Lebanon Web Design
اتيح لمتصفحي موقعنا من الهواتف الذكية تبويب خاص يسهل متابعة الأخبار، بينما يبقى التبويب العادي متوفراً من الالواح الالكترونية التي يزيد حجمها عن 7 انش
وفيات
مقالات مختارة
11 ثانية في عالم "ما بعد الحقيقة"
عادل درويش

اختفى حساب الرئيس دونالد ترمب على «تويتر» إحدى عشرة ثانية، ربما اعتبرها نزعاً لسلاحه أثناء سفره وحيداً في بادية مملوءة بقطاع الطرق؛ فـ«تويتر» الذي كان أداة مهمة لنجاحه في حملة ديمقراطية انتهت بفوزه بالرئاسة في إحدى أهم مفاجآت القرن الحادي والعشرين؛ تحول بعد دخوله البيت الأبيض إلى سلاح الدفاع، الوحيد تقريباً، في يده ضد ما يبدو حملة تشنها أغلب المؤسسات الصحافية والتلفزيونية الليبرالية عالمياً.
عامل، في آخر يوم عمل له، في مؤسسة «تويتر» تعمد تعليق حساب الرئيس ترمب ولا يزال التحقيق جارياً عما إذا كان الرجل يصفي خصومة مالية أو إدارية مع المؤسسة أم يعارض الرئيس ترمب سياسياً، أم ضرب عصفورين بحجر.
تزامنت الواقعة مع اعتماد قاموس أكسفورد (وستتبعه المعاجم الأخرى كويبستر، وماكميلان، وإنسيكلوبيديا بريتانيكا) لـفيكنيوز Fakenews ككلمة واحدة بمزج «أخبار»، و«مزيفة»، لتدخل اللغة بمعنى جديد لم نعرفه قبل 2016.
التطور الجديد يحلق في سماء لغة شكسبير بجناحين من الطرافة.
مؤسسات صناعة الرأي العام الليبرالية استخدمت «أخباراً مزيفة» العام الماضي كتهمة لتقويض دعائم أي تقارير أو معلومات إخبارية وظفتها حملة ترمب الانتخابية لدعم طروحاته السياسية؛ وأيضاً للتقليل من شأن معلومات وجدليات تيار دعوة الاستقلال عن الاتحاد الأوروبي في بريطانيا. الطريف أن الرئيس ترمب استخدم التعبير لقلب الطاولة على المؤسسات الصحافية نفسها (التي لم تكف يوماً عن مهاجمته والسخرية منه) وفي اتهاماته لها وسع ترمب التعريف من مجرد الأخبار غير الحقيقية «ليشمل الانتقائية في صياغة الأخبار بترك جزء من المعلومات (كنموذج لا تقربوا الصلاة... مثلاً) أو استخدام كلمات غير دقيقة بدلاً من كلمات محددة المعاني.
الجناح الطريف الآخر أن اللجنة اللغوية لتحديد المعاني الجديدة في قاموس أكسفورد كانت اختارت «كلمة عام 2016 بإضفاء معنى جديد من كلمتي post – truth» أو «ما بعد الحقيقة» بربطهما بشرطة وصل. الكلمتان، وهما اسمان، أفتت اللجنة بأن استخدامهما كلمة واحدة يصبح «صفة لا اسماً». فمثلاً القول إن الخبر قديم، تعني «القدم» صفة للخبر، والنموذج الجديد «خبر ما بعد الحقيقة» post - truth news أي النبأ هنا يصبح اسماً موصوفاً حسب قاموس أكسفورد الذي يعرف الصفة الجديدة «بكل ما يتعلق بظروف تتراجع فيها القيمة الموضوعية للحقائق في أثرها على تشكيل الرأي العام المتأثر بقبول ما تفضله العواطف والقناعات الفردية، على قبول الحقائق العلمية».
وكان الكاتب والناقد الإنجليزي جورج أورويل (الاسم القلمي لإريك آرثر بلير 1903 - 1950) استخدم «ما بعد الحقيقة» تعبيراً، لا صفة، ليعرف مرحلة متشائمة سوداء توقع أن تصل إليها المجتمعات في رواية «1984» بقوله: «مرحلة ما بعد الحقيقية هي الفقدان الكامل للحرية».
فبطل الرواية، وينستون سميث، وظيفته في الدولة الشمولية إحراق أي ملفات تتضمن أي معلومة في أرشيف الوقائع الرسمية للدولة إذا كانت تناقض الصورة التي رسمتها الحكومة الشمولية للحاضر، ويعيد صياغة المعلومة المدونة في التاريخ الرسمي للوقائع بملفات بأرقام وأخبار وأبعاد تثبت صورة الحاضر في عقل المواطن ليبدو الوضع الراهن وكأنه الدائم المستمر. وإذا غيرت الحكومة مواقفها وتحول الحليف إلى عدو والبطل القومي إلى خائن، يعاود مكتب وينستون سميث تزييف أرشيف الوقائع الرسمية حسب الموقف الجديد للحكومة، وبمرور الوقت، يتغير تاريخ الأمة للأبد بشكل طمس التاريخ الحقيقي ليفقد أي مؤرخ، مهما رقيت وسائل بحثه، القدرة على اكتشاف كيف وصل المجتمع إلى هذه المرحلة.
