2018 | 06:49 شباط 22 الخميس
في لبنان: فتح التابوت ليودعها... ليتفاجئ بأن الجثة لا تعود لها! | لم يعرف السبب | قصة غيرة |

طوائف تثور على وطن

رأي - الجمعة 23 كانون الأول 2011 - 08:45 - جهاد الملاح

على طريق الانتفاضات المتصاعدة بإصرار، لانتزاع المواطنة السوية والعيش الكريم الحرّ، بعد عقود من ضرب الطغاة لتعاليم السماء وقواعد الإنسانية، باشرت الشعوب العربية بتصحيح الخلل في التمثيل السياسي، وهو خلل بنيوي في الأنظمة العربية انسحب على مدى عقود، على الأركان الأخرى للديمقراطية، ودمّر بالتالي، إمكانية قيام دول حقيقية في المنطقة.
أما في لبنان، فلا يزال جدل التمثيل مفتوحاً على مصراعيه منذ أكثر من 80 عاماً. وإن كان يخفت أحياناً، فليس بسبب ارتفاع نسبة التمثيل الصحيح، بل بسبب تزايد القوى السياسية التي تقبل التهميش. إلا أن الأخطر في العقد الثاني من القرن الجديد، يكمن في ساسة لبنان الذين لم يتعلموا، أو ينكرون وربما يجهلون، أن البحث عن نظام انتخابي يؤمن فقط تمثيل الطوائف هو بحث دائم عن هدم الوطن.
فبينما يتطلع ربيع العرب الى تصحيح العقد الاجتماعي وإيصال ممثلين إلى الحكم يعملون من أجل مصالح الشعب الآنية والمستقبلية، ويؤمنون آليات التفاعل الوطني للارتقاء بالبلاد نحو الأفضل، يستسهل ساسة لبنان ممن يبحثون عن البقاء أو يفتشون عن دور، الارتداد الى الخلف، عبر تعزيز التشتت الوطني، على قاعدة انتخاب كل طائفة لنوابها، بشكل لم يسبق له مثيل في أحلك الظروف التي مرّ بها لبنان.
والأسباب التي يكدسها السياسيون في لبنان على صفحات مشاريع القوانين الانتخابية، ويتفنون في صياغتها لتؤثر في أنصارهم وتستدرج الدين والطائفة من مكانتهما العالية الى أزقة الخوف والحذر، هي في الحقيقة تعكس فشلاً ذريعاً في الإصلاح الانتخابي أو أقله في التوصل الى قانون انتخاب يحفظ الوطن ويرضي جميع الأطراف.
إلا أن هؤلاء السياسيين، الذين عاث معظمهم فساداً وكذباً، يقلِبون فشلهم في بناء الدولة والوطن، الى ادعاءات بحماية الطوائف، فيستميتون للإيجاء، عبر نظريات لا يقبلها عاقل، بأنهم يفيدون الوطن ويؤمنون حصة من الدولة لبني جلدتهم في الدين والمذهب. لكنهم فعلياً لا يسهمون إلا في حصة من التردي، مستندين إلى أنصار وموالين اعتادوا اللحاق بهم من دون أيّ تفكير.
والسؤال الذي يطرح نفسه، بعيداً عن الأسباب السياسيّة والطائفيّة والتاريخيّة وراء الثقة العمياء التي يوليها الشعب اللبناني للسياسيّين، هو لماذا لا يستفيد السياسيّون من هذه الثقة، ويضعون قانون انتخاب يؤمن الالتحام الوطني، طالما أنّ الشعب سيقبل "على العمياني" ما يقرّرونه، وهكذا تأتي الوكالة المطلقة للسياسيّين بفائدة على الوطن؟
بالطبع، من حقّ السياسيّين أن يجادلوا بأن اقتراحاتهم تصبّ في مصلحة الوطن، وقد يخلقون نقاشاً سياسيّاً مجدياً حول قانون الانتخابات، لكنّ التجارب في مختلف الدول المستقرّة تفيد بأنّ القرارات الوطنيّة لا يجب أن تنضج إلا بعد انتقالها من الحوار السياسي الى الحوار الاجتماعي. وبالتالي، لا بدّ من خلق نقاش شفاف وواضح يُعطى المجتمع المدني دوراً كبيراً فيه، لشرح النظريّات الانتخابيّة المختلفة بإسهاب، وتبيان حقائق القوانين والآليّات الانتخابيّة المقترحة، ونتائجها المباشرة وغير المباشرة.
في خضمّ ربيع العرب، بل ربيع العالم، حيث أنّ الشعوب العربيّة تثور على أنظمة ربتها وشدّت فسادها وطغيانها القوى الدوليّة، يُخرج بعض السياسيّين في لبنان، النظام الطائفي التوافقي من ثوب الضرورة ويعلمونه لعبة دقّ الأسافين في نعش العيش المشترك، لكن الأخطر أنهم ينهون بالضربة القاضية أيّ أمل أو حلم في بناء وطن. فهل تحوّل تلكؤ شعب لبنان عن الثورة على نظامه الفاسد والمقيت إلى دافع للسياسيّين للثورة على الوطن؟