Lebanon Web Design
اتيح لمتصفحي موقعنا من الهواتف الذكية تبويب خاص يسهل متابعة الأخبار، بينما يبقى التبويب العادي متوفراً من الالواح الالكترونية التي يزيد حجمها عن 7 انش
وفيات
مقالات مختارة
في متانة النقد الوطني وسلامة القطاع المصرفي
د. مكرم صادر


يخالُ لمن يسمع ويقرأ في الآونة الأخيرة بعض الخبراء وبعض وسائل الإعلام أن البلد على شفير الهاوية نقداً ومصارفَ وخزينةً عامةً. وطبعاً الرأي العام لن يؤخَذ بهذه المقولات. فلدى اللبنانيّين من الوعي والتجارب ما يُحصِّنهم ضد هكذا مقاربات ممعنة في التشاؤم ومُحجبة رغم ثقافتها وسعة اطّلاعها عن قراءة موضوعية للأرقام والمعطيات والتطورات.
نقرأ في لعبة الأرقام، على سبيل المثال لا الحصر، أن احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية والذهب يسجّل عجزاً يفوق المليار دولار أميركي في مقابل ودائع المصارف بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان.

ويُغفِل هذا الإحتساب محفظة مصرف لبنان من اليوروبوندز المصدّرة من الدولة اللبنانية في الأسواق العالمية. ففي حال احتساب هذه المحفظة، يتحوَّل العجز المشار إليه إلى فائض يراوح بين 5 و 6 مليارات دولار.

وللتذكير أيضاً، فإن مصرف لبنان بصفته مصرف الدولة سدَّد عنها التزامات بالعملة الأجنبية قاربت مع نهاية حزيران 2017 مبلغاً قدره 10 مليارات دولار. إن أخذ هذه المعطيات في الحسبان يجعل مطلوبات مصرف لبنان وموجوداته بالعملات الأجنبية تتوازن، بدون احتساب قيمة الذهب أي 11,5 مليار دولار للفترة ذاتها.

ويكمن منطق احتساب سندات اليوروبوندز اللبنانية في كون مصرف لبنان يلعب بالنسبة الى إصدارات الدولة اللبنانية في الأسواق العالمية دور صانع السوق Market Makers بحيث يتدخّل مشترياً هذه السندات حرصاً على عدم انهيار أسعارها. أما مبلغ العشر مليارات المسدَّدة لصالح الدولة وخاصةً كلفة المحروقات لكهرباء لبنان، فإنها ضرورية لتأمين الطاقة للاقتصاد وللبلد.

وهي تتمّ طبعاً بقرار من الدولة. وبدل إلقاء الملامة على البنك المركزي لتدخّله منعاً لانهيار سندات الدولة ومنعاً لتعثر الإقتصاد وشؤون الناس، كان من الأفضل إلقاء الضوء على منظومة الهدر والفساد من أجل المصلحة العليا للبلد. وقد تشكّل عندها استعادة أموال الدولة وممتلكاتها المهدورة و/أو المنهوبة تضييقاً هاماً لعجوزاتها!

أولاً - المصارف والإقتصاد

تزعم بعض الأوراق «أن المصارف لم تعد تؤدّي دور الوسيط في النشاط الاقتصادي في لبنان علماً أن الوساطة المالية مع القطاع الخاص هي وظيفتها الرئيسية». ويستند الكاتب في مقولته هذه إلى أن حصة الإقراض للإقتصاد من إجمالي موجودات المصارف هي فقط 25% بينما توظف المصارف ما يقرب من 60% لدى القطاع العام، بما هو مصرف لبنان والخزينة اللبنانية.

وتستدعي هذه القراءة الضيّقة لتوظيفات المصارف ثلاث ملاحظات أساسية : أولها وأهمها أن التسليف المصرفي للإقتصاد يُقاس، حسب صندوق النقد الدولي، نسبةً إلى حجم الإقتصاد وليس إلى حجم ميزانيات المصارف. وتتعدّى هذه النسبة في لبنان 110% (!)، وهي تنسجم مع النسب القائمة في معظم مناطق ودول العالم.

