السفير
من فندق «لو رويال» في ضبيه، أراد حزب الكتائب أن يصيب ثلاثة عصافير بحجر مؤتمر «الأحزاب الديموقراطية الوسطية» الذي استضافه تحت عنوان «التغيير في العالم العربي ـ الديموقراطية والتعددية»: أولها إطلاق الشرعة ـ الإطار التي عمل رئيس الحزب أمين الجميل على وضعها بالتنسيق مع «الأزهر»، والتي تستهدف «تقويم» الأنظمة العربية الناشئة جرّاء سيل الثورات، ثانيها، تأكيد موقع الحزب «الوسطي» في مقاربته لقضية الثورات العربية رافضاً الانجرار وراء الحماسة الزائدة، وثالثها توسيع شبكة علاقاته الحزبية إقليمياً ودولياً من خلال تجمّع أحزاب الوسط.
العصفور الأول: هي الشرعة ـ الإطار التي تشاور في مضمونها مع شيخ الأزهر، والتي يأمل حزب الكتائب أن تكون خارطة طريق دساتير الأنظمة الناشئة على أنقاض الأنظمة المنهارة بفعل الحراك الشعبي. محاولة دبلوماسية وملَطّفَة المفردات، للتعبير عن خوف الكتائب من مصير أسود قد يواجه الأقليات الدينية في العالم العربي، من خلال «التحريض» على احترام التعددية، أياً كان وجهها.
العصفور الثاني: بات جلياً أن الكتائب لا تشاطر حلفاءها في اندفاعتهم تجاه «ثورات الميادين». وما يصفونه بالربيع، تخشى بكفيا من تحوله إلى خريف يضرب الأقليات في المنطقة. ولذلك، تصرّ على إبراز موقفها «المعتدل» عشية بدء التحضيرات لمهرجان الرابع عشر من شباط، والذي يفترض أن يظّهر موقف قوى الرابع عشر من آذار من هذه المسألة.
العصفور الثالث: تحاول الكتائب تكريس موقعها ضمن تجمّع أحزاب الوسط، بين أقصى اليمين واليسار، الذي وضع لنفسه هيكلية تنظيمية تتيح لأعضائه التواصل والتنسيق، والذي يعتبر الأكبر في العالم، وهو يضمّ عملياً معظم الأحزاب الأوروبية الحاكمة (فرنسا، إسبانيا...)، أو تلك الأساسية التي في المعارضة. ويفترض أن يشارك في المؤتمر أكثر من 100 شخصية ممثِّلة لنحو 80 دولة، أوروبية، خمس دول من أميركا الجنوبية، إلى جانب تونس، المغرب، الجزائر، موريتانيا، مصر (نجيب ساويريس)، وإقليم كردستان العراقي، إلى جانب حزب العدالة والتنمية التركي الذي يعتبر عضواً غير مكتمل العضوية في التجمع، ولكن أعضاءه يجلسون على المقاعد المخصصة لأحزاب الوسط خلال اجتماعات البرلمان الأوروبي.
بداية أطلق الجميل الشرعة ـ الإطار والتي تنص على المبادئ الآتية: يحقُّ لكل شعبٍ أو جماعةٍ مقاومةُ الظلمِ والقمعِ والاحتلالِ من دونِ الاحتكامِ إلى الإرهابِ بمفهومِه الدولي، ولا يُعتبر إرهاباً النضالُ من أجلِ تقريرِ المصير، أو السيادةِ والاستقلال، الاعتراف بالحقِّ الطبيعي للمواطن، ولكلِّ مكـوِّنٍ من مكـوّناتِ الشعوب العربيةِ بأن يعيشَ في الدولة بأمنٍ، وحريةٍ، وكرامة، عدم اتخاذ التشريع المدني منحاً إلحادياً ينالُ من التعاليمِ الروحيةِ لأيّ دين، مقاومة التطرف بأسبابِه ونتائجِه، العملُ على جعلِ التعدديةِ تكامليةً.
