2018 | 07:22 أيلول 19 الأربعاء
تغريدات السياسيين اللبنانيين مصونة بالحصانة | الحجار: الظروف تستدعي حكومة وحدة... ماريو عون: هل يوجد حياديون في البلد؟ | أي خرق في جدار الـتأليف يحتاج الى عجيبة | الأمم المتحدة ليس لديها معلومات حول خطة السلام للشرق الأوسط | خطة باسيل | أزمة تعصف بالمحطة | عندما تقف الأمور على "شعرة"... تلزيقة! | بين العجز الرسمي ومساعي التطوير... مخايل: لتنفيذ الاتفاقيات الخاصة بالطفولة | نيكول الحجل من الـ"أل بي سي آي" إلى أين؟ | ماذا عن عودة السنيورة و"صقور" المستقبل إلى الضوء بعد غياب؟ | شرطة بريطانيا: رجل وامرأة أصيبا بإعياء في سالزبري لم يتعرضا لغاز أعصاب | متحدثة باسم الخارجية الأميركية: بومبيو تحدث مع نظيره التركي اليوم بعد اتفاق إدلب بين تركيا وروسيا |

حرائق اليونان

باقلامهم - الثلاثاء 07 آب 2018 - 06:22 - مازن ح. عبّود

في العام 2006 اكتشف فريق من علماء الاثار خمسة الواح رسائل في مقبرة قديمة في اثينا. رسائل وجهها كاتبها الى آلهة العالم السفلي، ووضعها في قبر صبية منذ ما يناهز 2400 سنة، علها تبلغ مسامع آلهة الظلمة والموت فيقومون. لا اعلم إذا ما كان اكتشاف تلك الالواح ادى الى انفاذ مضامينها او شكل دعوة للآلهة هايدس وموروس وايريبوس للخروج من تحت الارض واعادة اكتساح هذه الارض التي انتزعت منهم. فكأنّ لعنة او لعنات قد اجتاحت هذا البلد الذي امتهن صناعة الفلسفة والمحبة والجمال والاديان.
وكأن ازمة الديون اليونانية ترفض ان تنحسر قبل قدوم مصيبة جديدة. فكأنّ اللعنة تكره الخضرة والحياة. واحد وثمانون قتيلا وعشرات المفقودين وآلاف المشردين ومئات المنازل المحروقة والمدمرة. فالشتاء الجاف جعل الغابات ملعبا وجنة للحرائق التي حركتها الرياح. تراجع قدرة حكومة اليونان على مواجهة الازمات نتيجة تقلص حجمها وانخفاض عديد موظفيها وعتادهم جعل من النار عدوا لا يقهر بسهولة. رشقت الدولة الى درجة أضحت غير قادرة على ممارسة مهامها وسط محيط غير مهتم.
حرائق اليونان كشفت ضعف النظام الاوروبي وعدم فعاليته في مواجهة ازمات ونكبات طبيعية ناتجة عن الاحتباس الحراري. انّ اشتعال غابات اليونان تتخطى بمفاعيلها حدود تلك الجزر وتشكل صفارة انذار لزعماء العالم. فاليوم الحرائق تفتك باليونان وغدا ستفتك حتما بدولة أخرى وسط عجز إقليمي وعالمي. حرائق اليونان تصرخ وتدعو المنظومة الأوروبية ودول الجوار الى التحرك السريع للعمل على مواجهة الاسباب التي ادت الى اشتعالها. حرائق اليونان تضع الاصبع على جرح نظامنا الدولي وتبيّن ضعفه في التصدي لازمات من هذا النوع ناتجة عن الاحتباس الحراري. الاحتباس الحراري يعيد رسم خرائط الدول وانظمتها بأياد بشرية.
نشأت الحروب والصراعات نتيجة اكتشاف الثورة الصناعية التي ادت الى السباق على وضع اليد على الموارد. موارد استعملت لإنتاج ما لا ينفع لمستهلك اشترى ما لا يلزم. فكان الانتاج غير المدروس على حساب الطبيعة التي اعتقد البشر بأنها الحلقة الأضعف. فكان الاحتباس وليد استهلاك النفط والثورة الصناعية وصار ازمة العصر والتحدي الأبرز امام حضارتنا اليوم. فالاستهلاك غير المحدود للموارد ادى الى تلوث غير محدود وانبعاثات غازات دفيئة بدأت تفعل فعلها وهي وراء الاحترار.
والاحترار صار تغيّرا مناخيا أدى الى تقلص الاراضي الزراعية وجفاف الغابات، وتراجع كميات المياه العذبة، وهجرة من الريف، وتهميشا وفقرا وعوزا وثورات. حرائق اليونان هي انعكاس للعنات العصر. لعنات اكتشفت في العام 2006 وفعلت فعلها في بلد الالهة في العقد الأخير وصولا الى اليوم.
أترى ماذا نقول لأطفال لفحتهم نيران الحرائق واخذهم الى ديار النعاس؟ ماذا نقول للشيوخ والامهات التي شكلت أجسادهم وقودا لحرائق لم توفرهم، فالتهمت الخضرة والاجساد؟ ماذا نقول لهذا النظام الإقليمي والعالمي العاجز عن الحراك لدرء الحرائق ولهذه الدولة التي اضعفت وهمشت؟
الاحتباس ينهي الخضرة. وتراجع معدلات المتساقطات وتبدل الفصول وارتفاع الحرارة سيولد الحرائق في كل مكان. فالحرائق التي بدأت في اليونان لا تلتزم بجنسية او هوية او ارض. ومن هنا ضرورة التعاون الإقليمي والدولي لمواجهة اخطارها والعمل على معالجة أسبابها.