2018 | 00:31 تموز 20 الجمعة
البيت الابيض: هناك محادثات "جارية" تحضيرا للقاء بين ترامب وبوتين في واشنطن | مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية: لا أستبعد قيام بوتين بتسجيل اللقاء المنفرد مع ترامب | جريحان نتيجة تصادم بين سيارتين على طريق عام بلدة بلاط قضاء مرجعيون | وصول الرئيس المكلف سعد الحريري الى العاصمة الاسبانية مدريد في زيارة عمل تستمر يوما واحدا | "التحكم المروري": قتيل وجريحان نتيجة إنحراف مسار مركبة من مسلك الى آخر واصطدامها بمركبة اخرى على اوتوستراد زحلة مقابل الضمان | الخارجية الروسية: التعديلات اليابانية في قانون حول جزر الكوريل الجنوبية تتعارض مع الاتفاقيات بين الدولتين | صندوق النقد الدولي: انفصال بريطانيا بغير اتفاق سيكلف الاتحاد الأوروبي 1.5 في المئة من الناتج المحلي | "التحكم المروري": حركة المرور كثيفة من الكحالة باتجاه مستديرة عاليه | حكومة عمر الرزاز تحصل على ثقة مجلس النواب في الاردن | السنيورة لليبانون فايلز: الرئيس بري سيعالج موضوع تأخير تشكيل الحكومة بتبصر وحكمة انطلاقا من الحفاظ على الدستور واتفاق الطائف | التلفزيون السوري: دخول 10 حافلات إلى ريف القنيطرة لبدء نقل المسلحين إلى الشمال | جنبلاط عن امكانية تخفيض الحزب التقدمي لسقف مطالبه لليبانون فايلز: الان ليس وقت تقديم تنازلات طالما غيرنا لن يقدم تنازلات |

مشاريع سعودية كبرى بدأت بحلم وأصبحت كابوسا...

أخبار اقتصادية ومالية - الأحد 12 تشرين الثاني 2017 - 07:50 -

تطلق المملكة العربية السعودية، مع كل مشروع اقتصادي ضخم يتم الإعلان عنه، هالة إعلامية ضخمة، على كافة الأصعدة المحلية والإقليمية والعالمية، تتخللها شعارات براقة، وأحلام استثمارية ضخمة، ووعود بقفزات قياسية في معدلات نمو الاقتصاد السعودي، وتوظيف ملايين العاطلين، واستقطاب أحدث أنواع التكنولوجيا العالمية.

وتكلف تلك الهالة الإعلامية ميزانية المملكة مليارات الدولارات، التي تذهب هدرا بعد دخول تلك المشاريع في مرحلة التعثر، ثم الفشل، والتوقف، والتي يعقبها صرخات تحذيرية من قبل رجال أعمال ومستثمرين وخبراء اقتصاد سعوديين بضرورة وقف هذا النزيف المستمر لمقدرات المملكة وإهدار ملايين الدولارات على تلك المشاريع "الفاشلة".

وتعاني السعودية -وهي أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم- من تراجع حاد في إيراداتها المالية بفعل تراجع أسعار الخام منذ منتصف عام 2014، وأعلنت مطلع عام 2017 عن موازنة تتضمن عجزا تقديريا يبلغ 53 مليار دولار، وتستند الموازنة إلى سعر متوقع لبرميل النفط يبلغ 55 دولارا.

وفي 24 أكتوبر الماضي، جدد إعلان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، عن أحدث سلسلة من المشاريع الضخمة المسمى بـ "نيوم"، المخاوف بشأن قدرة السعودية على تنفيذ مشاريع من هذا النوع، في ظل العجز الكبير بالموازنة العامة للمملكة، وأيضا في وقت تسعى فيه المملكة لتنويع اقتصادها في ظل هبوط أسعار النفط.

وتهدف السعودية من خلال هذا المشروع الممول جزئيا من صندوق الثروة السيادي للمملكة، إلى بناء مدينة ضخمة تعمل بالكامل من خلال الطاقة المتجددة، وتكنولوجيا القيادة الآلية، وطائرات للركاب بدون طيار، وتقدم إنترنت لاسلكي عالي السرعة بشكل مجاني، وتمتد عبر ثلاثة دول هي السعودية ومصر والأردن، وذلك بتكلفة تقدر قيمتها بنصف تريليون دولار.

وقال ولي العهد السعودي: أمام المستثمرين الذين تجمعوا في مؤتمر الإعلان عن المشروع بالرياض: "نحن نحاول العمل مع الحالمين فقط،" مضيفاً أن "هذا المكان ليس للأشخاص أو الشركات التقليدية".

