2019 | 06:41 آب 18 الأحد
الداخلية الأفغانية: 63 قتيلا و182 جريحا حصيلة تفجير حفل زفاف في كابل أمس | طرابلسي لـ "الأنباء": باسيل لم يشارك في لقاء بعبدا لأنه ليس طرفا في النزاع إلا إذا أظهر التحقيق لاحقا ما يثبت العكس | سلاح الجو الليبي يقصف عدة مواقع في مصراتة بينها الكلية الجوية | الخارجية التركية تدعو الى حل الخلاف على كشمير بين الهند وباكستان بالحوار والقانون الدولي | مصدر وزاري لـ"الشرق الاوسط: حزب الله ضغط على أرسلان لسحب شروطه لعقد الجلسة لتوجيه رسالة إلى المجتمع الدولي أنه لا يضع يده على البلد | مصدر وزاري لـ"الشرق الاوسط": انتقال الرئيس عون إلى بيت الدين تلازم مع بداية انفراج يدفع في اتجاه إعادة تفعيل العمل الحكومي بدءاً من معالجة الأزمة الاقتصادية | "الميادين": القصف في بيت لاهيا في غزة استهدف أحد مراصد المقاومة شمال غرب البلدة | الأردن يدين العمل الإرهابي الذي تعرضت له وحدات نفطية في السعودية ويؤكد دعمه للمملكة | "الوكالة الوطنية": وفاة مواطن سقط في مجرى نهر الأسطوان بعد إصابته بعارض صحي | الولايات المتحدة ترحب باتفاق الأطراف السودانية على الإعلان الدستوري | "الميادين": مروحيات إسرائيلية تستهدف بصاروخين مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة | قرقاش: الهجمات الحوثية على حقل الشيبة في السعودية دليل آخر على إزدراء الميليشيا للجهود السياسية للأمم المتحدة |

