2018 | 16:48 أيار 27 الأحد
مسودة ثلاثينية للحكومة... ومصادر بيت الوسط تؤكد: "تفنيصة"! | الحريري امام وفد من نادي النجمة الرياضي: الحكومة المقبلة ستعمل ما في وسعها لتوفير كل مقومات النهوض بقطاع الرياضة | الديمقراطي: الحديث عن إقالات واستبعاد قيادات شائعات مغرضة | ميشال موسى: حكومة وحدة وطنية ترسخ التوافق أهم هدية في ذكرى التحرير | البيت الأبيض: فريق أميركي سيتوجه لسنغافورة للتحضير للقمة المحتملة بين ترامب وكيم | التحالف بقيادة السعودية يعلن إحباط محاولة هجوم بطائرة من دون طيار قرب مطار أبها السعودي | تحالف دعم الشرعية: مطار أبها جنوب السعودية يعمل بشكل طبيعي | سلطات أوكرانيا تعلن فتح 5 محطات مترو في كييف بعد انذار كاذب بوجود قنابل | طارق المرعبي للـ"ام تي في": الحريري ترك الخيار لنواب المستقبل باختيار نائب رئيس مجلس النواب مع أفضلية لمرشح القوات | جريصاتي لرياشي: فتش عن نمرود تجده تحت سقف بيتك (من وحي التاريخ القديم والواقع الاحدث) | إغلاق خمس محطات مترو في كييف في اوكرانيا بعد إنذار بوجود متفجرات | حسن فضل الله: نأمل انجاز الحكومة قريبا لتتمكن من تطبيق البرامج الانتخابية |

فيلم... بألف سياسي

رأي - الجمعة 30 كانون الأول 2011 - 03:11 - جهاد الملاح

حين كانت الموسيقى التصويريّة تقود القصة، كنت أسرق لحظات، لأراقب سراً عيوناً لبنانيّة تلتزم الشاشة، لكن كأنها لا تشاهد فيلماً بل تشهد أحلام يقظة، فتتنقل بين أفكار عاشتها وجربتها، أدمى بعضها المآقي وكسر غيرها القلوب. وتساءلت كثيراً حتى كدت أُضيّع القصة: كيف لقاعة مظلمة وتحت الأرض، أن تجعل العيون تشعّ صدقاً؟ ثم تيقنت أن من دخلها ليشاهد "هلأ لوين" جاء من بين جدران كبيرة رفعها عار الطائفية والمذهبية وتحكّم فيها وهم اختلاف أجناس البشر، وملأ مفاصلها شغب السياسيين الدائم بين أكوام الضمائر.
لقد اعتادت السياسة في لبنان أن تمسك حصرياً بالقضايا "الكبرى"، وتبعد عنها المجتمع المدني، فيما تسمح لبعض الفنون بالدخول على الخط طالما أن الأمر يبقى في الإطار المسيطر عليه. وعلى هذا المنوال، تنتشر بشكل خاص المسرحيات السياسية الكوميدية الناجحة، فيشاهدها السياسيون ويضحكون كثيراً دون خجل، لاعتقاد كل منهم أنه "غير معني" أو لأنهم يجهلون أنهم يضحكون على بشاعة أفعالهم.
إلا أن المخرجة اللبنانية نادين لبكي كسرت احتكار السياسة لهذه القضايا، فانتزعت ملف الطائفية من القاعات التي تكدست على جوانبها الاستحالات، وتشققت جدرانها من كثرة الكذب والنفاق. كما سحبت الصراع الطائفي من أدراج أُوهم الشعب اللبناني أن مفاتيحها لا يملكها إلا القدر. وألبَسَت بالتالي الطائفية، ثوبها الحقيقي، في صور درامية متسارعة ومؤثرة، زادت من صدقيتها وجمالها تجارب الممثلين ذات الصلة، كما فهمها جيداً المشاهدون، الذين لا تفصلهم عنها إلا طرفة عين من نوافذ الماضي وبضع خطوات في شوارع الحاضر.
فقد أخرج فيلم "هلأ لوين" اللبنانيين من الدوائر المغلقة التي لا تتفاعل كل منها إلا في داخلها ولا تسمع إلا لقادتها ولا تقرأ إلا ما يكتبه من يناصرها، فسمح لهم بفهم أوضح لقصة وطنهم. والأهم انه سمح لكل منهم بالتعرف على من يعتبره "الآخَر"، لعله يُسقط وهم ضرورة "التسامح" بين طرف جيد وطرف سيئ ويرتضي فقط بـ"تقبل الآخر"، ويعلم أن السياسة هي التي تقود لعبة الحكم في لبنان وأنها عندما تلمح أفكاراً إنسانية تخرج من عقول المواطنين، تستهين حينها بتعاليم السماء وتزج بالطائفية والمذهبية في الأزقة الضيقة.
فهل يتمكن هذا الفيلم وما يشبهه من أفلام وفنون أخرى، من دفع اللبنانيين إلى فهم أكبر لما هم فيه، فيفقهون أن من واجبهم وحقهم الاستفادة من التجارب العبثية القديمة الجديدة؟
في الواقع، إذا كان الفن لا يُصنّف بشكل عام ضمن أعمال المجتمع المدني، فإن العلاقة بينهما هي علاقة حيوية، حيث يؤثر الفن بشكل لافت في الحراك الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون أعماله هادفة. وفي الأوطان التي تعيش أزمات مزمنة، كلبنان، فإنّ الفنّ يستطيع أن يمثل القوة الضاربة في يد المجتمع المدني. وهو ما حصل مع "هلأ لوين" الذي اختصر في 100 دقيقة جهد سنوات كثيرة لمنظمات وجمعيّات داخل البلاد. والأهم أنه أثر إيجابياً في المواطنين، بشكل عجز عن فعله، على مدى سنوات كثيرة، السياسيون، طوعاً وقصراً. وكأن هذا الفيلم ارتفع بالفن السابع درجة، ليجعله فناً ثامناً، يميزه تأثيره الوطني عن غيره من الأعمال السينمائية.
الخوف هو أن تصطدم هذه الصحوة السينمائية بالـ"حافة" الشهيرة، لبنانياً وعربياً، والتي توقف الاستمرارية وتقطع كل مسار منتج، لأسباب وظروف مختلفة. ففي لبنان عناوين لا تنضب، من الطائفية والمذهبية والخوف والحذر والغربة القصرية، مروراً بالديمقراطية الزائفة والفساد والظلم الاجتماعي وغياب التنمية المستدامة، وصولاً إلى آمال وطموحات لا تنتهي، وكلّها مواد خصبة للفنون على أشكالها. وقد طرقت نادين لبكي أحد الأبواب، بعيداً عن الأعمال التمثيليّة اللبنانيّة المعتادة التي لا تعكس الواقع اللبناني إلا في قليل منها، فنالت جوائز عدّة برّرتها عبقريّة الواقعيّة والرغبة في التحرّر الإنساني، لكن غابت الجائزة الأكبر، التي قد تستحقها من شعب تاه كثيراً ومن أرض ملّت دماء الإخوة.