وفيها أيضاً إن مبدأَ المساواةِ لا يُلغي التسوياتِ التعاقديةَ والميثاقيةَ التي تُوضعُ في إطارِ الدولةِ حِرصاً على التوازنِ بين مُكوّنات الوطن، تتبلور الديموقراطيةُ الصحيحةُ من خِلال الفصلِ بين السلُطات، والتكاملِ بين المؤسسات، والتداولِ المنتظِم للسلطةِ، باعتمادِ آليةٍ انتخابيةٍ تعكِس صحةَ التمثيلِ السياسيِّ والاجتماعيّ والجغرافي، إن وحدة الشعب تُقاس استناداً إلى نسبةِ اتحادِه حولَ القيمِ الإنسانيةِ بعيداً عن العصبيّـاتِ الفئويةِ، ما يَزيدُ التفاعلَ الإيجابيَّ بين السلطةِ والمواطن هو اللامركزيةُ التي باتت سِمةَ الأنظمةِ الديموقراطيةِ الحديثة، يَحقّ لكل دولةٍ عربيةٍ استلهامُ كلِّ المصادرِ للتشريع، على أن تبقى كلُّ التشريعاتِ منسجمةً مع مبدأِ الفصلِ بين السلُطاتِ والمرجِعـيّـات، ومع بنودِ شرعةِ حقوقِ الإنسان ومع توصياتِ المؤتمرِ العالميّ في فيينا حولَ حقوقِ الإنسانِ.
وجاء أيضاً: على كلِّ دولةٍ عربيةٍ أن تحترمَ سيادةَ كلِّ الدولِ الأخرى واستقلالَها، وأَلا تشترِكَ في أيِّ عملٍ عِدائيٍّ ضدَّها، بقصْدِ الهيمنةِ أو السيطرةِ أو التوسّعِ أو الاحتلال. وعلى كلِّ دولةٍ أن تلتزمَ عدمَ اللجوءِ إلى الإرهابِ والعنفِ وسيلةً لحلِّ النزاعاتِ في ما بينَها، وإن التطوراتِ العربيةَ والعالميةَ تُعطي جامعةَ الدولِ العربيةِ الفُرصةَ لإعادةِ إنتاجِ ذاتِها وتفعيلِ دورِها.
ثم تحدث رئيس الاتحاد الدولي للأحزاب الديموقراطية الوسطية بيار كاسيني، مشيراً إلى أن «الحرية الدينية وهي ميزان لمستوى الحضارة التي يتمتع به بلد معين فعندما تنعدم الحريات الدينية تنعدم الحريات الاخرى، ولكن لا يمكن ان نشن حربا باسم الله لان هذا ليس من الانصاف والعدل لا يسعنا استخدام اسم الله من أجل الحروب».
الحلقة الأولى
الحلقة الأولى كانت بعنوان «الربيع العربي: التحولات والتغيير» أدارها الدكتور بول سالم، تحدث خلالها رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الذي قال إن «أوروبا قادرة على نقل البعض من خبراتها فلديها سجل حافل بالانجازات التي حققتها ولها فهم كبير وخبرة كبيرة في هذا المجال»، تلاه رئيس حزب الشعب الأوروبي رئيس الوزراء البلجيكي السابق ويلفريد مارتنز الذي اعتبر أنه «كان يجب على سوريا أن تتعلم من تجربتها في لبنان انه لا يمكن قمع الشعب الذي ينتفض لحريته».
الرئيس فؤاد السنيورة أشار في مداخلته إلى أن «أداء الأحزاب الاسلامية في الانتخابات الحرة الأخيرة في تونس ومصر، وأداءها المتوقع في بلدان أخرى، تعيش الربيع العربي، انما أتى نتيجة سنوات من القمع والتهميش. فهذا الأداء أتى نتيجة سنوات من الضغط وعلينا اعطاء الشعوب بعض الوقت للتحرر من هذا الضغط المكبوت. وسنشهد عندئذ أداء الاحزاب الاسلامية في ظل ظروف طبيعية أكثر اذ ستسعى للاندماج والتطور بشكل تسعى معه للتكيف مع البيئة الجديدة والتركيز على مواجهة تحديات المستقبل. أضف الى أن المسلمين عامةً سيشعرون براحة أكبر فيميلون بالتالي لعيش قيم الاسلام الحقيقية من انفتاح واعتدال».
