2018 | 16:04 آب 18 السبت
رئيس روسيا البيضاء يقيل رئيس الحكومة وعددا من الوزراء | تحالف دعم الشرعية في اليمن يدمر منظومة دفاع جوي من نوع سام-6 في صنعاء | الناطقة باسم الخارجية الأميركية: الهزيمة التامة لداعش أولوية قصوى للإدارة الاميركية | الحكم على فلسطيني بالأشغال الشاقة المؤبدة وارجاء الحكم بحق لبناني متهم بقتل عسكريين في عرسال | حزب العدالة والتنمية التركي يرشح أردوغان مجددا لرئاسته | جريح في تطور اشكال فردي داخل مخيم عين الحلوة | البابا فرنسيس: الحب يتخطّى الصعوبات ويجعلنا نمضي قدمًا | اردوغان: لدي كل الثقة أن المشاكل التي وقعت في الأيام الأخيرة ستفتح لنا الباب أمام إنجازات جديدة وكبيرة | وحدات من الجمارك في الشمال تضبط مئات الكيلوغرامات من الفستق الحلبي والبندورة والعنب مهربة من سوريا في حسبة طرابلس وحسبة عكار | الرئيس الإيراني حسن روحاني يبرق إلى عمران خان مهنئاً بانتخابه رئيساً لوزراء باكستان | أردوغان: تركيا لن تستسلم لمن يظهر نفسه شريكا استراتيجيا ثم يحولنا لهدف استراتيجي | أردوغان: الضغوط لن تجبرنا على تغيير نهجنا |

للمصادر... بنات أفكارها

رأي - السبت 26 تشرين الثاني 2011 - 07:43 - جهاد الملاح

حُرم اللبنانيون، ومن ورائهم العرب، من اكتساب نعمة تلاقي الأفكار وقواعد المخاطبة الإنسانية، ولم ينالوا الفرصة لانتهاج المسار الطبيعي في التطور واكتساب نظام من التفاعل الاجتماعي الحضاري داخل الوطن. وانسحب هذا الواقع على بعض الإعلام الذي بات يتحرك ضمن دوائر مغلقة، بهدف تجييش المؤيدين، حتى من خلال الاستخفاف بالرأي الآخر وبأصول الموضوعية.
وبينما اكتسب الإعلام اللبناني والعربي بشكل عام، قدرات تقنية ومهارات فنية تكاد تجعله الاستثناء الوحيد الذي نجا من موجات الفشل والتردي في هذه المنطقة من العالم، فإن مضمون معظم وسائله بقي يتخبط ويشاغب خارج حدود الرسالة الإعلامية.
فقد أثرت الأزمات السياسية في لبنان، بشكل لافت، في بعض وسائل إعلامه، التي لم تخضع فقط للفصل الجامد داخل البلاد، بل انحدرت أيضاً إلى الإثارة، التي تنتهز كل خبر مهما كانت أهميته، لتسويقه عند أنصار المرجعية السياسية، والذين يَعتبرون بدورهم، أن إعلامهم منزّل، كما يرون في سياسييهم أنبياءً للحقيقة المطلقة.
واللافت في السنوات الأخيرة أن وسائل إعلام لبنانية وخليجية قد اطمأنت كثيراً لـ"نبوتها" لدرجة أنها أصبحت تنشر أو تبث أخباراً تتلقاها من مصادر مجهولة عبر البريد الإلكتروني، أو حتى تصورات تخرج من بنات أفكار موظفيها، من إعلاميين وغيرهم. ومع تنامي مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح بمقدور أي شخص صياغة خبر في فكره، ثم تمريره عبر بعض وسائل الإعلام المؤيدة لـ 8 آذار" أو "14 آذار".
وبالتالي، كثرت المصادر التي تطرق باب وسائل الإعلام اللبنانية وتحطّ على صفحاتها أو في نشراتها، متحدثة في مواضيع كثيرة، منها ما سيحصل في موضوع المحكمة الدولية أو ما يتعلق بمصير حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وصولاً إلى الأزمة السورية، مع العلم أن الرئيس بشار الأسد نفسه لا يعرف ماذا سيحصل في أزمة بلاده.
اللافت أن بعض هذه المصادر لا يقدِّم معلومات، بل آراء وتحليلات عن مختلف القضايا. فأي مصداقية تلك التي تستند إلى مصدر يفتي ويتخيل بهوية مجهولة؟ ومنذ متى كان المصدر يقدِّم تحليلاً أو رأياً؟
في بعض الحالات، لا تنتظر وسائل الإعلام أي معلومة من مصدر مجهول، بل تتبرع بتقديمها، بهدف السرعة في البث والنشر، والتجييش. وآخر هذه المآثر حدث عندما سُمع دوي انفجار في بلدة صديقين الجنوبية، حيث انبرت وسائل الإعلام، في تأكيد وقوعه في مخزن للأسلحة أو التشديد على نفي ذلك، من دون الالتزام بالدور الإعلامي الذي يقتضي نقل مختلف المعطيات بموضوعية تامة.
وقد بثت إحدى وسائل الإعلام خبر سماع الانفجار، لتتابعه بسرعة فائقة، بالتأكيد على أنه انفجار لمستودع أسلحة تابع لـ"حزب الله". ثم، وعلى الرغم من تشديدها على أن القوى الأمنية مُنعت من الاقتراب من مكان الحادث، نقلت عن مصدر أمني "رفيع المستوى" أن الانفجار "ربما يكون ناجماً عن خطأ فني أو يكون مفتعلاً بسبب خرق أمني حصل لهذا المستودع".
سماع تعليق المصدر قد يمرّ مرور الكرام، لكن التدقيق فيه يثير الاستغراب حول بثه ونقله من قبل الصحف، بهذه الصيغة. فبعد أن جزمت الوسيلة الإعلامية بأن الانفجار وقع في مخزن للأسلحة، بعكس ما صدر عن الجيش اللبناني و"قوات الطوارئ الدولية" التي لم يكن لديها أي معلومات، جاء المصدر "الرفيع" لــ"يخترع البارود" بقوله "إما خطأ أو مفتعل"، وليوحي بالتالي أن لا نقاش في أصل الخبر.
هذا غيض من فيض من مآثر بعض وسائل الإعلام اللبنانية، من مختلف الاتجاهات، التي تتخطى حقها في التحليل والتعبير عن القناعة السياسية، إلى بث ونشر كل ما تتمناه، من دون رقيب أو حسيب، طالما أن جمهورها سيصدقها مهما قالت، فيما الجمهور المقابل سيصدِّق وسائل إعلامه مهما اخترعت وألّفت.
بالطبع، إن ثقل الأزمات السياسية يقدِّم أسباباً تخفيفية لسقطات وسائل الإعلام اللبنانية، التي قد يأتي يوم قريب تُصنَّف فيه بين الأكثر والأقل كذباً. لكن ألا يحق لوطن يفتقد الدولة والديمقراطية ويملؤه سياسيون من الطبقة الرخيصة يجهلون معنى المواطن وفقه الإنسان، ويقتلون الحاضر ويطعنون المستقبل، أن يساهم إعلامُه في كسر الاستقطاب الطائفي والسياسي، ومنع الانهيار، والكشف للناس بأن الحقيقة المطلقة التي يدعيها كل فريق سياسي، ما هي إلا خرافة.