2018 | 06:58 أيلول 26 الأربعاء
أزمة القروض الاسكانية أشدّ تعقيداً! | جنبلاط: أخالف عون والحريري في موضوع الإستقرار والليرة | السياسة الخارجيّة... والخوف من "الزحطات" | المَوْتورون الذين أقلَقوا الجبل... اشطبوهم من المَحضر! | إعتصامات بالجملة في رياض الصلح... إرفعوا الظلم عنّا | يُصرّون على قتل اللبنانيّين... | عندما دخل لبنان في المحظور... | ماذا يجري بين عين التينة ومعراب؟ | هاكوب ترزيان: اقرار القانون المقترح بفتح اعتماد بقيمة 100 مليار ليرة بموازنة 2018 سيبقى منتقصا ان لم تؤلف الحكومة بأسرع وقت لترسيم السياسة السكنية خلال 6 اشهر | مدير عام الطيران المدني محمد شهاب الدين ينفي لليبانون فايلز انّه وافق على اي طلب رسمي قُدّم من اجل الاستحصال على رخصة تسمح بتصوير الطائرات لأنها ترتيبات امنية بالتنسيق مع جهاز امن المطار | ماكرون لليبانون فايلز: المبادرة الفرنسية لمساعدة لبنان في الخروج من مأزقه هي تسريع حل الأزمة السياسية في سوريا وأيضا المؤتمرات الثلاث التي عقدناها | وسائل إعلام عراقية: سماع دوي انفجار كبير وسط أربيل |

زواريب النور

باقلامهم - الثلاثاء 15 أيار 2018 - 06:14 - مازن ح. عبّود

قال لي قصّ لي قصة جديدة عن ارض مصر يا ابي. فأجبته استدعتني الاهرامات وسحرها كي اذهب الى هناك يا ولدي. استدعتني الاهرامات على عجل. استدعاني سحر الشرق كي اذهب وافتش في الشوارع الترابية ما بين كهوف الفقراء ومضاجعهم عن اشيائنا. فكان ان عبرت الى الاحياء المنكوبة حيث القمامة تحتل المسرح، وحيث الفقر يكمن ويصطاد ويمسك بالبشر وابنائهم.

