Lebanon Web Design
اتيح لمتصفحي موقعنا من الهواتف الذكية تبويب خاص يسهل متابعة الأخبار، بينما يبقى التبويب العادي متوفراً من الالواح الالكترونية التي يزيد حجمها عن 7 انش
وفيات
مقالات مختارة
رحيل المسرحي الكبير جلال خوري
بول شاوول

رحل المؤلف والمخرج والمُنظِّر المسرحي اللبناني جلال خوري (1934 - 2017)، تاركاً وراءَه إرثاً مسرحياً، هو إلى طغيان التأثر بالبرشتيه، خاض غمار مسرح العبث لبيكيت «في انتظار غودو» (كبدايات)، ثمّ، وملتزماً الحزب الشيوعي، اختار أن يكون برشت منارته في هذه المرحلة الضاجة بالإيديولوجيات المختلفة، لينتقل، بعدها، إلى خصوصية تطلعه في مرحلة جديدة، فقدّم «فخامة الرئيس» (اعتقل أو اختطف الممثل الرئيسي فيها الياس الياس عدة أيام بتهمة المساس بمقام رئاسة الجمهورية)، و«يا ظريف أنا كيف»، لكن، بعدما انفصمت علاقته باليسار، واختياره موقعاً سياسياً مختلفاً، قدّم «رزق الله يا بيروت»، ثم تنوّعت اختياراته إلى «التجربة الآسيوية» و«هندية»، وعبر إلى تخوم أخرى في «راهبة العشق»، (1999) و«الطريق إلى قانا»، 2006. و«خذني بحلمك يا مستر فرويد» (2014)... وصولاً إلى شكسبير في مسرحية جلال خوري الأخيرة «شكسبير إن حكى» (2016).

لكن على الرغم من هذه التحولات فقد بقي جلال خوري البرشتي يمثّل أفضل مراحله.

ومَن كان يتابع تلك المرحلة منذ نهاية الخمسينات حتى نهاية الثمانينات يعرف أن هذه هي المرحلة الذهبية لحركة المسرح اللبناني والعربي، بتعدديّته، وتناقضاته، وغزارته، ونضجه.

المسرح في بيروت تميّز بوجود اتجاهات عديدة اختزلت إلى حد كبير، مجمل ما أنجز في الغرب منذ بدايات القرن الماضي حتى منتصفاته. فمسرح اللامعقول (يونسكو - بيكيت) احتمل حيّزاً مهماً عند ريمون جبارة والساخر عند شكيب خوري وعصام محفوظ، كذلك عرفت بيروت المسرح التسجيلي لبيتر فاسي وخصوصاً مع عصام محفوظ، وكذلك ملامح لستانسلافسكي ولسفراتوفسكي وطقوسيّته (عند منير أبو دبس). ويمكن ملاحظة غياب المسرح التراثي.

لكن كان لبرشت الحيّز المشارك في هذه التعددية، ومثله إلى حد كبير جلال خوري، حين اشتغل نصاً وإخراجاً وسينوغرافيا، على أعمال عدة، تماهت بنصّها وهيكلياتها الإخراجية بالكاتب الألماني؛ بل نكاد نقول إن قمّة جلال خوري، وامتداد أعماله الشعبي، تعود إلى هذه المرحلة، المتصلة بالالتزام والسياسة واليسار وتحديداً بالحزب الشيوعي اللبناني عندما كان في أوجّ حضوره.

ومن هنا نقول إنّ هذا المسرح السياسي المحدد بالالتزام استنفده جلال خوري في أعمال لقيت نجاحاً كبيراً خصوصاً «جحا في القرى الأمامية»، وقبلها مع «ويزمان وبن غوريون وشركاه» (1968)، و«الرفيق سجعان» (1674) و«كذاب»، و«أحلام سيمون ماشار» وكذلك «صعود ارتورو أوي» و«زلمك يا ريّس». وبهذه الأعمال كان لجلال خوري أن يكون من رواد المسرح السياسي، ينافسه في ذلك عصام محفوظ في أعمال عديدة أبرزها «الدكتاتور» و«الزنزلخت»...

