2019 | 16:50 أيلول 23 الإثنين
الأمين العام للأمم المتحدة يعلن تشكيل اللجنة الدستورية السورية | جنبلاط: اتوجه الى القوى الامنية بكل هدوء ومحبة لاذكرهم بان هناك طرق لاستدعاء الناس تحترم الحرمات بعيدا عن الاساليب المرعبة والمذلة | المحكمة الإدارية في تونس ترفض 3 طعون على نتائج الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية من حيث الشكل و3 طعون من حيث المضمون | الملك سلمان: السعودية قادرة على التعامل مع آثار العمل التخريبي الذي استهدف إمدادات الطاقة | "ام تي في": مصدر قضائي يوناني يؤكد أن إطلاق سراح صالح من المتوقع أن يحصل في الساعات المقبلة في حال لم تكن هناك مذكرات أخرى بحقّه | الأمم المتحدة: 66 دولة تتعهد الالتزام بهدف تحييد أثر الكربون بحلول 2050 | مركز الخيام: عامر الفاخوري ملاحق بالتعذيب والاخفاء القسري واكتساب جنسية العدو وهي جرائم مستمرة ومتمادية ويجب اسقاط الجنسية اللبنانية عنه | ملك البحرين :السعودية الركيزة الأساسية لأمن المنطقة واستقرارها وصمام أمانها في مواجهة المخاطر والتهديدات | علي حسن خليل لوكالة عالمية: وزارة المال بدأت الإجراءات التحضيرية لعملية إصدار سندات في حدود ملياري دولار | دورية للعدو الاسرائيلي خرقت الخط الأزرق في بركة بعثائيل في خراج كفرشوبا | إنتهاء إعتصام أصحاب الباصات على اوتوستراد ذوق مصبح باتجاه نهرالكلب والسير الى تحسن تدريجي | التحكم المروري: جريح نتيجة اصطدام سيارة بلوحة إعلانية على طريق عام بخعون الضنية |

إذا فُقدت "الشرعية" يُصبح اليمن حوثياً

مقالات مختارة - الخميس 22 آب 2019 - 07:11 - عبدالوهاب بدرخان

لماذا دعت إيران الآن وفداً من جماعة الحوثيين إلى زيارة معلنة، ولماذا استقبله المرشد علي خامنئي، ولماذا عيّنت سلطة الانقلابيين، بـ "قرار جمهوري" سفيراً لها لدى "الجمهورية الإسلامية"؟.. لأن طهران قرأت ما حصل في عدن كالآتي: إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي السيطرة على القصر الرئاسي ومعسكرات الجيش الحكومي ووزارات الحكومة الشرعية ومؤسساتها عنى أن هذه الحكومة لم يعد لها مقرّ ولا "عاصمة موقتة". أي أنها، في أحسن الأحوال، صارت مجرّد طرف في المسألة اليمنية، وبالتالي تحقق للإيراني وتابعه الحوثي ما سعيا إليه منذ البداية: السلطة والشرعية لمن يسيطر على الأرض، بالحيلة والقبول القسري وفرض الأمر الواقع. كل ذلك يُترجَم عملياً بتعطيل أي قرار دولي، أو بإفراغه من أي محتوى وفاعلية، طالما أنه بُني على أساس وجود الحكومة الشرعية.

ظروف المواجهة مع الولايات المتحدة، وضرورة إظهار الاستراتيجية الإيرانية متواصلة ومتعافية على رغم ضغوط العقوبات، واستغلال أي خلل لدى الأطراف الأخرى، جعلت طهران تعتبر أن الوقت حان لإخراج تدخّلها في اليمن إلى العلن. كانت حاججت طوال الأعوام الخمسة الماضية بأنها لا وجود لها على الأرض، ولدعم "براءتها" لم يكن لديها سوى مطلب واحد هو "وقف الحرب"، ليس لأنها نصيرة السلام والوئام بل لأن الحرب أجهضت أحد أثمن أهداف استراتيجيتها الإقليمية ولا مبالغة في القول أنها كانت على بعد "ساعات" من تحقيقه لو لم تُقفل موانئ اليمن ومطاراته أمام "خبرائها" و"مستشاريها" والإمكانات الضخمة التي جهّزتها لإعلان أن استيلاءها على "العاصمة الرابعة" بات ناجزاً.

