ليس الطقس العاصف هو الذي منع اكتمال صورة المصالحة يوم الجمعة في زحلة. لم تعلق سيّارة النائب ايلي ماروني على طريق ضهر البيدر، ما حال دون وصوله الى مطرانيّة زحلة للروم الكاثوليك للمشاركة في لقاء المصالحة الذي دعا إليه المطران عصام درويش، بل إنّ قرار المقاطعة اتّخذه ماروني مسبقاً، فسيّارته علقت بتراكم الذاكرة لا الثلوج، فأبى أن يشارك... ولم يكتب للمصالحة الشاملة أن تتمّ.
فاللقاء الذي وُصف، قبل أن يعقد، بلقاء "السلام على الماشي"، لم يستطع أن يجمع المرجعيّات حتى على "السلام"، وبقي ناقصاً في غياب أحد ابرز "أسباب الخصام".
وفي هذا الإطار، أكد مصدر مقرّب من النائب ايلي ماروني لموقعنا أنّه، ومنذ اللحظة الاولى، أيّد النائب الزحلي الكتائبي مبادرة المطران درويش "لما فيه خير وخدمة أهل زحلة والبقاع"، مشيراً الى أنّ ماروني "جلس على مدى أكثر من سنة وسبعة أشهر مع الوزير السابق الياس سكاف على الطاولة نفسها في مجلس الوزراء من دون لا سلام ولا كلام، مبدّياً المصلحة الوطنيّة على العلاقات الشخصيّة رغم الجرح العائلي والشخصي الكبير".
وروى المصدر أنّ ماروني، وبعد الدعوة إلى اللقاء كان توجّه الى المطرانيّة، برفقة وفد كتائبيّ كبير إضافة إلى عدد من رجال الدين وشرح للمطران درويش موقفه من المصالحة، طالباً منه منحها الوقت اللازم والوقوف على أسباب المشاكل بغية حلّها بشكل جذري. وتمنّى عليه عقد خلوات على مستوى ثنائيّ أو لقاءات موسّعة مع الافرقاء المتخاصمين للوصول إلى اتفاق يرضي الجميع، مبدياً كل النوايا الحسنة.
وأضاف: "تبيّن لنا في وقت لاحق أنّ المطران غير جاهز لتأجيل اللقاء، فتوجهنا مرة أخرى وطلبنا أن يدعو الوزير سكاف إلى إصدار بيان يستنكر فيه جريمة زحلة ويعلن عدم تغطيته للمجرمين واستعداده للمساعدة في القاء القبض عليهم، وذلك كبادرة حسن نيّة ننطلق من أساسها نحو مصالحة فعليّة، وانتظرنا الردّ على مبادرتنا إلا أنّ الجواب لم يأت"، واترك المطران درويش لضميره لتأكيد او نفي هذه الحادثة.
وتابع المصدر: "ومنعاً للإحراج أكّدنا أنّ البيان الذي سيصدر عن الخلوة يحظى سلفاً بموافقتنا رغم عدم معرفتنا به، وأنّ نواب كتلة زحلة يمثلوننا وابتعدنا عن اللقاء لأننا لا نريد التواجد مع ايلي سكاف احتراماً للعائلة ولأرواح الشهداء".
ولفت المصدر إلى "أنّنا فوجئنا ببيان يدعو إلى تغليب المصلحة العامة على المصلحة الفرديّة"، سائلاً "هل المطالبة بالعدالة وبتسليم المجرمين فيه مصلحة شخصيّة؟ وهل هدر الدماء وحماية القتلة هو مصلحة عامة؟".
وردّ المصدر على ما ورد على لسان سكاف بأنّ ماروني "يستغل الدماء ليتسلق من خلالها المناصب"، مشدّداً على أنّ "المناصب من آخر اهتماماتنا، وما وصلنا إليه كان ثمرة نضال طويل بدأناه في ظلّ الاحتلال السوري وذقنا ويلاته وبقينا ثابتين في قناعاتنا ونضالنا بعد الانسحاب والناس اعطونا ثقتهم".
وعبّر المصدر عن "ندم النائب ماروني لعدم مشاركته في اللقاء الذي كان يجب أن يحضره ويفضح التصرّفات الإستفزازيّة لسكاف عبر احتضانه للقتلة وعائلتهم كما بعض ممارسات أنصاره التي لا تمتّ بصلة إلى الروح الزحليّة لا من قريب ولا من بعيد".