وتظهر الجداول التي ينشرها البنك الدولي عن العام 2016 أن متوسط هذه النسبة للعالم العربي هو 58,2% وهي 46,3% لمنطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا التي ينتمي إليها لبنان. وهي 49,1% لمنطقة أميركا اللاتينية والكريبي. وتصل نسبة الإقراض إلى الناتج في منطقة اليورو إلى 89% ولمجمل الإتحاد الأوروبي إلى 95,2% (منها فرنسا 97,6%).

والملاحظة الثانية التي تستدعيها مقولة عدم كفاية الاقراض المصرفي للاقتصاد في لبنان أن قدرة قطاع المؤسّسات على الاقتراض قياساً برساميلها قاربت حدّ التشبّع. فالمطلوب في هذه الحالة على ضوء التركّز في التسليفات أن تتموّل المؤسّسات الكبيرة من خلال الإدراج في بورصة بيروت، أي من خلال زيادة الأسهم أو السندات.

ويشكّل توجّه المؤسسات إلى الأسهم والسندات تنويعاً صحياً ومستحبّاً لمصادر التمويل. وتكون عندها الأسهم والسندات المطروحة لإكتتاب الجمهور المباشر أدنى كلفةً من الإقتراض المصرفي إذ تؤدّي الشركات لحاملي الأسهم عوائدَ متى حققت أرباحاً وتدفع لحاملي السندات مردوداً ثابتاً.

تتمثل الملاحظة الثالثة والأخيرة في مقولة عدم تأدية المصارف وظيفتها الرئيسية في الوساطة المالية بين العملاء الإقتصاديّين. وتكشف الحقيقة واقعاً مخالفاً تماماً لهذه المقولة، فالمصارف تستقطب بكفاءة المدّخرات والفوائض لدى بعض العملاء وتؤمّن إقراضها وبأفضل الشروط للأسر والأفراد والمؤسّسات التي لديها حاجات تمويلية.

ثم أن المصارف طوَّرت شبكة واسعة جداً من الفروع (1078 فرعاً في لبنان)، بمعدَّل فرع واحد لكل 4174 مواطناً وهو يماثل معدّلات دول منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية OECD دون أن نأخذ في الإعتبار العدد الكبير من الصرّافات الآلية (1800) المنتشرة على كل الأراضي اللبنانية، يضاف إليها نظام مدفوعات حديث جداً من بطاقات الائتمان والدفع بما يفوق حالياً 2,8 مليون بطاقة ومن التحويلات السهلة وغير المكلفة، ناهيك عن تواجد المصارف اللبنانية في الخارج الإقليمي والدولي (في 30 بلداً و82 مدينةً).

وقد وفّرت المصارف اللبنانية شبكة واسعة من علاقات المراسلة مع 183 مصرفاً حول العالم، ما يسمح للبنانيّين المقيمين والمغتربين في أقاصي الأرض بتحويل مدخراتهم إلى لبنان وبإجراء مدفوعاتهم المالية مع العالم. فليس صدفةً أن يقارب حالياً إجمالي موجودات القطاع المصرفي اللبناني (بما فيه التجارية ومصارف الأعمال) 220 مليار دولار بل وأن يقارب على أساس مجمّع بما فيه شبكة الخارج 254 مليار دولار، آخذين في الاعتبار حجم نشاط الخارج بما يناهز 34 مليار دولار. وهكذا تكون المصارف اللبنانية تلعب على أكمل وجه دور الوساطة المالية، وهي وظيفتها الأساسية.

ويبقى أن هذا الدور لا بدَّ أن يرتكز كي يكون ناجحاً إلى عملة وطنية متينة وإلى سياسة نقدية ضامنة للإستقرار النقدي، وهذا ما سنتوقّف عنده في القسم الثاني من هذه الورقة.

