 - جهاد الملاح

صعد نجم الشيخ أحمد الأسير في لبنان، من خلال خطابات وتصريحات رنانة تتحرك على خطوط الطائفيّة، وتستنهض شعارات التمييز المذهبي، بينما أتى الردّ عليه، في بعض من الاستنكار، وفي كثير من السخرية من قبل سياسيّين أو شباب ناشط على المواقع الاجتماعيّة.
بالطبع ليس غريباً في عصر اليأس اللبناني، مواجهة الظواهر والأحداث المستجدة بالسخرية والتندر، أو بذل الجهد في حبك النكات لتوزيعها على عدد من الأصدقاء. إلا أنّ الغريب هو كيف أنّ هؤلاء الساخرين الذين تربّوا بين أحياء وأزقة تعبَت من إعادة القصص ذاتها، لم يحفظوا بعد قصّة بلد اعتاد لملمة فتات التصريحات من هنا وهناك، لجمعها وتحويلها إلى مشاهد حيّة تستوحي من شريعة الغاب صورَها ومن الإنسانيّة حضيضَها.
فالشيخ الأسير الذي يحذّر ويهدّد، ويوزّع تصريحاته الناريّة على المنابر، وعلى الإعلام الذي يُشيع أخباره باعتبارها حدثاً أساسياً، يستخدم سلاحاً فتاكاً، إن أخطأ اليوم الهدف، فسيُصيبه غداً، وربما من دون قصد بل مجرّد صدفة في حيّ اختلطت مذاهبه أو في شارع تعارك فيه شخصان ثم اكتشفا اختلافهما في المذهب أو الدين، لتشتعل نار عصيّة على التفاهم والحوار، فتُدمي وتنتقم وتُيتّم، وتقتل الدين باسم الدين.
لا يجادل أحد في حقّ الشيخ الأسير في المطالبة بحقوق على أساس طائفي، طالما أنه يتحرك في دولة تتقاسمها الطوائف ويَصغر في عينها لقب المواطن اللبناني. فهو لا يختلف بذلك، عن الكثيرين من السياسيّين اللبنانيّين، الذين يسيرون على نغمته، حتى وإن بدأوا صباحهم بحلق الذقون، ثم لبسوا القمصان ووضعوا الياقات.
إلا أن هذا الشيخ رَفع الخطاب، من استنكار غياب حقوق الطائفة وامتيازاتها في الدولة وفي الأمن والأمان، وفق تقديراته، إلى إطلاق توصيف جديد لهذه الحقوق، غير مسبوق في لبنان على الرغم من كل مأساة المحاصصة الطائفيّة والمذهبيّة التي يشهدها.
فهذا التوصيف يتصّل مباشرة بالدين انطلاقاً من تفسيراته الأشدّ، ثم يتحدث عن الحقوق السياسيّة والمعيشيّة استناداً إلى اختزال الدولة في ثنائيّة سنيّة - شيعيّة "متوازنة"، كما أنّه يستبدل الهدف التقليدي للمطالب الشعبيّة المعيشيّة، والممثل في "الدولة"، بطائفة واحدة داخل الدولة، مع ما يعنيه كل ذلك، من انقسام مدمّر للبنان، وشرخ بنيويّ في العقد الاجتماعي الأفقي داخل الطوائف والمذاهب وفي ما بينها، أكبر بكثير مما تسبّبت به معارك الحرب الأهليّة وأزمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وأحداث 7 أيار.
اختار الأسير الخطاب المذهبي العلني والمباشر، وله أفكاره وأسبابه، وربما يجادل البعض بأنه حرّ في ما يقول، وبأنّ الأمر لا يستدعي أيّ قلق طالما أنّ الشعارات "سلميّة". لكن المعادلة التي تطرح نفسها بقوة، هي أنّ القلق ليس من خطابات الأسير بحدّ ذاتها، بل من عدم الاطمئنان إلى الوعي العام في لبنان.
فمواجهة السلاح الفتاك الذي اختاره هذا الشيخ، تحتاج إلى ثقافة دينيّة صحيحة، ترفض رهن تعاليم الدين بتفاصيل المذاهب، وتستوحي من الفهم الديني السويّ نبذ تصنيف المواطنين على أساس المذهب والطائفة. كما أنها تحتاج إلى ثقافة اجتماعيّة تفقه أنّ مفهوم الطائفيّة والمذهبيّة ليس مفهوماً نظريّاً، بل هو عبارة عن مجموعة من العلاقات والتفاعلات يقودها المواطنون، ويتبادلون تأثيراتها داخل المجتمع.
قد يلقى الأسير استصغاراً في أعين البعض، من سياسيّين لا يبالون أو شباب يرابض في عليائه الإلكترونيّة. لكنّ الحقيقة أنّ سلاح هذا الشيخ الذي يضرب عشوائيّاً كأنّه يتطلّع إلى فوضى خلاقة، قوي جداً، وحتى أنه قادر على إسقاط كل فعالية سلاح المقاومة الذي يدعو إلى نزعه، إذ أنّ قوّة هذه المقاومة تسقط حكماً عند حدوث الفتنة، ولأنّه دائماً أبداً، "سلام لبنان أفضل وجوه الحرب مع إسرائيل".