وأفادت مجموعة "يوراسيا غروب" للاستشارات بأن "المبادرة طموحة أكثر مما يجب وتنطوي على مخاطر هائلة لجهة التنفيذ ولن تساعد على التعامل بشكل فاعل مع تحديات التوظيف".

وأضافت أن "عرض السعودية المستمر مبادرات وخططا استثمارية جديدة، يعطي انطباعا بوجود ديناميكية. ولكن الحكومة ليست لديها القدرة على تنفيذ عدة برامج طموحة في الوقت نفسه".

وحذر خبراء اقتصاد من الآثار السلبية لتلك المشاريع الغير مسبوقة، مؤكدين أنها تمثل أعباء تمويلية كبيرة في وقت تواجه الحكومة عجزا كبيرا في ميزانيتها فيما توقف تقريبا النمو في اقتصاد المملكة غير النفطي.

وما يثير مخاوف المستثمرين، إعلان مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية السعودي، الذي يرأسه محمد بن سلمان، في نوفمبر الماضي، إيقاف التعاقد على مشاريع تصل إلى تريليون ريال (266.6 مليار دولار).

وبرر المجلس حينها، تلك الخطوة، وفقا لوكالة الأنباء السعودية، قائلا إنه "تم إيقاف التعاقد على تنفيذ المشاريع التي لا يتناسب حجم الإنفاق عليها مع العائد الاقتصادي والتنموي المرجو منها، ولا تسهم بفعالية في دعم النمو الاقتصادي أو تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين".

وكشف تقرير صادر عن وكالة "بلومبيرغ" المتخصصة بالشؤون الاقتصادية، أن التغيير الذي يقوم به محمد بن سلمان، لن يتماشى مع القدرات الاقتصادية، والبيئة الاجتماعية في المملكة.

وقال التقرير: "إن رغبات ولي العهد، وطموحاته في شتى المجالات، لإحداث تغيير في السعودية، لا يمكن أن تنجح، إذ لم يقم ولي العهد أي توازن بين المفاهيم الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في السعودية، والخطط الطموحة، التي يسعى لتنفيذها، وأبرزها رؤية 2030، لتنويع الاقتصاد".

وأطلقت السعودية في عام 2005 أربع مدن اقتصادية، بتكلفة قدرت بنحو 455 مليار ريال، وفقا لصحيفة عكاظ السعودية، كان أبرزھا مدينة الملك عبدالله الاقتصادية بمكة المكرمة، ومدينة الأمير عبدالعزيز بن مساعد الاقتصادية بحائل، ومدينة المعرفة بالمدينة المنورة، إضافة إلى مدينة جازان الاقتصادية.

وبلغت تكلفة إنشاء مدينة الملك عبدالله الاقتصادية نحو 375 مليار ريال، وتعتبر المدينة أكبر من العاصمة الأمريكية، واشنطن، وتتولى إدارتھا شركة إعمار المدرجة بسوق الأسھم السعودية.

وكانت تھدف مدينة الملك عبدالله الاقتصادية إلى وضع المملكة من بين أكثر 10 دول جذبا للاستثمار والتنافسية، إلا أنه رغم مرور نحو 12 سنة، فإنه تم تنفيذ نسبة 15 في المئة فقط من المدينة، ويعاني القطاع الخاص، المسؤول عن تطوير المدينة، أزمة مالية خانقة بسبب تراجع أسعار النفط.

وقالت مصادر حكومية لرويترز إن السعودية وجھت الوزارات والھيئات بمراجعة مشاريع غير منتھية تكلفتھا مليارات الدولارات في البنية التحتية والتنمية الاقتصادية بھدف تجميدھا أو إعادة ھيكلتھا

وأوضحت المصادر أن مكتب ترشيد الإنفاق الرأسمالي الذي أقيم العام الماضي لتعزيز كفاءة الحكومة يضع قائمة بالمشاريع التي لم تصل نسبة إنجازھا إلى 25 في المئة.

وعلى الرغم من مرور عامين على على الموعد الذي كان من المفترض أن يكتمل فيه بناء مشروع مركز الملك عبدالله المالي، الذي تم الإعلان عنه في عام 2006، لا يزال السعوديون ينتظرون، استنادا لوعود حكومية متكررة، موعد تدشين المرحلة الأولى للمشروع التي تقدر تكلفته بـ عشرة مليارات دولار، وكان مخططا له أن يكون أبرز المعالم المالية للسعودية.

وبمرور الوقت تبأطأ العمل في المشروع العملاق مع تأخر عمليات الإنشاء وارتفاع التكلفة والشكوك في قدرة المشروع على جذب العدد الكافي من المستأجرين.