ولذا تحرص أنظمة الانقلابات العسكرية الشمولية مثلاً على تغيير أسماء الشوارع والميادين والمدارس والمعاهد بهدف نقل الأمة التي يحكمها النظام الشمولي إلى مرحلة ما بعد الحقيقة. والمقصود بـ«ما بعد الحقيقة هو الفقدان الكامل للحرية (في قول أورويل، فقدان الفرد القدرة على التفكير بحرية). فأي حرية أخرى يمكن استعادتها بوسائل النضال المشروعة، أما فقدان الفرد القدرة على التفكير بحرية، فيجعله أسيراً دائماً لتوجيه أي قوى خارجية تسيطر على ذهنه المسلوب الإرادة». وهنا تبلغ الأخبار المزيفة، بتعريف الـ«سي إن إن» أو بتعريف ترمب، أوج تأثيرها في الرأي العام.
كان أورويل أكمل روايته في 1948 (ولهذا عكسها ليكون العنوان 1984)، واستغرق إعدادها أربع سنوات وبدت إرهاصاتها في روايته الأسبق «مزرعة الحيوانات» عن النظام الستاليني الشمولي وتغير الحقائق؛ أربعون عاماً قبل الإنترنت وستة عقود قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.
الوسائل تحولت إلى ساحة حرب بين الآيديولوجيات والتيارات والأمم بأخبار بعضها حقيقي وآخر مزيف، لتصبح وسائل التواصل الاجتماعي أرشيف وقائع وينستون سميث المعاصر. والرئيس ترمب ليس الوحيد الذي يحارب بالتغريدة في ميدان التواصل الاجتماعي، لكنه، يفتقر للدروع التي تحمي الساسة الآخرين أثناء إطلاقهم القذائف الآيديولوجية في الساحة نفسها؛ فهم يتمتعون بدعم دروع الشرعية (في ثقافة المجتمع) التي توفرها المؤسسات الصحافية كـ«بي بي سي»، و«سي إن إن» وبدورها تروج لصحف يسارية ليبرالية اعتمدت على مواقف في الماضي لتكتسب «ثقة» ظاهرية عاطفية في المجتمع كـ«الفايننشيال تايمز» و«الغارديان» و«نيويورك تايمز»، وبدورها تغذي شبكات التلفزيون في دائرة احتكار الأخبار المستمرة.
الإحدى عشرة ثانية التي نزعت أهم الأسلحة في يد الرئيس الأميركي ستلعب دورها في تغيير المفاهيم عن الحرية، والديمقراطية والحقائق وما بعد الحقيقة؛ حيث ظهر في وسائل التواصل الاجتماعي ما يثير القلق بانحدارنا نحو مجتمع أورويل الشمولي.
متهمو ترمب بمعاداة الديمقراطية الليبرالية الأميركية أظهرت تعليقاتهم ازدواجية معايير وشذوذاً فكرياً. الليبراليون الذين لم يكفوا عن انتقاد ترمب منذ انتخابه، أغدقوا المديح على موظف «تويتر» الذي جمد حساب الرئيس ترمب، ووصفوه بالوطنية (رغم أن الموظف خرق عدة قوانين مدنية وجنائية ولوائح المؤسسة التي وقع باتباعها عند قبوله الوظيفة، وانتهك شرف المهنة).
عضو كونغرس مناهض للرئيس ترمب اقترح ترشيح الموظف لجائزة نوبل للسلام، رغم أن المتهم غالباً ما سيواجه محاكمة جنائية قد تضعه في السجن.
لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي كسرت احتكار المؤسسات الصحافية لتحديد أجندة الجدل الاجتماعي والسياسي في الرأي العام، لتتيح للمواطن الحصول على المعلومات وتبادلها، لكنها تستغل أيضاً من المعادين لحرية التفكير بحشدهم القوى الغوغائية لإغلاق منابر الجدل الحر المنطقي في الجامعات أمام من يخالفهم الرأي في قضايا عاطفية كالإجهاض أو التسخين الحراري؛ فتتحول معامل تدريب الدارسين على البحث والجدل المنطقي، إلى مجرد مكتبة «ما بعد الحقيقة» تقتصر رفوفها على مجلدات أرشيف وينستون سميث.