مُنعت إيران من هذا الإنجاز لكنها لم تتخلّ عنه وواظبت عليه وإن تطلّب وقتاً أطول وأساليب أكثر صعوبة ووعورة. راحت تستخدم "عدم وجودها على الأرض" كحجّة لمصلحتها تدحض أي ادّعاء بأنها تتدخّل في اليمن، واستطاعت بذلك تمييع مواقف الدول الأوروبية من أسباب الحرب ودوافعها، وإقناعها بأن إيران ليست جزءاً من المشكلة بل أن الحل عندها. ولمّا كانت هذه الدول في صدد عقد صفقات مع طهران وهي تعلم أنها صفقات مع "الحرس الثوري" الذي يعيث فساداً وتخريباً في سورية والعراق ولبنان، فقد أخضعت سياساتها لمصالحها وحتى حين أبدت تقارباً مع قضية "التحالف العربي" (أيضاً من أجل مصالحها) لم تبتعد أبداً عن إيران بل واجهت دول "التحالف" بأن انقلاب الحوثيين مع أنصار الراحل على عبدالله صالح كان حركة داخلية وكان يُفترض أن تُعالج من دون تدخّل.

من الواضح أن سعي نظام معروف بعدوانيته وعلاقته المنهجية مع الإرهاب إلى نشر نفوذه اقليمياً، كما يفعل النظام الإيراني، لم يكن ولا يبدو حتى الآن أمراً مقلقاً لهذه الدول الغربية، أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة وروسيا وكذلك الصين فإن العربدة الإيرانية تتيح مساحة لكل أنواع المطامع والابتزازات. لذلك فإن الحدث العدني شكّل لطهران فرصةً مشابهة تكتيكياً، ولو مع فوارق، لتلك التي طرأت في سورية ربيع 2015 لتستدرج عروضاً خارجية. كيف؟

في سورية كانت فصائل المعارضة طردت قوات النظام من محافظة إدلب واستعدت لمتابعة الزحف جنوباً نحو دمشق، واعترف رأس النظام حينذاك باحتمال الهزيمة، كما استشعره الايرانيون وعزَوا اندفاع الفصائل إلى الدعم الأميركي - التركي، لكن أصبح معروفاً الآن أن واشنطن أرادت الضغط على طهران لتحسم المفاوضات النووية، ولئلّا يتحوّل الاتفاق النووي بعد انجازه وسيلةً لإضعاف الدور الإيراني في سورية (علماً بأن إدارة أوباما لم تكن تنوي ذلك، بل على العكس) فقد طلبت طهران ودمشق تدخّل روسيا التي كانت أنهت دراستها للموقف وأصبحت جاهزة، وبعدما تسلّحت طهران بالترحيب الدولي بالاتفاق النووي وبالإقبال الدولي عليها راحت تدفع دورها السوري شيئاً فشيئاً إلى العلن وهو ما أتاح دعوتها لاحقاً إلى أي محادثات في شأن سورية بعدما ضمنت أن الروس قاموا بالدور الإنقاذي المطلوب لنظام بشار الاسد...

