2018 | 06:43 تموز 19 الخميس
الشرق الاوسط: تجدد النزاع العقاري بين شيعة ومسيحيين في لبنان | نازحون سوريون يغادرون عرسال وبيروت عن طريق حزب الله | حزب الله بين الإفادة من تصعيد باسيل والارتياب من إصراره على الثلث المعطل | نفضة حزبية كاملة | أميركا مستمرة | بما أنّ التشدّد والعُقَد لم تتبدّل... فلا حكومة قريباً | ما بين الرئيسين: تسريبات وأقاويل... والتفاهم يطغى | بعد تراجع ترامب عن تصريحاته المثيرة... قمة هلسنكي إلى جلسة استماع | رئيس غائب عن عيد الجيش | الجيش اليمني يسيطر على سد باقم وسلسلة جبال العبد في صعدة | هادي ابو الحسن للـ"ام تي في": هناك عقدة مفتعلة اسمها العقدة الدرزية فعلى الجميع احترام نتائج الانتخابات في عملية تأليف الحكومة | باسيل: من يحب السوريين هو من يطالب بعودتهم الى بلدهم وإجراء مصالحة حقيقية في سوريا |

فتاة من لبنان

رأي - الجمعة 05 آب 2011 - 09:04 -
كان الهواء حين يلمح أصابع الحرية ترتفع لتلاعبه، يذوب بعيداً عن حركاتها، خوفاً من أن تُقطع باسم من تملّك الأشجار والشوارع وأحلام الناس. وفجأة، خرجت الأيادي تتلاعب بين نسمات لم تعتدها، وتداعب سماء خاصمتها لعقود. فقد طلّت العدالة برأسها على العرب، تتمتم على استحياء بحروف تعوّد الليل على بعثرتها، عندما كانت شفاه الحرية تُرجم في مهدها وكانت الأحلام تخاف أن يفضحها شغب العيون. جلس حاكم مصر في قفص، أمام شعب أسقط الأبدية عن حياة الظلم، كما نزع عن الفراعنة وهم الأبدية في الموت. وتداخلت الأفكار، تتأمل تارة في مصير الطغاة الذين يدمرون أوطانهم، وتسرح طوراً في جنس القدر الذي قطع كل المسافات برمشة عين من شباب أم الدنيا. وجلس العرب مذهولين، تتملكهم الغيرة من مشهد قرّ عيون المصريين. لكن وسط الغبار والآمال العربية، ثمة من أخبر لبنان أنه أفضل حالاً من مصر-مبارك ولا يجب أن يغار!وحدها فتاة جذبتها زيارة العدل الى أرض العرب، فحملت ملامحها الواثقة وعينيها اللتين ملأتهما السماء، ورتبت أوراقها المنثورة على جوانب الحق، وقررت الدفاع عن شعب لبنان.سألها القاضي عن موكلها، فصرخت أنها ترافع بالوكالة عن عرق الناس وعذاباتهم، وعن الأمل الذي يكاد يسـأم في انتظار تأشيرة دخول، وبالأصالة عن الخوف والحذر اللذين تجسدا فيها كمواطنة من لبنان.استهزأ القاضي بالفتاة وطلب إخراجها، فلديه دعاوى مكدسة أكثر أهمية، وغاب عنه أن كل الدعاوى أمامه تولدت من دعواها. دبّ العنفوان فيها، وأصرت على الكلام، فتركها القاضي تقول ما عندها، ثم تذهب في حال سبيلها. "سيدي القاضي، تطلب الديمقراطية في ألف بائها تمثيل الشعب، والتمثيل السوي هو تمثيل صوت المواطن عبر عيشه ومصالحه ورفاهيته وأمنه ومستقبله، فماذا قدّم السياسيون لأبناء الوطن لبنان؟".طلب منها القاضي أن تُسرع في كلامها، ساخراً من هذه "الشعارات". فأكملت: "أدعي بتهم هي غيض من فيض. أدعي ضد عار سكن النظام ونزع إنسانية الناس بطائفية أنستهم السماء وبمذهبية جعلتهم يدوسون الدين. وأدعي ضد نظام يصبحُ على مشاكل لا تسعها البلدان ويمسي على سياسيين يتراشقون باسم الحرية وإخلاصاً للديمقراطية، ولسان حال الديمقراطية سؤاله واحد: من هم هؤلاء؟".هل انتهيتِ؟، يسأل القاضي المستعجل. "لا، لم أنتهِ، فإنني أدعي أيضاً ضد ما صنعوا من سجون كما فعل حاكم مصر". يقاطعها القاضي ساخراً: "أي سجون؟ في لبنان حرية وديمقراطية". أمسكت شفتيها حسرة على جهل القاضي الذي من المفترض أن يحمل لواء الناس ويصون حقوقهم. "سيدي، إن القضبان لا يمتلكها الحديد حصرياً، فاليأس والخوف والحذر قضبان أكثر قسوة وأشد عذاباً. وحتى الحب الذي قد يولد خلف القضبان قتلوه باسم الطوائف. وماذا عمن زج الناس في الغربة القسرية، حيث يُقتل الإنسان كل يوم وراء قضبان مهولة تفصله عن أرضه وأهله؟"."هل انتهى كلامكِ؟". "لقد انتهيت سيدي وآسفة لأنني أتيت، فإذا كان القاضي يرى في العدَمِ حرية، بئس مصيرنا في هذا الوطن". لم يقبل القاضي حجم الدقة في كلامها، فسَجَنها، بتهمة إضاعة وقت العدالة. قبلَت السجن دون اعتراض، فالقضبان شتى والسجون واحدة، ولعلها تستريح قليلاً من البحث عن نسمات في الوطن. بكت فقط على أوراقها التي نزعها العساكر منها، فقد أمضت العمر تجمعها وتستلهم سطورها. لكنها ابتسمت حين تذكرت أن حاكماً عربياً اضطر في آخر المطاف، وفي قفص المحكمة، أن يسمع محامياً يخاطبه بالفم الملآن: أنت سفاح وقتلت الشعب!