دخلت تلك الحارات المنكوبة. فعاينت الحوانيت الفقيرة وحوائطها شبه الخالية، الا من بعض المواد الاساسية التي تلزم كي تبقيك حيا في غابة الموت. ابصرت "المعلمة" تتربع في ساحتها. تنشط في مواجهة هجمات الذباب الذي يكاد يحملها، لولا سمنتها والرمول وتطلق صرخات الزعامة للتحبب وللبيع. كانت تنظر الى الزقاق من عليائها، كأنها ابا الهول. وكان سائقنا يطوف في المسالك الترابية من حولها. نعم، كانت هي ابا الهول، واهراماتها بضاعة فاكهة كاسدة للفقراء. ومن حولها كانت الحيوانات تسرح، وبشر يمرحون. في هذا الزقاق الترابي التقيت بالنساء التي ارحامها لا تتوقف، وبالرجال، التي لا تقيم غريزتهم للغد ولمصائر الابناء حسابا.
في تلك الاحياء التي يحكمها الفقر، ابصرت الجمال في القباحة. وادركت رغبة الحياة في وسط الفناء. عاينت كيف انّ الحياة تغلب الموت هناك في كل دقيقة. فلولا الرغبة بالحياة لما بقي واحد من اولئك على قيدها وفي سفرها.
ادركت في تلك الازقة الترابية رحمة الرب ونعمه الكثيرة، التي اغدقها عليّ وعلينا جميعا يا صغيري. لانّ من يولد هناك يمسك به العوز والسحر، ويستولي عليه التراب. فتصير الازقة قدره.
كانت احياء المتعبين وزواريبهم الترابية، وسبلهم الضيقة، ومضاجعهم المنهكة، الطريق الذي اخذنا الى المغارة والحي القبطي القديم والمدينة القديمة.
كان جامع عمرو بن العاص ينتظرنا على مدخل ذلك الحي. ومصر ما بعد المعلم التاريخي والديني الابرز الجامع قد تبلدت. فما عادت ما كانت عليه، قبله.
دخلنا الى ذلك الحيّ القديم بخفر. دخلته كأني الج الى التاريخ. وصرت اسير بخفة كي لا ارخي باثقالي على تلك الارض. حاولت ان اطير ما بين الكنائس القديمة الصغيرة التي تزيّن الزقاق الملتوي والصاعد كانه من تحت الارض الى السماء. لملمت بعضا من ذاتي ومن شرقي في تلك الازقة القديمة، التي كانت الشرق الذي درسنا عنه وسمعنا عنه.
تذكرت يوسف العفيف وكليوبترا ونابوليون وكل التاريخ. وناجيت البيوت الصغيرة القديمة وشبابيكها الجميلة التي تستتر بخفر من زمن الرمال والصحاري. وتنظر الى القادمين بحثا عن طريق آمن. كانت الشبابيك تنظر الى من اتوا كي يسلكوا درب العائلة المقدسة الهاربة الى مصر القديمة، خوفا من قاتل الاطفال هيرودس. فمشيت ورفيقة تلك الرحلة في دروبهم. وسلكنا درب الشهيد جرجس كي نصل الى الكنيسة المعلقة على اسوار نابوليون. وهناك تعلقت قلوبنا ما بين الارض والسماء في معلم الاقباط التاريخي، الذي استضاف بابواتهم لعقود، والذي يحوي ذخائر قديسيهم وقديسينا.
والكنائس يجب ان تكون معلقة أصلا ما بين الأرض والسماء، تستدعي الناس من ها هنا الى فوق. التاريخ خرج في تلك الفسحة خرج من خشب ارز معابدهم، وأبلغنا قصة هذا الشعب المجاهد الذي مازال ينبض حرارة وايمانا وتعلقا بالأرض.
قرأنا في المكان قصصا. قرأنا في الايقونات القبطية المكتوبة باتقان وورع، جهادات وخيبات وآلام من يرفضون ان يستسلموا للموت والإحباط والهجرة. واجمل ما قرأنا في تلك الرسوم المقدسة، كان القيامة والرجاء.
نعم أدركت في تلك الامكنة الضائعة ما بين الاحياء الغارقة في الفقر والتراب، قيامة تشرق رجاء في زمن التخلي. كيف لا؟ أوليست القيامة حدثا يتجدد بالقديسين؟
بكيت هناك مع الاقباط، وفرحت معهم. وسحرت بأيقوناتهم المفعمة عطور وخصوصية الامكنة والناس والقديسين.
وتابعنا المسير في ذلك الزقاق، الى ان وصلنا الى مقام العائلة المقدسة. هناك سجدت ومضيت. اسندت كتفي على كتف يوسف، وشكوت للطفل في مقام الطفل ومريم ويوسف، احزاني. اودعته ذاتي واهلي. وابلغته كيف ادخلنا العالم الى المغارة. وكيف قزمناه وجعلنا منه ملكا. فحوّلنا خشبته الى مسرح. واكليله الى تاج. وتعاليمه الى فلسفة. والصخرة الى صخور. وكنيستنا الى كنائس. وكراسي تلامذته الى عروش. وحياته ومحطاته الى طقوس. بكيت عنده كثيرا. فقد قيل لي انّ السماء هناك قريبة يا ولدي. وبأنّ لها في تلك المحلات آذان تلتقط همسات التراب. فكان ان شعرت بالدفء. وقد علت من كنيسة مجاروة روائح بخور واناشيد تسابيح، ومن مصطبة أخرى تعاليم قس قبطي لتلاميذ. اما انا فسررت، وانشدت بدوري لمريم انشودة قيامة ولدها. رنمت لها: "انّ الملاك تفوّه نحو المنعم عليها، ايتها العذارء النقية افرحي...". لانّ الزمن كان مازال زمن رجاء وقيامة. ومن ثمّ مضيت الملم اشيائي في مصر القديمة، واجمع منها بخورا ورجاء في زمن التخلي. واصلي مع البابا شنودة الثالث صلاة بلا الفاظ ولا كلمات، والدمعة في عيني. فقد احسست في ذلك المكان بوجود الله.
سردت عليك يا ولدي قصتي هذه كي تعرف بأنّ ما وراء ازقة الفقر تبان انوار وبركات. ابلغته بأنّ من معجن الفقر والظلم والقمع تخرج القيامة والتعزيات.