لكن ما أخذ على جلال خوري أنّه ذهب بعيداً في علاقته المباشرة ببريشت، إلى درجة الاقتباس، والتأثير المباشر في التقنيات الملحمية، وبنودها كما جاء في «اورغانون» بريشت، أو في نصوصه وفي تفاصيل إخراجه، وإيقاعاته وطرق عمله على الممثل. كأنه لم يترك هامشاً كبيراً، لقراءة خاصة.

ونظن أنّ هذا التماهي، يعود إلى التقاء إيديولوجي ببرشت، وهذا الأخير كان شيوعياً ملتزماً، هرب من دكتاتورية هتلر ليلجأ إلى دكتاتورية ستالين. وهنا كان للالتزام اليومي دور أساسي، امتدّ إلى الصراع بين إسرائيل والشعب الفلسطيني، وما تخلّله من تهجير ومجازر واحتلال شاسع، لتكمل هذه الحلقة حرب 1967، التي أثرت كثيراً في امتداد اليسار، لكيملها سقوط الاتحاد السوفياتي وجدار برلين، والتبشير بانتصار الغرب على الشرق بقيادة أميركا.. من دون أن ننسى، وهذا هو الأهم، الحرب الطائفية التي اشتعلت في 1975 وانخرطت الأحزاب اليسارية «الحزب الشيوعي اللبناني»، و«منظمة العمل الشيوعي» في حروب حوّلت مذهبية، وتمَّ على أساسها خلق خطوط تماس بين المناطق، وتقسيم الجيش، وقوى الأمن، وارتداد أعداد كبيرة من اليسار إلى أحزاب طوائفهم.. هنا نفهم من هذه الانكسارات تحوّل جلال خوري عن إرثه اليساري، ربما إلى نقيضه. ومن هنا نفهم تغيّر أفكاره، ومفهومه للمسرح، واختياره مواضيع تختلف بمضامينها السابقة.

لكن بيروت في هذه المرحلة (أي قبل حروب 1975) حتى غزوة إسرائيل لها 1982) كانت جزءاً من الحركة المسرحية العربية: فالبريشتيه سادت تقريباً المناخات المسرحية، من الجزائر (عبد القادر علولة)، إلى المغرب (الطيب الصديقي في بعض أعماله)، وسعدالله ونوس في سوريا، وكرم مطاوع وسعد أردش وميخائيل رومان (تعددت مرجعياته) ومحمود دياب (مصر) وفي الكويت «رحلة حنظلة» (اقتباس سعدالله ونوس عن مرحلة بيتر مآسي البرشتيتة)، من إخراج فؤاد الشطي. ومن العراق عزيز خيون، وعوني كرومي قاسم محمد، وقدم توفيق الجبالي (تونس) عملاً مقتبساً عن بريشت «حديث المنفى...» واتخذ عنواناً جديداً «مذكرات (ديناصور)» واخرجها رشاد المناعي، و«بودريان» (قطر) محمد الرميحي. ولا يمكن أن ننسى تأثر المخرج الكويتي صقر الرشود ببريشت خصوصاً مع ما قدمه الكاتب عبدالعزيز السريع لا سيما في «1، 2، 3، 4» (1972) و«شياطين ليلة الجمعة»....

لكن وجود بريشت الطاغي في المسرح العربي، لا يغفل امتداد التجارب العالمية إليه، إضافة إلى المنحى التراثي، استيحاء كأقنعة للكلام على الحاضر السياسي كالعبثية والتسجيلية، و«المسرح داخل المسرح» (الكاتب الإيطالي الكبير ليفي بيراندلو)، والاقتباسات عن التراث القديم، وخصوصاً «ألف ليلة وليلة»... وصولاً إلى الاحتفالية و«الفرحة» للصديقي.

كانت تلك المرحلة القصيرة جوهرة الاختبارات في المسرح العربي. وإذا قلنا إن «حركة مسرحية تشكلت بتناقضات واختلاف توجهاته» تعتبر جزءاً من الحركة المسرحية العربية التي عرفت ازدهاراً كبيراً، أدرك بعضها العالمية.