وفي أبريل نيسان 2016 تعهدت الحكومة السعودية بإنقاذ المشروع ضمن خطة الإصلاح الاقتصادي "رؤية 2030" التي تستهدف تنويع الاقتصاد وتقليص اعتماده على النفط. 

وقالت وثيقة الرؤية، وفقا لرويترز، إن خطط بناء المركز وتسليمه على مرحلة واحدة سببت ارتفاعا كبيرا في التكلفة الفعلية للإنشاء والتأخر في اكتمال التنفيذ، كما سينتج عن ذلك معروض مكتبي يفوق الحاجة الفعلية للرياض للسنوات العشر المقبلة.

وكان مخططا أن يكون مركز الملك عبدالله المالي صورة مصغرة من دبي، فيصبح قبلة لشركات الخدمات المالية الأجنبية وللمستثمرين الأجانب بالإضافة إلى البنوك والشركات المحلية التي تنجز أعمالها من مكاتبها المنتشرة في مختلف أنحاء الرياض.

وقال المستشار القانوني العام السابق لهيئة السوق المالية السعودية، إبراهيم بن محمد الناصري، في مقال نشرته صحيفة مال الاقتصادية، إن ظهور فكرة مركز الملك عبدالله المالي في الرياض، تزامن مع إنشاء هيئة السوق المالية في عام 2004م.

وأضاف: "فكرته تتلخص في إنشاء مدينة مالية على أرض مصلحة معاشات التقاعد الواقعة في شمال العاصمة تضم مقار مؤسسة النقد وهيئة السوق المالية والمجلس النقدي الخليجي، والبنوك وشركات الوساطة ونحو ذلك، ثم تضخمت الفكرة وخرجت عن السيطرة وازداد حجمها بدرجة كبيرة لأسباب يصعب فهمها، وتم التعاقد على إنشائها بأسعار عالية في ذروة طفرة الفوائض النفطية، وما إن انخفضت أسعار النفط وتحول الفائض إلى عجز حتى جف التمويل عن المدينة وتوقفت الأعمال الإنشائية في ثلثي الطريق تقريبا".

وأردف الناصري: "مهما كانت الأسباب والذرائع فإن إيقاف عمليات الإنشاء في المركز المالي هو أسوأ الخيارات لأربعة أسباب، أولها أن وجود هذه المباني العملاقة متجمدة بين السماء والأرض يمثل مؤشرا ظاهرا للعيان يدل على وجود خطأ ما في التعامل مع القضايا الكبيرة وإدارة المشاريع العملاقة". 

وتابع: "والسبب الثاني أن المباني تتآكل وتُستهلك مع مرور الزمن ولاسيما عندما تكون مكشوفة لعوامل التعرية وغير مكتملة. والسبب الثالث أن تكلفة رأس المال المتجمد في تلك المباني لا يقل عن 4 في المئة سنويا، أي حوالي مليار ونصف ريال سنوياً، والسبب الرابع أن فاقد الربح من التأخير في إكمال المشروع وتأجيره يصل أيضاً إلى حوالي4 في المئة من إجمالي التكلفة، أي حوالي مليار ونصف ريال سنويا".

وفي نوفمبر 2006، تم أيضا الإعلان عن تدشين مدينة جازان الاقتصادية، بأمر من الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز، لكن الملك سلمان بن عبد العزيز أصدر في سبتمبر الماضي أمرا ملكيا في السعودية يقضي بتعديل اسم "مدينة جازان الاقتصادية" إلى "مدينة جازان للصناعات الأساسية والتحويلية".

وكانت شركة "أرامكو" قد أعلنت في مايو الماضي أنه تم إنجاز نحو 53 في المئة من أعمال مشروع مدينة جازان الاقتصادية ومرافقه الصناعية والخدماتية.

وقال الكاتب الاقتصادي السعودي، عبد الله صادق دحلان، إن بعض المدن الاقتصادية خرجت من أھدافھا الأساسية وھي دعم الاقتصاد السعودي ودعم الشركات والمؤسسات السعودية ودعم العمالة السعودية وتحولت إلى مضاربات عقارية، والبعض الآخر فقد أعلن عن فشلھا وتكليف الھيئة الملكية لإدارتھا مثل المدينة الاقتصادية بجازان.

وقال دحلان في مقال له بصحيفة عكاظ السعودية، إن بعض الشركات المستثمرة في هذه المدن انسحبت بذكاء، ببيع حصصھا التأسيسية، محققة أرباحا سريعة ترفع من ربحية شركاتھم في نھاية العام، مضيفا: "ھذه التجارب غير الموفقة كلفت الدولة البلايين من الريالات تدفعني لمطالبة ھيئة مكافحة الفساد لفتح الملفات القديمة في المدن الاقتصادية وفحصھا والتدقيق في سلامة استحواذ الأراضي وتقييمھا وتدقيق المشاريع التطويرية وذلك لعلنا نعيد إلى الدولة بعضا من العوائد العينية أو النقدية أسوة بملايين الأمتار التي أعيدت لأملاك الدولة بعد أن استولى عليھا البعض".