هؤلاء الذين لا يشبهوننا.. إنّهم يشبهوننا كثيرًا

باقلامهم - الثلاثاء 09 تموز 2019 - 06:12 - خريستو المر

الإيمان بيسوع يفرض سعيًا دائمًا لترجمة حياة وتعليم يسوع في هذا العالم، وذلك يعني، من ضمن ما يعنيه، سعي دائم لرفض ومقاومة أيّة دعوة لانغلاق متعصّب على مجموعة بشريّة تشابه بعضها بعضا بالانتماء الإيمانيّ أو الوطني أو المناطقيّ أو القوميّ أو اللغوي أو الجنسيّ، أو أيّ انتماء آخر.
ما يحدّد المسيحيّين كمسيحيّين هو محبّتهم ليسوع وانتماؤهم له وحده (وما يفترضه ذلك من اتّباع لوصاياه واهتداءً بأفعاله) لا أيّ انتماء آخر، ويسوع هو ذاك الذي عُلّق على خشبةٍ ليخلّص العالم كلّه1. إنّ أيّة دعوة للانكفاء والانغلاق، وما تتضمّناه من استعلاء، هي دعوة غير مسيحيّة ومن يتّبعها يضلّ الطريق ولو لهج باسم يسوع ليل نهار، ورسم إشارة الصليب عشرات المرّات في اليوم.
كلّ انغلاق وثنيّة، حتّى ولو كان الانغلاق يزيّن نفسه بشعارات برّاقة مثل "المجتمع المسيحي"، "ولا عجب. لِأَنَّ ٱلشَّيْطَانَ نَفْسه يُغَيِّر شَكْلَه إِلَى شِبْه مَلَاك نُور"2. إن لم تكن محبّة الإنسان مفتوحة نحو الناس الذين لا يشبهونه فإنّ "محبّته" للناس الذين يشبهونه فقط يشوبها الكثير من عبادة الذات وبعيدة عن عبادة الآب، أب الجميع. إنّ الآخر الذي يشبهنا هو في النهاية صورة عن ذواتنا، و"محبّتنا" له دون محبّتنا لغيره، أمرٌ يشير إلى أنّ تلك "المحبّة" هي شكل من النرجسيّة الجماعيّة. وحدها المشاركة مع، والانفتاح على، الذي "لا يشبهنا" برهان على أنّ محبّتنا هي مسيحيّة، إذ تكون قد أصبحت شبيهة بمحبّة الله الذي يحبّ الجميع، حتّى الأشرار منّا هو "الذي يشرق شمسه على الأشرار والأخيار".
محبّة الذي "لا يشبهنا" لا يعني محو التمايز وإنّما يعني عدم الانغلاق عليها، يعني نشوء وحدة في التمايز على صورة الثالوث. لكن الحقيقة أنّ الذين لا يشبهوننا هم يشبهوننا كثيرًا. كلّ الناس يشتركون في كونهم على صورة الله، ينعمون بهبة الحرّية والفكر والقدرة على المحبّة. كلّ الأمّهات والآباء يحبّون أولادهم ويريدون أن يحيوا ويفرحوا ويصبحوا أفضل منهم. والناس يتشابهون في عيشهم ببيئة ما ونظم ما، ويتشابهون في تحمّل تبعاتها عليهم من ظلم أو عدل. في لبنان مثلا المظلومون من جميع الطوائف يعانون من نفس الطغمة السياسيّة الحاكمة التي تنهب في البلاد والعباد، وتحاول شرذمتهم حتّى لا يتوحّدوا ضدّها مقنعين إيّاهم أنّهم لا يشبهون بعضهم بعضا، والحقيقة أنّهم يشبهون بعضهم بشكل متطابق على صعيد الخبرة الإنسانيّة، ولا يتمايزون إلاّ في طريقة التعبير عنها، مثلما يتمايز بالتعبير عن إنسانيّته كلّ من الإخوة في البيت الواحد.
لا شكّ أنّ على الصعيد الديني كلّ طائفة تعتقد أنّها الأكثر قربا من حقيقة الله، وأنّ الطريق عبرها أكثر أمانا للبقاء على علاقة مع الله أكثر صفاء. هذا لا يشكّل مشكلة بحدّ ذاته، المشكلة تبدأ عندما تعتقد مجموعة أنّ الآخر الذي لا يشبهها في العبادة، لا يساويها في حقّ الحياة والحرّية والكرامة. كلّ عاقل يعرف تماما أنّه لو ولد في طائفة أخرى لكان الآن يدافع عن الشعائر والعقائد التي تثير استغرابه واستهجانه اليوم فقط لمجرّد أنّه ولد في طائفة أخرى!
كلّ إنسان هو على صورة الله ولهذا فإنّ الانغلاق على الإنسان الذي نظنّه "لا يشبهنا" انغلاقٌ على الله نفسه، عن "وجه" الله الذي يتراءى لا بدّ في وجهِ الآخر. من هنا ضرورة التمييز الدائم بين الإنسان وأعماله، فقد نكره أعمال إنسان (الظلم مثلا) دون أن نكره الإنسان نفسه (الظالم مثلا)، يمكن للإنسان أن يقاوم الظلم بلا هوادة وألاّ يكره الظالم كإنسان، بل يمكن اعتبار مقاومة الظلم تعبير محبّة للمظلوم أولاً وللظالم ثانيا لأنّ مقاومة الظالم تردعه عن الغرق في المزيد من الكراهية والحقد والظلم، وهزيمته تمنحه فرصة بأن يتغيّر إن أراد.
الانغلاق على مرآة الذات الجماعيّة، يبقينا في النرجسيّة التي لا تنضح سوى موتاً وحروبًا وسمومًا. هذا تحدّ كلّ جماعة مؤمنة كانت أم لا، ولكنّه تحدّ أكبر للجماعات المؤمنة مسيحيّة كانت أم لا لأنّها تدّعي قُرباً من الله؛ وهو تحدّ خاصّ للمسيحيّات والمسيحيّين في لبنان وسوريا لأنّ الاسم الذي ارتضوا أن يحملوه يعني أنّ يسيرون في طريق المسيح، وعليهم أن يكونوا على قدر مسؤوليّة التسمّي به بأن يسعوا أن يشبهوه هو، هو الذي أتى "من أجل حياة العالم"، لكي يخلّص العالم أجمع، ونظر إلى كلّ إنسان على أنّه شبيهه، فأحبّه حبّه لنفسه وأوصانا بذلك. المسيحيّون المُخْلِصُون للمسيح حقّا، لا يمكنهم أن يهربوا من رؤية وجه المسيح في كلّ وجه فيحبّوه، ولا بدّ لهم أن يرفضوا أيّ دعوة لجحيم شيطانيّ يسمّى تزويرًا "مجتمع مسيحيّ" أو حزب "مسيحيّ".
المجتمع المسيحيّ الحقّ هو ذاك الذي يكون فيه الناس في المحبّة التي تُنتِجُ مساواة وعدالة في عائلة الله الواحدة، والحزب المسيحيّ الحقّ هو حزب يلتقي فيه أبناء الله المتفرّقين من جميع الأجناس والطوائف والأفكار في وحدة تحفظ التمايز ويسعون معا لبناء دولة حقيقيّة وعادلة، تساوي بين الجميع ويتشارك في خيراتها الجميع. في هكذا حزب وهكذا مجتمع يكون المسيحيّون كالملح في الطعام كما أرد له المسيح أن يكونوا، وإذا إذا انغلق الملح غدا بلا فائدة، فَسُدَ "ولَا يَصْلُحُ بعد لشيء، إِلاّ لأن يُطْرَح خارجًا وَيُدَاسَ"، كما حذّرنا يسوع.
إنّ هؤلاء الذين لا يشبهوننا، يشبهوننا كثيرا، إنّهم وجه المسيح.

خريستو المر

اشترك في النشرة الإلكترونية للحصول على اخر الاخبار. البريد الإلكتروني