في هذه الحركة الحية، بفورتها الفكرية والأدبية والايديولوجية والسياسية، وصراعاتها «الديموقراطية»، والمسرح جزء منها، كان لجلال خوري مكانته، كركُن من أركانها، ومجرّباً عنيداً من مجرّبيها، وملتزماً من ملتزميها، ومجدداً من مجدّديها.. ومتحوّلاً مع متحوّليها.

إنها المرحلة التي من الصعب أن تتكرر بوجوهها، وروادها، وأعمالها، وإن مسّت بعضها في ظروف معيّنة جرثومة المذهبية، والاصطفاف وراء «الميليشيات» سواء في الجانب «اليميني» أو اليساري (الوطني). كل ذلك أدى إلى خلخلة فنون كثيرة، بسبب الخراب الذي لحق بلبنان، وخطوط التماس، ودكتاتورية الميليشيات، والعنف، والانهيار الاقتصادي...

لكن، على الرغم من كل ذلك، فقد استمر المسرح اللبناني، وإن على وتائر وأوطار وأشكال ومقاربات مختلفة: هنا نتذكر جلال خوري الذي بقي مصرّاً كالعديد من المسرحيين، على متابعة نشاطه، وإن انتقل المسرح من زمنه الأيديولوجي إلى زمنه اليساري، فزمنه السهل... هذا ما فعله يعقوب الشدراوي الذي بقي ملتزماً عقيدته اليسارية، ومثله عصام محفوظ، وشكيب خوري، وانطوان ملتقى، وريمون جبارة... ونضال الأشقر، وروجيه عساف، وفؤاد نعيم، ويعقوب الشدراوي.

تغيّرت عند بعضهم الاختيارات، واستمر المسرح بشروط صعبة، ولازمة.

جلال خوري، عرف بحنكة، ودراية، واستجابة للشروط الجديدة... كيف ينتقل من موقع إلى موقع، فني وسياسي من دون أن يفقد بوصلته المسرحية، كمجرّب، كوّن رؤيا... تحوّلت إلى مسارٍ مرتبط بالتغيرات سواء عند الجمهور، أو عند الكتّاب أو المخرجين.

في فترة الازدهار كان لجلال خوري توهجّه... وفي فترة «الما بعد»... كان له أيضاً حضوره، الحاد، الناقد، الشرس، الحيّ، والمهني، والاجتماعي!

ولكن يا للأسف، فلم توفّر الفرصة لجلال خوري أن يخترق الحدود اللبنانية إلى العربية، لعدم مشاركته في مهرجاناتها الضخمة، المهمة، من مهرجان دمشق، إلى «قرطاج» إلى «التجريبي» في مصر، فالكويت، والأردن... علماً بأن أعماله تبقى تترجم إلى أكثر من لغة. على هذا الأساس بقي إلى حدٍّ كبير مجهولاً من الجمهور العربي، وغريباً عنه. فهذا المسرحي «العالمي» بانفتاحه الثقافي والفكري والمسرحي، والمعروف لدى أوساط ومنصات مشهورة في العالم، لمع في لبنان... وبقي مهمّشاً في العالم العربي لظروف وأسباب عديدة. لكن من يطّلع على المؤلفات المسرحية النقدية، يجد، وإن بصعوبة، مقاربة لدوره، وأهميته..

بول شاوول - المستقبل

ق، . .

