2018 | 07:22 شباط 20 الثلاثاء
"التحكم المروري": انقلاب شاحنة على طريق عام بعلشميه - عاليه | حركة المرور كثيفة من الضبية باتجاه انطلياس وصولاً حتى نهر الموت | وجيه البعريني ونجله مُرشحان كلّ على لائحة |

نصف ساعة في شوارع بيروت

رأي - الجمعة 11 أيار 2012 - 07:37 - جهاد الملاح

استأذنت الغربة القسرية لأسرق بضعة أيام في وطني، لعلّها تكون قادرة على إزاحة عبء البعد أو تتمكن من ترويض أفكار القلق التي لا تنفك تتمايل في ضوء النهار وبين عتمات الليل، وعلى أمل ألا يغلبني ذلك الشبح، الذي أراه يبستم كلما تراكمت السنوات وتحوّلت الغربة إلى قدر محتوم والحنين إلى ترف أخرق.
في اليوم الأول من رحلة الاستئذان، خرجت إلى شوارع بيروت، فوجدتها مزدحمة، اصطف الناس فيها أفواجاً متداخلة، يجمعها صراخ السيارات، وتوحّدها تعابير تشبه الغضب، وتتلاعب فيها فوضى ترعرعت على عقود من العيش العفوي والانحلال السياسي وبين صفحات عقد اجتماعي ملطخة بالغبن والذلّ والدماء.
حاولت التسلّل بين الشوارع الخلفية، لعلني أخدع الوقت الذي يمرّ ببطء في ظهيرة المدينة، فالتقيت بأزقة تفوح من سكونها روائح الذكريات. وارتسمت بين المسافات الضيقة مشاهد الأضداد، إذ لا تكاد صورة فرح قديمة تطلّ برأسها، حتى ترفدها صور عيون حمراء أدماها الحزن أو ملأها الشر. وبين ثنايا الصور، وجوه شاحبة على مرّ جيلين أو ثلاثة، سرق اليأس ألوانها ونزع الحذر ملامحها.
دُرت في الأزقة لدقائق، حتى تيقنت أن سكونها لم يكن إلا سلاماً مؤقتاً، لأنها مهما تداخلت بصمت وهدوء، فستعيدني في آخر المطاف إلى الشوارع القاتلة، حيث أرى على مدار الالتفات، إيماءات سائقي التاكسي وكأنها مسرحية ثورة، وأقراَ على شفاههم شتائم لسياسيين لا يلتقونهم إلا عبر شاشات المساء، وألحظ في عيونهم لوماً لأسمنت ينتشر في الطرقات طلباً للحصانة، وإمعاناً للفصل العنصري التاريخي بين الشعب النظام.
معظم المدن تزدحم وتصرخ لتمتلئ بالحياة والعيش الصاخب، لكن من يقرأ كتاب بيروت في هذا الزمن، يعلم جيداً أن صخبها ليس حياة بل يشبهها، فالفوضى والتمييز والانهيار والإهمال والتخلي، كلها كلمات تتكرر، لتخبر قصة مدينة أصبحت جدرانها ممنوعة من اللمس بريشة أو قلم، بأمر من الدولة الوهم، بينما يُسمَح لشعبها أن يشوَّه بريَش الساسة البشعة وأقلامهم الشيطانية.
نصف ساعة، أدور في منطقة تشبه "ألكاتراز"، فلم أصل إلى مكان إلا إلى حقيقة صارخة: الفوضى ستبقى ملكة أم الشرائع، والأسمنت سيظل يفصل بين الشعب والساسة، طالما بقيت العبودية المقنعة بأشكال الحرية، تتغذى على عقول مواطنين يتوهمون الثقافة السياسية ويقبلون العيش على هامش قصور بنيت بجلودهم ورفعت فوق أجسادهم.
سيبقى العار يقود نظام لبنان ويتسيّده، إلى أن يأتي يوم تُخرج فيه الإنسانية مخالبها البيضاء، أو ربما يتحقق حلم الصغر، فيستطيع مواطن ما أن يدخل الشاشة، ليسحب المنافقين من رقابهم.