Lebanon Web Design
اتيح لمتصفحي موقعنا من الهواتف الذكية تبويب خاص يسهل متابعة الأخبار، بينما يبقى التبويب العادي متوفراً من الالواح الالكترونية التي يزيد حجمها عن 7 انش
وفيات
مقالات مختارة
سوريا الممزّقة بين نموذجين
مصطفى علوش

«في شهر آذار 2011 ولدنا من جديد

الطفل فينا يقول دعونا فقط نحيا

سنصرخ حتى تنتزع حناجرنا

حتى تعود سوريا إلى ضمير العالم»

(أمل قصير، قصيدة مترجمة من الإنكليزية)

منذ بضعة أيام تعرفت إلى ولد في الثامنة من عمره إسمه بشار. كان الولد من ضمن عشرات من أقرانه يعيشون في مُجمع في مكان ما من طرابلس، مخصص لصغار الأيتام السوريين الذين أصبحوا لأسباب شتى موجودين في لبنان على الأرجح، دون أن يكون لهم خيار، ولم يتسببوا هم به أصلاً، ولا عندهم أسباب سياسية دفعتهم إلى اللجوء إلى لبنان.

كل واحد منهم لم يبلغ العاشرة من عمره، وبعضهم لم يعد يذكر بالأساس من أي مدينة أتى، وإن ذكر المدينة فهو يجهل الحي الذي وُلد فيه، وأكثرهم لا يعلم إن بقي له بيت هناك أو حتى أقارب.

كل ما يعرفونه هو أنهم سوريون وجدوا أنفسهم فجأة في مجمعات ذات طابع خيري تحت رعاية الغرباء، تحولوا فيها من أبناء فلان وفلانة إلى مجرد أيتام.

بالعودة إلى الطفل بشار، فقد فهمت من رعاة المجمع بأنه خسر أمه وأباه في دمشق في مجزرة حصلت في إحدى ضواحي المدينة، وكان عمره يومها حوالي ثلاث سنوات. فوجئت بمدى وعي وتهذيب بشار، فقد شرح لي بأن إسمه يعني حامل البشارة أو وجه السعد والأمل، وأنه لا يحمل أية عقدة من إسمه، ولا يبالي إن عيّره بعض الرفاق بهذا الإسم!

ولكنه قال لي بأنه يشعر اليوم بالذات بأن العدالة الإلهية بدأت تأخذ له حقه عندما أكد له بعض المشرفين على المجمع بأن قاتل والديه قُتل بعد أن انفجر لغم وضعته العناية الإلهية في طريقه!

بشار، حسبما فهمت، شديد الذكاء ومميز بشكل واضح في الدراسة، يريد أن يصبح مهندساً ليعود ويبني بيتاً في سوريا عندما يصبح قادراً على ذلك.

بشار نموذج صغير من مئات الآلاف من الأولاد السوريين، الذين وجدوا أنفسهم في بلاد الغرباء يعيشون في بيوت الغرباء، ويرعاهم بعض الغرباء، قليلون منهم يحلمون بالسفر إلى بلد تشعشع فيه الأضواء، وتعلو فيه الأنغام، وتحلو فيه الحياة. لكن المفاجأة هي أن أكثرية من قابلتهم مقتنعون بأنهم سيعودون يوماً ما إلى سوريا، إلى دمشق وحلب وحمص وحماة... إلى أحياء زالت عن الوجود، ومدارس تحولت إلى معسكرات اعتقال، وبيوت اختلط فيها ركامها مع الدماء والأشلاء والكتب... لمجرد أن فيها ذكرى والد أو والدة أو أخت أو أخ...

نموذج سوري آخر هو عصام جدعان زهر الدين، شخصية غير فريدة، فهو يشبه الكثيرين ممن لمعت أسماؤهم في التاريخ القديم والحديث: «ملاديتش»، «ديمانيوك»، «إيخمان»، «توركيمادا» وآخرون لا حصر لهم، يعبرون عن تفاهة الشرير في حياته وموته. فهو مجرد أداة ليس إلا، حتى وإن كان مقتنعاً حتى العظام بأن الشر الذي يرتكبه في سبيل الخير، وقد يكون له أتباع ومريدون، وحتى من يعتبرونه نبياً في بعض الأحيان.

لذلك لم تستفزني أبداً عبارات التمجيد والتقدير التي تكلل بها في مقتله، فبالنسبة لمن يندبه فإن تعليق جثث البشر المقطعة، وسحل البشر وراء العربات المصفحة ودوسهم تحت الجنازير، أو الرقص بين الرؤوس المقطوعة، ما هو إلا وسيلة لإرهاب العدو! مثلهم مثل جزّاري «داعش» في استعراضاتهم الدموية وسكاكينهم التي تحزّ على الرقاب، أملاً في أن يدب الرعب في قلوب الأعداء، فيجنحون إلى الإستسلام.

وأكثر من ذلك، فإنني لم أستغرب بالمرة أن يخرج نائب من جلسة البرلمان لينعيه، وآخر ليندبه أو يبكيه، ولم تزعجني قناتا «المنار» و»الدنيا» وغيرهما من الإعلام في نسجها الزجل والشعر في الفقيد العظيم، فالقتلة عند هؤلاء قديسون، ويعلو قدرهم في القداسة كلما زاد عدد ضحاياهم، طالما أن الهدف هو خدمة «القضية»، فيصبح الشرتوني مثلاً فيها بطلاً خالداً، يعني مثل غاندي ومنديلا وكينغ والقديسة تيريزا.