مقالات مختارة

12-12-2017 07:03 - تسوية الحريري "2": "السعودية خط أحمر" و"فرنسا الأم الحنون" 12-12-2017 07:00 - "القوات" تحشد لمعركة بعبدا... و"التيار" يتمسّك بـ"ثلاثيّته" 12-12-2017 06:57 - هذا هو "جرم" الخزعلي... إن لم يخرق "النأي بالنفس"!؟ 12-12-2017 06:56 - إنتصار بوتين والعبادي... ومصير "الحرس" و"الحشد" 12-12-2017 06:54 - "داعش" تفرج بعد 5 سنوات عن شباب أقيمت مآتمهم... فهل من أمل للمطرانَين وكسّاب؟ 12-12-2017 06:48 - 12 عاماً على قَسَم جبران... ونبقى موحّدين 12-12-2017 06:45 - القدس تعيد للكوفية حضورها: وهج فلسطين العائد 12-12-2017 06:44 - "بحث" الحلّ السوري "ينطلق" في العام الجديد 12-12-2017 06:43 - إلى اللقاء في جنيف -9 12-12-2017 06:42 - "بابا نويل" الروسي!
11-12-2017 06:56 - "حزبُ الله"... خطّ ثانٍ أو تصرّف عفويّ؟ 11-12-2017 06:55 - أورشليمُ تـَرجُمُ بائعَها 11-12-2017 06:53 - بري: أغلقوا السفارات! 11-12-2017 06:52 - "فيديو الخزعلي" يتحدّى "فيديو الاستقالة"! 11-12-2017 06:49 - ما حقيقةُ التسجيلاتِ الصوتيّة التي نُشرت؟ 11-12-2017 06:48 - رصاصُ عين الحلوة يُرعب صيدا والجوار 11-12-2017 06:46 - غش وتلاعب في الأسعار في موسم الأعياد؟ 11-12-2017 06:36 - خمسينية احتلال القدس... حاولنا إغفالها واستفزّنا ترامب بها 11-12-2017 06:35 - جونسون في طهران! 11-12-2017 06:34 - من صنعاء... إلى جنوب لبنان 10-12-2017 06:51 - دول الخارج مطمئنة لكنها تراقب 10-12-2017 06:49 - حالة تأهب امنية رغم التطمينات الغربية 10-12-2017 06:46 - بعد القدس: حق العودة ـ التوطين ـ الوطن البديل 10-12-2017 06:41 - القدس تعزل ترامب 10-12-2017 06:40 - ترامب وسفارته "الرائعة" في القدس 10-12-2017 06:39 - ثلاثة أحداث متتالية 10-12-2017 06:20 - "لن" المخادعة 10-12-2017 06:19 - قضية فلسطين تستيقظ من سباتها 10-12-2017 06:18 - "الحالة اللبنانية" في أحدث تجلياتها 10-12-2017 06:01 - هل شملت التسوية الجديدة كل أطراف العقد الحكومي؟ 09-12-2017 07:09 - بين باسيل والقوات.. تحالف مستحيل 09-12-2017 07:07 - دول اوروبية مستعدة لاستقبال النازحين في لبنان 09-12-2017 07:05 - السعودية «فرملت تصعيدها»... وحربها اقتصادية وديبلوماسية 09-12-2017 07:03 - ترامب يزلزل الشرق الاوسط هرباً من ازمته القضائية 09-12-2017 07:03 - لبنان سيحذر في اجتماع وزراء العرب من امتداد «الغضب» الى دول العالم 09-12-2017 06:52 - «البتكوين».. ضيف ثقيل على النظام المصرفي 09-12-2017 06:52 - ترامب والقدس: تجاوز «خــصوم» الداخل فكيف سيواجه العرب؟ 09-12-2017 06:51 - التسوية المجَدّد لها تحت المراقبة 09-12-2017 06:50 - لنَنفض الغبار عن عدّة العمل 09-12-2017 06:50 - قرار ترامب يُشرّع أبواب الحرب 08-12-2017 07:04 - القدس: استعادة المعنى إلى القضية 08-12-2017 06:34 - القدسُ عاصمةٌ لإسرائيل؟ 08-12-2017 06:28 - نصائح للحريري لـ"تحصين موقعه" في المرحلة الجديدة 08-12-2017 06:27 - غموض القدس في مواقف ترامب بين الواقعيّة والشرعيّة 08-12-2017 06:25 - بعد القدس... ما الذي ينتظر سيناء؟ 08-12-2017 06:24 - شرق أوسط جديد؟ 08-12-2017 06:21 - التسرّع في إقرار قوانين النفط دونه مخاطر 08-12-2017 06:14 - مجموعة الدعم تنبّه إلى ضرورة الاستقرار... بانتظار التسويات الكبرى 08-12-2017 06:13 - ما يعرفه ترامب 08-12-2017 06:12 - ترامب وحيداً ولا يندم
الطقس