عادل درويش - الشرق الاوسط

ق، . .

مقالات مختارة

19-11-2017 07:29 - إرهاب الدولة وإرهاب أعدائها 19-11-2017 07:05 - وجهاً لوجه مع القرارات المصيريّة 19-11-2017 06:53 - لاجىء سياسي في باريس؟ 18-11-2017 11:08 - الأبواب المشرّعة في المدينة المتوحّشة 18-11-2017 07:31 - المشنوق يتحرّك لترتيب وضع الحكومة ووضع الحريري الامني 18-11-2017 07:30 - ما سرّ المواقف المتناقضة لأعضاء «كتلة المستقبل» وقيادات «التيار»؟ 18-11-2017 07:30 - السيسي الى طهران إذا... 18-11-2017 07:29 - ورقة اعتكاف الحريري خارج لبنان... آتية 18-11-2017 07:29 - بانتظار رئيس الحكومة !! 18-11-2017 07:27 - السعودية تريد من الحريري «وثيقة استسلام» حزب الله
18-11-2017 07:09 - ظروف جيوسياسية مؤاتية لدعم الإقتصاد اللبناني 18-11-2017 07:08 - الحريري في الإليزيه... بين أسرار باريس والرياض 18-11-2017 07:07 - غبارُ الإقامة الجبريّة انكشح وبدأت الأزمة 18-11-2017 07:07 - الرياض: إنتهت المساكنة.. وبدأت المواجهة 17-11-2017 10:28 - لبنان ونقابة المحامين والعدالة والحق 17-11-2017 06:44 - الحريري عائد... إلى المأزق! 17-11-2017 06:41 - تداعيات الأزمة على السياحة: إلغاء حجوزات بالجملة 17-11-2017 06:38 - "حزب الله" في مرحلة ما بعد 4 ت2: مقاربتان تقنيّة وسياسيّة 17-11-2017 06:36 - بناء الإقتصاد السليم يبدأ بدعم الزراعة 17-11-2017 06:34 - أولويات... وسيناريوهات 17-11-2017 06:33 - نحنُ خطَفْنا الحريري 17-11-2017 06:25 - النأي بالنفس عن اليمن أساس التسوية 17-11-2017 06:22 - الفساد والصراع على السلطة؟ 17-11-2017 06:20 - المرحلة الثالثة من الحركة التصحيحية 17-11-2017 06:19 - نتانياهو يواجه تهم رشوة بدل قتل 16-11-2017 06:57 - "حزب الله": لسنا طرفاً في التسوية 16-11-2017 06:50 - «أبو طاقية» في قبضة الجيش: هل «يُسوَّى» ملفه؟ 16-11-2017 06:46 - الاستقلال الثاني 16-11-2017 06:42 - الاستدارة الواقعية للسياسة الخارجية الفرنسية 16-11-2017 06:35 - هل تتحوَّل الشكوى السعودية مواجهة لبنانية - عربيّة شاملة؟ 16-11-2017 06:35 - السعودية تخسر: عون وماكرون يحرّران الحريري 16-11-2017 06:34 - حربان قد تستدرجان حرباً كبرى؟ 16-11-2017 06:31 - أعيدوا لنا زمن الانتداب 16-11-2017 06:29 - سقطت "مغارة أبو طاقية"... وبدأ التنقيب في منجم أسراره 16-11-2017 06:28 - لبنان يواجه عاصفة سياسية 16-11-2017 06:26 - "سعد"... قلب بيروت 16-11-2017 06:20 - الحريري عائدٌ بـ"السقف العالي" لمجلس وزراء الخارجية العرب 15-11-2017 06:58 - البحث عن أسواق جديدة: الترقيع يتركنا رهائن 15-11-2017 06:56 - كان سعود الفيصل أشطر 15-11-2017 06:55 - عرسال «الجديدة» حزينة على الحريري... ولكن! 15-11-2017 06:48 - «القصة كبيرة»... في طريق الجديدة! 15-11-2017 06:48 - التدويل وحسابات الرياض مع المستقبل والعهد 15-11-2017 06:33 - على هذا الأساس سيعود الحريري 15-11-2017 06:31 - عودة الحريري: إحتمالاتٌ وأزمات! 15-11-2017 06:28 - المصارف اللبنانية في أربيل مستمرة برقابة ذاتية 15-11-2017 06:25 - "24 ساعة من التاريخ" 15-11-2017 06:23 - إجراءاتٌ للجيش على حدود شبعا... فهل مِن خرقٍ محتمل؟ 15-11-2017 06:18 - إيران باقية في سوريا في ظل الحل الروسي 15-11-2017 06:17 - الحديث عن زلازل قادمة غير صحيح 15-11-2017 06:12 - عن لافروف والصدقية
الطقس