لكن المؤكد هو أنه لم يكن لهؤلاء «المسؤولين» و»النواب» ولا محطات بث السموم وجود، لولا خدمات زهر الدين وأمثاله.

غداً ستنتهي الحرب في سوريا، مهما طال الزمن، وسيعود بشار الصغير إلى دمشق ليبحث عن قبر والديه ليضع زهرتين، ولست أدري ما سيفعله إن قدر له ومر بقرب قبر زهر الدين وأمثاله.
مصطفى علوش - المستقبل

ق، . .

مقالات مختارة

23-01-2018 06:18 - النازحون والوضع في الجنوب "نجما" مباحثات زيارة الرئيس الألماني 23-01-2018 06:16 - الانخراط الأميركي لسوريا الى أين؟ 23-01-2018 06:15 - في عفرين وضحاياها... 23-01-2018 06:06 - طيفُ المثالثة فوق معارك المراسيم 23-01-2018 05:59 - ماذا يقول مقربون من جنبلاط عن الحملة ضده؟ 22-01-2018 06:56 - علامات ايجابية داخلية بالرغم من المشهد السلبي في المنطقة 22-01-2018 06:54 - "الرياح السعودية" تلفح اللوائح الإنتخابية 22-01-2018 06:53 - انتخابُ التمديد في غيابِ الصوتِ التغييريّ 22-01-2018 06:50 - لا لقاء وشيك بين الحريري وجعجع 22-01-2018 06:48 - متطرّفو صيدا يطالبون بالسنيورة رداً على تحالف بهية الحريري
22-01-2018 06:48 - خلفيات الغاء المساعدات الاميركية للاونروا 22-01-2018 06:35 - جونسون يقترح بناء جسر بين بريطانيا وفرنسا 22-01-2018 06:34 - "8 و14" في الكونغرس الأميركي أيضاً؟ 22-01-2018 06:32 - "المجتمع المدني": سنقتحم بـ10 نواب وأكثر! 22-01-2018 06:31 - يريدون نسف الإنتخابات! 22-01-2018 06:24 - الإدارات والأساتذة والأهالي: هذا ما ننتظره من الجلسة الحكومية التربوية 22-01-2018 06:22 - إحتمالات العثور على النفط في المياه اللبنانية 7 في المئة؟ 22-01-2018 06:20 - موسم التزلّج إنطلق بعد انتظارٍ طويل 22-01-2018 06:16 - إعادة تحريك شريان البلد ومفارقات "الاستقرار الناقص" 22-01-2018 06:14 - شهران على اغتيال صالح 22-01-2018 06:00 - تعديل قانون الانتخاب في عهدة اللجنة الوزارية اليوم 21-01-2018 07:17 - أنا وصدام حسين... ويلاه من ترجمة صدام 21-01-2018 07:16 - قيادات عالمية دون مستوى التحديات 21-01-2018 07:15 - 2018 عام العودة الأميركية لسوريا 21-01-2018 07:14 - فيما كانا... 21-01-2018 07:14 - مسؤوليتنا تجاه الذين يموتون برداً 21-01-2018 07:10 - شعوب الخليج كفى تهكماً فأنتم الأفضل 21-01-2018 07:05 - لبنان والرقص على حافة التسلط 21-01-2018 07:04 - موقف تركيا ازاء سورية والولايات المتحدة 21-01-2018 06:58 - ألف سلام من تونس على "الربيع العربي" 21-01-2018 06:25 - حكم من المحكمة العسكرية بنفي الصحافية اللبنانية حنين غدّار 20-01-2018 07:18 - اسئلة حول تأجيل زيارة لجنة التحقيق الاميركية لبيروت 20-01-2018 07:16 - تدخل سفراء عرب واقليميين في الاستعدادات للانتخابات 20-01-2018 07:15 - ازمة مرسوم الاقدمية وتعديل قانون الانتخاب: المخارج مفقودة 20-01-2018 07:14 - هل انتقل الخلاف بين عون وبري الى «الخارجية»؟ 20-01-2018 07:11 - معركة عكار غامضة وتحالفات آنية بانتظار موقف فارس 20-01-2018 07:09 - حزب الله سعى لتجنيب مجلس الوزراء الصدام... والحريري صامت 20-01-2018 06:55 - المصارف المركزية توسّع مهماتها لتحفيز الإقتصاد 20-01-2018 06:55 - «جبال» دستورية وسياسية تعوق التعديلات على قانون الإنتخاب!؟ 20-01-2018 06:50 - «القوات» و«الكتائب» والتحالفات الموضعيّة 20-01-2018 06:49 - هل أُلغيت المواجهة الإقليمية أم أُرجئت؟ 19-01-2018 06:55 - تذهبُ أخلاقهُمْ ولا يذهبون 19-01-2018 06:55 - الديناميكيّة الدولية - الإقليميّة في الاستراتيجيّة الأميركيّة 19-01-2018 06:54 - إذا نشأ الكيانُ الكردي 19-01-2018 06:50 - تحذيرات لقيادات فلسطينية بالإحتياط والحذر 19-01-2018 06:47 - شركة النفط أزمة إضافية على لائحة التجاذبات 19-01-2018 06:45 - الكهرباء... الإضرابات أكثر من ساعات التغذية 19-01-2018 06:39 - واشنطن تعتبر إيران خطراً استراتيجياً..وسوريا ليست أولوية 19-01-2018 06:38 - قراءة هادئة... في حدث ملتهب! 19-01-2018 06:37 - الفلسطيني الذكي...
الطقس