وتابع: "كما أنني أطالب بضرورة تقييم الخطط والقرارات السابقة وقياس أثرھا على فشل ھذه المدن والبحث عن الأسباب. وإذا كان ھناك تضليل بالمعلومة أو الأرقام أو الإحصائيات أو الدراسات دفعت إلى اتخاذ القرار لإنشائھا آنذاك فإن ھذا يدرج أيضا تحت مسمى فساد التخطيط وتضليل صاحب القرار ومن ثم إھدار للمال العام".

أما مدينة المعرفة الاقتصادية فقد بلغت تكلفتھا 25 مليارات ريال (سبعة مليارات دولار)، وتقع داخل نطاق منطقة الحرم على بعد خمسة كيلومترات من الحرم النبوي، ومن المخطط لھذه المدينة أن تهتم بـ "الصناعات المعرفية" مثل التكنولوجيا الحيوية و التعليم العالي توفر ما يزيد على 20 ألف فرصة عمل، ومساكن لما يقرب من 150 ألف شخص، وسط شكوك أيضا من كتاب سعوديين حول تحقيق هذا الهدف، مؤكدين أن موقع المدينة الاستراتيجي بالقرب من المدينة المنورة وحده لن يكتب لها النجاح.

ومدينة الأمير عبدالعزيز بن مساعد، هي أحد المدن الاقتصادية السعودية المتعثرة أيضا، وتقع في منطقة حائل، بين مناطق الجوف والحدود الشمالية والمدينة المنورة، والقصيم، وتبوك، ويراوح ارتفاع المنطقة ما بين600 إلى 1500 متر فوق مستوى سطح البحر.

افتتح المدينة الملك عبدالله بن عبدالعزيز في عام 2006،على أن تفتتح المرحلة الأولى من المدينة عام 2025، والمرحلة الثانية عام 2040، وتبلغ مساحتھا156 مليون مترمربع، وتصل تكلفتھا بمختلف تجھيزاتھا 30 مليار ريال (ثمانية مليارات دولار) على مدى 10 سنوات.

وأكد المدير العام لشؤون ھيئة المدن الاقتصادية، في وقت سابق، وفقا لصحيفة الاقتصادية السعودية، أن الهيئة تدرس اقتراح بإعادة تشكيل المدينة بالكلية وتقليص مساحتھا مبدئيا بنسبة 85 في المئة أي من 156 مليون متر مربع إلى 18 مليون متر مربع، معللا ذلك بأن المساحة السابقة والمشاريع المتعددة التي تم الإعلان عنھا مسبقا لم تكن واقعية أبدا.

وقال الكاتب السعودي، منصور شافي الشلاقي، إن "قيام المدينة كان حلما يراود أهالي حائل توقعوا أنه تحول إلى حقيقة على أرض الواقع بعد زيارة الملك للمنطقة وصدور أمره السامي بإنشاء المدينة الاقتصادية, لكن سرعان ما تحول الحلم إلى أشبه ما يكون بالسراب بعد أن تأخر إنشاء المشروع لسنواتٍ طويلة حتى أصبح هذا المشروع الاقتصادي الحيوي ضمن المشاريع المتعثرة".

وقدرت هيئة الرقابة الإدارية، في ديسمبر 2014،عدد المشاريع التي تم اعتمادها ولم تنفذ في موعدها حتى الآن، بما يتجاوز ثلاثة آلاف مشروع، أهمها مشاريع الإسكان التي تم رصد لها قرابة 250 مليار ريال (66.6 مليار دولار) قبل ثلاث سنوات، ولم ترَ النور حتى الآن، وكذا مشاريع بناء أكثر من 12 ناديا رياضيا ومشاريع الصرف الصحي وتطوير الطرق المتعثر في مدينة جدة ومكة المكرمة والرياض، ومشاريع المدن الصناعية التي يبدو العمل فيها بطيئا للغاية.

وفي مارس/آذار 2017 أشارت هيئة المقاولين السعودية إلى أن 60% تقريبا من المشاريع الحكومية متعثرة، وهو ما ضرب قطاع المقاولات الذي يمثل ما نسبته 20% من الناتج المحلي، ويعد الأكبر في أعداد القطاعات والأكثر تشغيلا للعمالة الوافدة بالمملكة.

"العربي 21"