وقال ختاماً: لقد ولّى زمن الرجل الواحد، والعائلة الواحدة والحزب الواحد...
الوزيرة السابقة للخارجية الموريتانية نهى مكناس أكدت أن «التحولات العربية أفرزت خارطة عربية جديدة اكثر عمقاً من ازاحة نظام معين». تلاها الأمين العام للمحكمة العليا للانتخابات التونسية بو بكر بتابت الذي قال ان «التجربة التونسية قد تكون مثالاً لباقي المجتمعات»، مشيراً إلى أن «الفصل بين الدين والدولة هو سؤال كبير يتم طرحه في هذه الأثناء خصوصاً ان الفريق الحاكم يؤكد أن مشروعه هو بناء دولة مدنية ولكن بعض التصريحات تطرح العديد من الاسئلة».
كما تحدث وزير الصناعة السابق في ايطاليا كلوديو سكايولا، ثم عضو حزب العدالة والتنمية التركي أمين أونان الذي قال «مازلنا نرى أن بعض الأنظمة العربية لا تستمع الى الشـعب، مثل ســوريا التي تـشن حرباً على شعبها، لكن النظام لن يربح، وفي الوقت نفسه فان تركيا هـي ضــد التـدخل العسـكري في ســوريا لكن هذا لا يعطي النظام السوري الحق بعدم اجراء الاصلاحات».
الحلقة الثانية
الحلقة الثانية كانت بعنوان «تحديات الديموقراطية وادارة التعددية» وأدارها الوزير السابق سليم الصايغ، تحدث خلالها وزير الخارجية الايطالي السابق فرانكو فراتيني الذي قال إن «أوروبا كانت اكثر من مرة في موقف أناني وهذا أمر خطير على مستقبلها». أما العضو المؤسس في الكتلة المصرية الليبرالية نجيب ساويريس فاعتبر أن «التحدي اليوم في الدول العربية كبير من دون مخطط للمستقبل» واضاف ان «هناك العديد من المصريين يرغبون باقامة دولة مدنية ولكن الأغلبية الجديدة في البرلمان تمارس طغيان القوة وترفض التحاور مع بقية الأفرقاء»، ثم تلاه رئيس الفرع العربي للحزب الديموقراطي الكردي في العراق سافين غولاف الذي قال: «في العام 2005 بدأت ثورة الأرز وقد اغتالوا بعدها الوزير بيار الجميل وأنطوان غانم لأنهم آمنوا بالحرية والديموقراطية».
كما تحدث الوزير السابق طارق متري، أما رئيس «جبهة النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط الذي تغيّب بداعي عودته المتأخرة من موسكو، فمثّله النائب نعمة طعمة الذي أمل أن «تتعلم الدول العربية من الأخطاء التي اقترفها أشخاص بحق الديموقراطية قبل أن يصبح الوقت متأخرا وقبل أن نعجز عن عكس هذا الواقع».
وأشار إلى أنه «تمت تصفية السياسيين في لبنان في العام 2005 لأنهم آمنوا بالديموقراطية والتعددية وحرية التعبير التي هي الركن الذي يبنى عليه لبنان»، مؤكداً أن «هذه هي الدولة التي نود أن نحميها وأن نرتقي بها، وهذا ما قامت به الدول العربية ولو جاءت خطواتها متأخرة في الانقلاب على الأنظمة الدكتاتورية».
وكانت اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الديموقراطي لأحزاب الوسط عقدت صباح أمس، اجتماعها السنوي للمرة الأولى في لبنان والشرق الأوسط في قاعة اجتماعات المكتب السياسي الكتائبي في الصيفي.