السفير
الصراع بين الزعماء الموارنة ليس جديدا. ولا التوتر المتصاعد بين الرئيس ميشال سليمان والعماد ميشال عون جديد ايضا. في الشكل يبدو عون هو المبادر دوما للقصف العشوائي وبالسلاح الثقيل على الرئيس من على المنابر. ومع ذلك يصر مسؤولون في «التيار الوطني الحر» على اعتبار تهجم عون على سليمان «رد فعل على استهداف الاخير، ان لم يكن بالقول فبالفعل، لحضور التيار وحجمه وحقوقه».
وداخل «التيار» نفسه تتنوع الآراء في اسلوب التعاطي المفترض مع الرئيس سليمان. يبدي فريق ارباكه من اسلوب عون المباشر في التوجه بكلام قاس وعلني واتهامات الى سليمان هو الذي جعل استعادة صلاحيات الرئاسة شعارا خاض لاجله المعارك. وفريق آخر يدافع عن اسلوب عون «الصريح والجريء، على عكس رئيس الجمهورية الذي يتلطى خلف مواقف مبدئية في الشكل، محاولا من خلالها القضم من حقوق «التيار» مفترضا انه بذلك يقضم من حجم التيار» بحسب مسؤول عوني.
قبل يومين قال عون «أتوا برئيس ليكون حكماً ولكن أراد أن يعمل حيثيات على حسابنا نحن، ويأخذ مقاعد من حصتنا في الوزارة وينقلها من ضفة إلى ضفة للتصويت ضدنا في مجلس الوزراء».
اعتادت دوائر القصر الجمهوري على مثل هذا الكلام. ونادرا جدا ما ردت عليه. ويقول مطلعون على احوال الرئاسة واوضاعها «ان المهمات المتشعبة للرئيس سليمان واصراره على ان يكون حكما هي التي تبعده عن الدخول في تفاصيل الصراعات. الرئيس حكم ليس فقط بحياده عن الدخول في الصراعات السياسية والانقسامات الحزبية في البلد، انما ايضا حكم على تطبيق القانون المفترض ان له آليات واضحة لتطبيقه».
ويشير المطلعون على مناخ القصر الى ان «الحملة الاخيرة على رئاسة الجمهورية تندرج تحت عنوان موضوع التعيينات. وفي هذا المجال فان ما يتمسك به الرئيس واضح وصريح ولا ينطوي على غير ما يعلنه. ففي بلد ديموقراطي تتغير فيه الاكثريات لا بد من حماية المواقع الوظيفية وتحصينها. بمعنى الا يأتي فريق فيسمي الموظفين ويعيّنهم ثم يأتي فريق آخر فيحيلهم الى بطالة مقنعة ويعين فريقا آخر مكانهم. الموظف لا يفترض ان يكون تابعا لاي فريق سياسي. وهذا ما تنص عليه بوضوح القوانين اللبنانية لاسيما المادة 114 من القانون 112. بديهي ان لكل شخص ميوله السياسية وقناعاته لكن ذلك لا يفترض ان يكون معيارا للتوظيف».
وضعت آلية واضحة للتعيينات الادارية في الدولة «ولا بد من احترامها. لا شيء يمنع من وصول اي محازب او مناصر لحزب الى اي موقع لكن لا يمكن ان يكون هذا المعيار الوحيد. لا بد من ان تتبع الاجراءات التي تعتمد طرح ثلاثة اسماء يكون للوزير دور اساسي في اختيارها بحسب الدستور. فهو بحسب الآلية موجود في اللجنة ويطرح الاسماء ويمكنه ان يزكي ويطرح الموضوع على التصويت. فالوزير ليس «باش كاتب» لكنه ايضا ليس ملكا» يقول المطلعون على موقف سليمان.
يرفض المقربون من الرئاسة الأولى كل كلام عن «رغبة الرئيس بان يكون له حصة وازنة في التعيينات. فهو لو شاء اعتماد منطق المحاصصة لكان رضي بالكثير مما عرض عليه. لكنه راغب بتطبيق الدستور والقانون. ومن منطلق مسؤولياته ودوره يرفض اية تسويات تخالف القوانين. وهو لن يخضع لابتزاز او ترهيب كما لم يخضع لاغراءات وحصص. وبالتالي في موضوع التعيينات، لا يريد الرئيس اية حصة ولا تعنيه ميول الموظفين السياسية. لكنه لن يوافق على اية تعيينات تتم خارج الآلية المفترضة وخارج القوانين».
يتعاطى رئيس الجمهورية، بحسب المطلعين على مواقفه، بواقعية سياسية. «فهو وان كان شديد الفخر بلبنانيته وبموقعه الا انه متواضع في الرؤية ومقاربة الامور. فهو لا يتصرف، كما غالبية القوى والاحزاب اللبنانية، وكأنه نصف الكون. فسياسة البالونات المنفوخة لكثير من الزعماء اللبنانيين لا تنعكس الا خيبات لمناصريهم وتوترات في البلد. لذا لا بد من بعض التواضع ومن النأي بالنفس عن مواضيع لا تغني ولا تسمن والعودة الى معالجة امور الناس ومتطلباتهم الحياتية اليومية».
وفي هذا السياق، يسأل المطلعون على موقف سليمان عن «الجدوى مثلا من ان يستيقظ زعماء وشخصيات لبنانية ليدلو كل واحد منهم بدلوه في الشأن السوري. ما الذي يضيف ذلك الى لبنان؟ واي مكسب يأتون به؟ لقد كان سليمان اول من تحدث عن سياسة النأي بالنفس بمعناها الايجابي. والتقى معه كل من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي. فملفاتنا الداخلية كثيرة ولا بد من معالجتها وايجاد حلول لها عوض التلهي بموقف من هنا ورد من هناك».
ويؤكد المطلعون على موقف الرئاسة الأولى أن الرئيس سليمان متمسك بفكرة طاولة الحوار «فلو كانت المؤسسات تعمل بشكلها الصحيح لما كان موضوع كقانون الانتخاب يحتاج الى طاولة حوار مثلا. لكن في واقع الامور اليوم هناك كثير من الامور التي تحتاج الى توافقات وطنية»، ويسأل هؤلاء «ماذا لو اعتمدنا مثلا سياسة النأي بالنفس عن سلاح «حزب الله» وناقشنا كيفية تسهيل شؤون الناس وانجاز بعض الاستحقاقات التي تخفف الاعباء عن كاهلهم؟ ماذا لو حاولنا تجنيب لبنان اية تداعيات سلبية للتطورات في محيطه؟ فاذا نأى كل الاطراف بأنفسهم عن انتماءاتهم وخياراتهم الاقليمية والدولية، يمكننا في هذه الفترة ان نحوّل لبنان الى واحة مستقرة ومنفتحة تتأثر وتؤثر ايجابا في محيطها عوض ان تتأثر وتؤثر به سلبا».