وأضاف: "ذكر سكاف في بيانه أنّ العميد شارل عطا قال له إنّه لا يستطيع مداهمة عمّيق حيث من الممكن وجود المتهمين بجريمة زحلة في فيلا آل سكاف، لأن هكذا مداهمة قد تخلق لنا مشاكل كبيرة وخصوصًا إذا لم يكونوا موجودين بالفعل، لذا، نذكّره بأنّ جريمة زحلة وقعت في العام 2008 والعميد شارل عطا استلم مهامه الامنيّة في منطقة البقاع عام 2011. وفي هذا الموضوع عليه أن يستفسر من العميد عطا قبل إطلاق التلفيقات".
وقال: "إذا انزعجوا من مطالبتنا بالعدالة وتصريحاتنا المستمرّة وهاجموها ووصوفونا بأسوأ النعوت ظنّاً منهم أنّنا سنسكت، نطمئنهم "إنو بعد ما بلشنا".
وسأل المصدر نوّاب كتلة زحلة، الحلفاء والأصدقاء، عمّا جنوه من لقائهم "وهل هذا اللقاء سيقلب من هم في 8 آذار الى 14 وسيقلب من هم في 14 الى 8، وماذا قدّموا إلى جمهورهم بما سمّي بالمصالحة غير الصورة التي لا تقدّم ولا تؤخّر؟".
وختم المصدر "سنرى ماذا سيقدمون لزحلة بعد هذا اللقاء وما هي المنافع التي ستصدر عنه رغم تأكدنا أنها معدومة وهذا اللقاء هو فقط الصورة لا أكثر ولا أقل. لم نقتنع بكلّ ما جرى وبقينا صادقين مع جمهورنا ورفضنا الكذب على أهالينا في زحلة ونحن راضون عن أنفسنا وضميرنا مرتاح".
في المقابل، كشفت مصادر رئيس تيّار "الكتلة الشعبيّة" النائب السابق ايلي سكاف عن أنّ الاخير جهّز بيان ردّ مفصل على كلام ماروني، مؤكدةً أنّ أحدًا لم يطلب من سكاف إصدار أيّ بيان "لا من قريب ولا من بعيد".
وأشارت المصادر إلى أنّ ماروني "بعد أن أفلس شعبيّاً وجد اليوم عذراً لإعادة استغلال حادثة أليمة وقعت في زحلة ولم يرض بها أحد"، مذكرةً ماروني بأنّ سكاف "استنكر مراراً وتكراراً هذه الجريمة ووصف سليم عاصي ونصري ماروني بالشهداء".
وأضافت المصادر: "يبدو أنّ زيارة نائب الكتائب إلى عرسال وما تبعها من ردود فعل مستنكرة في زحلة، إضافة إلى ما بدأ يتكشّف في جريمة زحلة من حصول تبادل لإطلاق النار وليس إطلاق نار من جهة واحدة، ومقتل شقيقه برصاصة من الخلف وليس من الأمام في دليل على أنّه ربما قد قضى برصاص أحد محازبي الكتائب، كل هذا أفقد ماروني صوابه وجعله يطلق التهم جزافاً".
واستغربت المصادر عينها أن يكون ماروني "أول من وافق على دعوة المصالحة منفرداً ومن دون مشاورة حلفائه الذين ابدوا استياءهم من تصرفه، ثم تركهم حتى وافقوا وانسحب"، متسائلة عن السبب الفعلي لهذا الموضوع.
وعن تعليقها بشكل عام على لقاء المصالحة وما صدر عنه، رفضت المصادر تسميته بلقاء المصالحة. وقالت "لو كان لقاء مصالحة بالمعنى الفعلي للكلمة لكان يتوجّب اجتماع "ايلي بك" مع سمير جعجع وأمين الجميّل وسعد الحريري الذين يملكون القرار وليس مع الموجودين في زحلة الذين لا يملكون قرارهم".
ووصفت اللقاء بأنّه "لقاء لكسر الجليد وإراحة الجوّ نوعاً ما والاتفاق على الحدّ الأدنى من الأمور الإنمائيّة والحياتيّة التي تهمّ الناس".
وفي النهاية، بين "بعد ما بلشنا" و"التسلّق على الدماء"، يبدو أنّ زحلة ستبقى على حالها، وما اللقاءات التي عقدت وستعقد إلا محاولات شبه مستحيلة لن تشفي ظمأ أهل أعرق وأكبر المدن المسيحيّة في الشرق، إضافة الى أنّ هدير المعركة الانتخابيّة بدأ يتصاعد في الافق ما سيزيد الخطاب تشنّجاً والقيّمين على المدينة جفاءً. وبانتظار انتهاء معركة 2013، ربما تصبح اللقاءات أكثر قبولاً و... جدوى.