2019 | 01:53 تشرين الأول 17 الخميس
البيت الأبيض: ترامب قال لأردوغان في رسالة في 9 تشرين الأول "لنبرم اتفاقا جيدا" بشأن سوريا و"لا تكن متصلبا" | عضو في مجلس النواب الاميركي: طرح حزمة عقوبات على تركيا بشأن التوغل في سوريا غدا | المرصد: القوات السورية تقصف مدينة اعزاز شمال حلب ولا معلومات عن إصابات | الدفاع المدني تمكن من السيطرة على حريق اندلع في أحد الأحراج في مزمورة-الشوف | بيلوسي: أعتقد أن ترامب صُدم من عدد الجمهوريين الذين صوتوا لصالح القرار الذي ندد بسحب القوات الأميركية من سوريا | مركز حميميم: المسلحون في ريف اللاذقية يقومون بأنشطة تخريبية | زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ: ترامب لم يكن لديه خطة لاحتواء مقاتلي داعش وخلق أزمة في الشرق الأوسط | وصول رئيس ايرلندا مايكل هيغينز والوفد المرافق الى بيروت في زيارة رسمية | أردوغان يزور روسيا في 22 تشرين الأول لبحث الملف السوري مع بوتين | "الوكالة الوطنية": إصابة الشاب م. خ. بطلق ناري في ساقه اثر خلاف فردي وقع في بعلبك | مجلس النواب الأميركي يصوت بالغالبية على قرار يدين قرار ترامب الانسحاب من سوريا | الدفاع المدني أخمد حريقاً اندلع داخل معمل لتصنيع البلاستيك في أحد المجمعات الصناعية في نهر الموت |

"جمّول" بعد 37 سنة: هذه روايتي

باقلامهم - الخميس 19 أيلول 2019 - 07:08 - حنا صالح

تجول أرييل شارون في شرق بيروت. تأكد أن المياه تم قطعها عن غرب العاصمة وكذلك الكهرباء. عقد مؤتمراً صحافياً في فندق ألكسندر في قلب الأشرفية متباهياً أمام مئات المراسلين الأجانب بأن أحياء غرب العاصمة، أي الجزء الأكبر من بيروت، آيلة للسقوط قريباً جداً. ابتسم لعدسات المصورين وهو يوزع صوره الشهيرة على درج المتحف الوطني قبالة نصب الجندي المجهول!