يختلف الأمر طبعاً بالنسبة إلى اليمن، لكن استمرار سيطرة الحوثيين على معظم الشمال "المفيد" بقي ورقة مساومة قوية في يد إيران، إذ استطاعت توظيفه لخداع المبعوث الأممي الأول واستمالته ثم إفشال الثاني ثم استيعاب الحالي مارتن غريفيث والتظاهر بتسهيل مهمّته ومن خلاله مغازلة دور بريطاني سواء لممارسة أقصى الضغوط لوقف معركة الحديدة أو لتمرير "اتفاق ستوكهولم" الذي تبيّن سريعاً أنه خدعة خبيثة. وبعد وقف معركة الحديدة وعملية التضليل في تنفيذ اتفاق ستوكهولم أيقن الحوثيون أنهم تخلّصوا من أكبر ضغطَين عسكري وسياسي من دون أن يتكلّفوا شيئاً، ولم يشأ غريفيث أن يعترف بأنه خُدع وفشل فلا هو استطاع أن يغيّر الواقع في ميناء الحديدة ولا هو توصّل إلى حلّ معضلة المساعدات الانسانية التي ينهبها الحوثيون، بل إن هؤلاء باتوا يطالبونه بتحصيل مكاسب أخرى لهم ولما عجز عن ذلك لم تعد محادثاته مع الحوثي تمنحه أي معطيات مساعدة للإيحاء بأن مهمّته لم تفقد الزخم ولا البوصلة. هنا لعب التدخّل البريطاني، بقصد أو بغير قصد، دوراً إنقاذياً للحوثيين، كذلك للدور الإيراني الذي تمكّن في الشهور الماضية من إدخال الطائرات المسيّرة كسلاح استراتيجي يُستخدم باسم "سلاح الجو" الحوثي.

على غرار الحوثيين في الشمال والانفصاليين في الجنوب، تبدو بعثات الأمم المتحدة أيضاً عنصراً مناوئاً للحكومة الشرعية على رغم أنها ملزمة بمساعدتها وفقاً لقرارات دولية التي تعترف بها، وحجّتها في ذلك أن تأخّر القوات الحكومية في حسم الحرب لمصلحتها يفرض تلقائياً خيار العمل مع قوى الأمر الواقع. غير أنه لا يمكن أي طرف أن يغيّر الواقع بشكل حاسم من دون المرور بالحكومة الشرعية. فالحوثيون أقاموا سلطة لن يعترف بها أحد مهما ضخّت فيها إيران من الإمكانات، ولا يمكنهم بشيء من المظاهر إنشاء ما باتوا يسمونه "جمهوريتهم". والجنوبيون الماضون في إقامة سلطتهم لن يستطيعوا إضفاء شرعية عليها من دون اتفاق مع الحكومة. وحتى المبعوثون الأمميون لن يحقّقوا أي هدف إذا استسهلوا تهميش الحكومة. أما الأهم فهو أن إضعاف الحكومة الشرعية يضعف الركيزة القانونية التي استند إليها "التحالف العربي" لشن حرب لم يكن يرغب فيها أصلاً، بل أُجبر عليها.

وإذ تسعى السعودية والامارات معاً إلى تفادي الكارثة وإعادة ترتيب الوضع في عدن وتثبيتها كعاصمة موقتة لليمن، فإن الكثير مما يجب عمله هناك لا يزال ينتظر، لأن ما حدث يستوجب أيضاً وخصوصاً تصويب وضع الحكومة الشرعية نفسها سواء في ما يتعلّق بتركيبتها السياسية التي أبعدت عنها العديد من أصحاب الخبرة والكفاءة، أو في ما يتعلّق بطريقة عملها وعدم تواصلها مع مجتمعها في الداخل. وأياً تكن المآخذ اليمنية على هذه الحكومة فإن الانقلاب عليها يبقى مرفوضاً، مثلما أن استنباط شرعية بديلة ليس عملياً ولا متاحاً.

لا بد أن تكون الحكومة استوعبت جيداً الدرس العدني القاسي واستعدّت للمرحلة التالية بمقاربة وأساليب جديدة. ولا بدّ لها أن تعود إلى عدن، ليس رمزياً أو بزيارات خاطفة، بل للعمل انطلاقاً منها، فالحرب لم تنتهِ بعد ولم يحصل ما يوجب تغيير أولويتها التي تتمثّل بهزيمة الحوثيين، التي تعني أيضاً هزيمة إيران. هذا هدفٌ لا يمكن الإخفاق فيه، من أجل اليمن أولاً، كذلك من أجل محيطه الخليجي والعربي.

عبدالوهاب بدرخان - الشرق الاوسط

اشترك في النشرة الإلكترونية للحصول على اخر الاخبار. البريد الإلكتروني