2018 | 08:04 تشرين الأول 16 الثلاثاء
انحسار السجال العوني ـ القواتي مع اقتراب المفاوضات الحكومية من نهايتها | لبنان على أبواب ورشة الإصلاحات بشروط "سيدر" | لقاء الحريري - باسيل: الرئيس المكلف يقترب اكثر من حسم قراره | المفوضية شطبت 3500 نازح عادوا طوعاً | الحريري سيترأس بعد الظهر اجتماعاً لكتلته لاتخاذ موقف من التطورات | إبراهيم كنعان بخمسة ألوان مختلفة | عاد إلى الظهور | الإثنين أو الخميس | "إسراء" ستغادر حقاً | طريق المطار... أخشاب وموت محتم | "القوّات" و"المردة": تنظيم العلاقة والاختلاف... وأقل من مصالحة | الأزمة الروسية - الغربيّة من البوابة الأرثوذكسيّة |

إمام لبنان... وظالم ليبيا

رأي - الجمعة 26 آب 2011 - 07:03 -
احتدم الكلام بين حضيض الأرض ومَن حمل العلاقة الأرقى بين الأرض والسماء، وبدت الإنسانية في عليائها تنازع أفكاراً متلعثمة كرهت البشر وأضاعت السماء، ولا تحركها إلا حروف الطغيان.الزمان: أواخر آب 1978، والمكان: أرض سيصرخ ترابها بعد 32 عاماً. لون النهار لم يكن يعرف الشمس، فالحرب العمياء سارت على درب أبناء الموت، وارتوت من نظرات الثأر في عيون تبحث عن دور بين أزيز الرصاص ودم الشوارع. هي بيروت عام 1978، حين لم تعد هي ذاتها، تقطعت ألسنتها العذبة وانحدرت طوائفها وذُلَّت أديانها. وحده الصراخ ساد أزقة أم الشرائع، لعل منقذاً يسمع أنيناً بين هبات المدافع أو يسرق طرفة عين من بين الرماد، بات حطام الإنسانية تكدسه الشياطين، وصمتت العقول. وحينها وُهبت عمامة لصدّ الرصاص المقيت عن بشر الأديان، لكن من يمنع المدافع العمياء، عن ألوان السماء؟خرج إمام من لبنان على العرب صوناً للدماء وكرمى لشرف الوطن الرسالة، فحطت به الأقدار بعد تردد عند "قائد ثورة" أقنع بزيارته لعلّه يساعد في رفع البلاء، ويسكت أمواله القذرة التي تشعل جسد الأرز، ثم غاب اليقين، وأخفي الكلام الأخير، ولم يبق إلا حديث أضداد يوحي به لسان الحال.يسأل الزعيم الذي يتوهم خيمة عربية ولا يفقه ضيافتها، عن سبب السفر إليه و"التجني" عليه، فالأحرى "منع المسلحين المتعطشين للدم".يردّ الإمام، بعد ابتسامة تكفي اللبيب فهماً، "ساقتني الأقدار أن أخدم الإنسان في وطني وأرفع عنه براثن الزمان، وأسعى إلى إيقاف سيل السلاح إلى ساحة اصطنِعت أحقادُها". ينفعل الزعيم، الذي كاد يصرخ "أنا المريب"، فيتلعثم: "أي سلاح، أنتم أنتم، أنتم لا تملكون ثورة، اصنعوا ثورة، لكن الثورة تحتاج إلى قائد يكون قائد ثورة"."إن الثورة يسودها النور وتسكنها النهضة وتحركها الحرية ولا تتطلع إلا للمواطن وأرضه، فتجعل له حياة وترفع إنسانيته إلى العلا"، يرد من ناصر الفكر الذي يعيد الروح إلى العقل المشلول وينبه الإنسان إلى جوهر الدين السوي والمواطنة الحقة. يسأل العقيد مجدداً، وهو الذي باع لنفسه بعد سنوات لقب "ملك الملوك": "أي إنسان؟". وينصح: "هم يحاربون ولا تتوقف الحرب إلا بغلبة طرف... اقرؤوا اقرؤوا، الإنسان درجات من سلطة وشعب يختار قائده، كما أخبروني عما قاله ما اسمه هذا توماس هوبل، هوبس، حول العقد بين الشعب والقائد العقيد. أنتم لا تملكون ثورة، نحن نملك ثورة".يردّ الإمام: "إن في وطني ضلالاً ظرفياً حاكته أنامل سوداء، ما نطلبه هو الامتناع عن تسليح الفتنة في أرضنا، فلبنان إباء العرب إن انتظم ليله ونهاره وبانت سماؤه من وراء الرماد، وأبناؤه عيون ترتفع في عين الشمس، إذا تنفسوا هواءهم فقط".يمضي عقيد ليبيا في أفكاره: "هذه حرب طائفية، نحن ضد الطائفية، نحن مسلمون، وأنا أمير المؤمنين، ولا علاقة بين الدين والوطن، فالدين للوطن والوطن للدين، هكذا".تألم الإمام وكأن كل شعب ليبيا اعتصر قلبه، "للدين والوطن بعدان مختلفان لا تجمعهما لائحة ولا يخضعان لسباق أولوية، هي فقط المواطنة التي تجيد رفقتهما بعدل ومنطق، لترتفع بنهضة تنزع شياطين الطائفية وتعلم الانتماء إلى الإنسان".لا يعرف مُتملِّك ليبيا المعنى، ويقول: "إن انتماءكم هو إلى التعصب، نحن لا نتعصب، فنحن مسلمون وأيضاً مع الإسلام".يقاطع الإمام، الذي خطب في الكنيسة وأعلن أن من يطلق رصاصة على قرية مسيحية كأنه يطلق على قلبه وعمامته: "دم المسيح يجري في عروقنا وصوت محمد يدوي في مسامعنا، وتعايش طوائفنا ثروتنا وثورتنا، فالأديان تلتقي في جوهرها عند خدمة الإنسان، وتعلن جهراً أن التعصب لدين أو طائفة هو انهزام للدين وطعن في التدين وكره للسماء"."لا تملكون ثورة، فشلتم وهذه إسرائيل دخلت عليكم، نحن نساعدكم ليكون عندكم نظام جماهيري!"، يقول "المستضيف".يردّ السيد بهدوء في طياته ندم ويأس من اللقاء الذي حملته إليه الأقدار، "وطننا رسالة ونظامنا التعايش، ونحن نقاوم بأسناننا وأظافرنا وسلاحنا مهما كان وضيعاً. ودائماً وأبداً، سلام لبنان هو أفضل وجوه الحرب مع إسرائيل، فإذا كنتم فعلاً ضد الاعتداء الإسرائيلي، كفوا عن إرسال الأسلحة التي لا تعرف مقاومة المحتل. اتركونا نقاوم بما لدينا، ونحارب من خلال سلامنا، فوطننا ثروة حضارية وأهله يعرفون كيف يسير موكب الإباء من أجل الحرية ورفعة الإنسان". وانقطع الحديث...هي سطور تشبيهية من لسان حال إمام النهضة السيد موسى الصدر، "القلم الذي لم يغرف إلا من حبر الحقيقة"، وأصبح مع رفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، في سجون القذافي. فصمت حوار الأديان، وتكاثرت الفوارق، ونفض التقارب ثوب الرقي، ليقع بين مخالب شذاذ يشاغبون باسم الدين ضد الدين، صوناً لشياطين كبرت فوق حطام الطوائف وبين ظلمات الإنسانية.