استمر الصمود في بيروت إلى ما بعد اتفاق فيليب حبيب الذي قضى بخروج المنظمات الفلسطينية وقواتها العسكرية إلى تونس، فيما سرّع بعض الجهات وبشكلٍ فجائي من رفع التحصينات والدشم التي تحيط بمداخل العاصمة. وتتالت الأحداث العاصفة التي كانت ميزة هذه المرحلة؛ انتُخب بشير الجميل رئيساً ليسقط قتيلاً بعد شهر وأيام قليلة، وهزّت مجازر صبرا وشاتيلا لبنان وأبعد منه. الزمن منتصف سبتمبر (أيلول) 1982، تكثف قوات الاحتلال من حشودها لاقتحام بيروت، ومجموعات قليلة من القوات المشتركة اللبنانية تستعد لخوض قتال اعتراضي بوجه دبابات «الميركافا». ظُهر ذلك النهار، 15 سبتمبر، أعاد جورج حاوي تأكيد مهام عسكرية وشعبية وإعلامية نوقشت سابقاً إبّان الحصار، وأبلغ المجموعة القيادية للحزب الشيوعي الموجودة في بيروت بأن النجاح في معركة الدفاع عن العاصمة وتحريرها أولوية كي تنفتح معركة تحرير لبنان، كان ذلك في اجتماعٍ سريع انعقد في عيادة الطبيب حسني كالوت في الزيدانية في قلب بيروت.
لم تكن العاصمة محصنة، بل كانت تعيش في ظلِّ خطة أمنية تديرها السلطات الرسمية، فتم الاجتياح بدءاً من فجر 16 سبتمبر، وقد جرت مواجهات اعتراضية تركزت في عددٍ من المناطق مثل المتحف وكليمنصو وطلعة الحمام العسكري لجهة البحر. وفي ذلك النهار أصدر جورج حاوي ومحسن إبراهيم، من منزل كمال جنبلاط، نداء تأسيس «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» متوجهين إلى اللبنانيين «بغض النظر عن انتماءاتهم السابقة وعن الاختلافات الآيديولوجية والطائفية» لقتال المحتل لتحرير لبنان «البلد العربي السيد المستقل»، وكان قد مضى على بدء الغزو الإسرائيلي 104 أيام.
كُثُرٌ كانوا ينتظرون إعلان العدو إنهاء احتلال عاصمة لبنان، بيروت. خارجٌ صامتٌ وداخلٌ قَلِق، وكانت قد تعممت صور الخوف واليأس بعد مجازر صبرا وشاتيلا، وما تلاها من مشاهد لمذعورين يتخلصون من السلاح برميه في مكبّات النفايات أو دفنه في أزقة العاصمة، كما كانت قد وصلت الأخبار المضخمة عن جهات رشت الأرز على الغزاة الصهاينة، لكن التحضيرات الأخرى كانت متواصلة لبدء قتال التحرير بأقل الإمكانات وأبسط الأسلحة، والأهم بإرادة صلبة من وطنيين مستقلين، انتموا في مجملهم إلى اليسار اللبناني، لم ينتظروا الدعم من أحد ولم يكونوا مسيّرين في خدمة أي جهة.
تأخرت العمليات أكثر من 48 ساعة، لأن المرحلة كانت مختلفة، فقد قبض جيش الاحتلال على كل محاور الطرق وفرض الحصار على المناطق الداخلية، وانتشر العملاء والمخبرون كالفطر، وأول المقاومين الذين تحملوا عبء تحرير بيروت كانوا بيارتة وتالياً من كل لبنان ومن كل الطوائف، والأولوية كانت للاستيعاب ومن ثم لدغ سريع للتجمعات الإسرائيلية وتلافي الاشتباكات المباشرة. عملية صيدلية بسترس المجاورة لوزارتي الإعلام والسياحة والإذاعة الرسمية كانت البداية، وتتالت الضربات التي أوجعت المحتل مقابل صفر خسائر في صفوف المقاومين، ليدرك الثنائي شارون – بيغن عجزهما عن إنهاء مفاهيم المقاومة، فيندحر الجيش الإسرائيلي عن بيروت بعد أقل من أسبوعين على اجتياحها مناشداً أهلها: يا أهل بيروت لا تطلقوا علينا النار نحن منسحبون.
مثاليةً كانت معركة تحرير بيروت، وهي طبعت لاحقاً سلوك المقاومين. توفرت في العاصمة أفضل الشروط، والأهم كان الرفض الأهلي العارم للاحتلال واحتضان المقاومين الذين وجدوا ملاذات آمنة في كل البيوت، ومن ثمّ تمكن القيادة الميدانية من اختيار الأهداف نتيجة استطلاع دقيق وتأمين سُبل الخروج من مسرح العمليات. ويبقى بين أهم العناصر الإيجابية وجود القيادة السياسية على مقربة من المقاومين، وهي القيادة التي أطلقت نداء المقاومة التاريخي الذي عدّه البعض مغامرة، بفعل اليأس آنذاك، إلاّ أنه فتح الطريق لنشوء «جمول» المقاومة اللبنانية الصافية التي رفعت الشعار الأثير: الوطن باقٍ والاحتلال إلى زوال.
ضمت «جمول» في صفوفها ألوف المقاومين، ونفّذت عمليات مركّبة اتسمت بالجرأة والإقدام وطاردت لأشهُر بعض إرهابيي جيش الاحتلال كما في البقاع الغربي عندما اصطادت قائد مخابرات العدو في المنطقة المقدم أبو النور، ما دلّ على دور لافت للقيادة الميدانية التي حوّلت بعض مشاغل الحديد في الشريط المحتل إلى أماكن تصنيع العبوات الناسفة، وتمكنت بين 16 سبتمبر 1982 (الانطلاقة) وأبريل (نيسان) 1985 من تحرير 2600 كلم مربع من أصل 3450 كلم مربعاً تم احتلالها، بينها بيروت والمدن الكبرى كصيدا وصور والنبطية حتى الشريط الحدودي، ونفّذت 1113 عملية عسكرية حقيقية وقتلت 386 عسكرياً من مجموع 657 قتيلاً إسرائيلياً سقطوا حتى التحرير الكامل في عام 2000. وقدمت حياة 187 مقاوماً و1200 جريح ومعوق، ونحو 4000 مقاوم ومناصر تم زجهم في السجون الإسرائيلية...
بعد 1985 بدأ دور «جمول» في التراجع لينحسر في عام 1989 مع نجاح الاحتلال السوري، مباشرةً وعبر أدواته الطائفية، في كسر لبنانية المقاومة، بعدما تعذّر عليه استتباعها وتحويلها إلى واحدة من أدوات حكم أولى أولوياته قيام تحالف أقليات بوجه البحر العربي، لتنتقل بعدها الراية إلى قوة مذهبية قادها «حزب الله» امتلكت الإمكانات والدعم المفتوح من سوريا وإيران، لتتحول بعد التحرير إلى مقاولة، يَحولُ من يملك الإمرة عليها من استثمار إنجاز التحرير في توحيد البلد وتقوية الدولة، لا بل تم تكليفها بأدوار خارجية كجزء من «فيلق القدس» الإيراني ستكون نتائجها كارثية في نهاية المطاف!
على مدى السنوات التي تلت عام 1990، كان هاجس الفريق «الممانع» محو كل ما يرمز إلى «جمول» المقاومة الوطنية العلمانية التي قاتلت إسرائيل لتحرير الأرض وتوحيد الوطن، وذلك كي يترسخ في الأذهان «مقاومة» طائفية مرتهنة، لم تتورع عن مهمة إسقاط الحدود، من أجل تسهيل عبور غزاة جدد، خبرت شعوبنا دورهم في تفكيك المجتمعات العربية وتدميرها واقتلاع أهلها كما في العراق وسوريا خصوصاً.

حنا صالح - الشرق الاوسط

مقالات مرتبطة
اشترك في النشرة الإلكترونية للحصول على اخر الاخبار. البريد الإلكتروني