ثانياً - المصارف والنقد والعلاقة مع البنك المركزي

النقد والمصارف توأمان لا ينفصلان. فقوة النقد من سلامة القطاع المصرفي. ومتانة المصارف في أساس إستقرار النقد. فالكتلة النقدية لم تعد تقتصر على النقد الورقي الذي بات يشكّل في الإقتصادات الحديثة نسبةً متدنية جداً من الكتلة النقدية بمفهوم الـ M3.

والنقد المُصدَر من مصرف لبنان (4544/208050 مليار ل.ل.) يساوي 2,2% من إجمالي الكتلة النقدية كما في نهاية شهر تموز 2017!.. وما تبقّى أي 97,8% من الكتلة يتكوَّن من ودائع الناس لدى القطاع المصرفي. ما يعني أن أنظمة الدفع تديرها عملياً المصارف إلى جانب الموجب الملقى عليها بالحفاظ على مدّخرات الناس، وموجب تمويل الاقتصاد.

ومصرف لبنان المركزي مسؤول قانوناً وعملياً عن سلامة القطاع المصرفي المؤتمن على مدخرات الناس ومدفوعاتهم وتمويل أنشطة إقتصادهم. والسياسة النقدية التي ينتهجها مصرف لبنان يقرّرها المجلس المركزي وليس سعادة الحاكم وحدَه ويشارك فيه نوابه الأربعة بالإضافة إلى المديرين العامين لوزارة المالية والإقتصاد.

ويقرر المجلس المركزي كذلك وسائل تأمين الإستقرار النقدي والمصرفي، بما فيه سياسة معدّلات الفوائد والهندسات المالية ودعم الإقتصاد ودعم أية مصارف تحتاج الى دعم. ففي ذلك مصلحة عامة عليا للبلاد والعباد أساسها الإستقرار النقدي.

والإستقرار النقدي الذي اعتاد عليه ويتمتّع به اللبنانيون لا يأتي من فراغ ولا يستمر على امتداد 25 عاماً بسحر ساحر، بل احتاج ويحتاج إلى سياسة نقدية منتظمة تكمن وسيلتها الأساسية في إدارة معدّلات الفوائد بعد أن قررت الدولة بكل مؤسساتها الدستورية (مجلس النواب، الحكومات) تثبيت أسعار صرف الليرة اللبنانية وأوكلت هذه المهمة إلى مصرف لبنان المركزي.

ويُسأل البنك المركزي إذا اهتزَّ الاستقرار النقدي وليس العكس. ويصعب بل يستحيل على مصرف لبنان إنجاز هكذا مهمة – استقرار سعر الليرة وسلامة القطاع المصرفي وهما وجهان لعملة واحدة – دون بنية فوائد عالية حكماً.

والعجب ليس في كونها عالية بل في كونها معتدلة، وليست سخيةً في شيء وذلك لمجموعة من الأسباب نفصِّلها أدناه مدعَّمة بمعطيات موثوقة، إذ أن السؤال الأساسي للحكم على مستوى الفوائد يكمن في المقياس المعتمد لتوصيف معدّلات الفوائد بالمرتفعة أو المنخفضة أو المعتدلة. وتقتضينا الموضوعية تقييم مستوى الفوائد قياساً إلى مخاطر البلد. (الجزء الثاني من الدراسة يُنشر غدا)

د. مكرم صادر - الجمهورية

ق، . .

مقالات مختارة

23-01-2018 06:53 - السعودية «تتريث»: التدخل في الانتخابات اللبنانية غير مجد...؟! 23-01-2018 06:52 - عفرين وإدلب في الصفقة الروسيّة - التركيّة؟ 23-01-2018 06:51 - المقاومة ترفض الثنائية وتصر على التسوية السياسية الثلاثية لادراكها خطورة 2018 23-01-2018 06:51 - لننتهِ من أسطورة العلاقة الفرنسية - الألمانية! 23-01-2018 06:50 - كل شيء "مجمَّد" ولا مخرج لأيّ مأزق قبل 6 أيار 23-01-2018 06:48 - "الموساد"... لبنان والضفة الغربية ساحة واحدة 23-01-2018 06:45 - لبنان الى دافوس: هذه خطتنا ساعدونا 23-01-2018 06:43 - ندى لفظت أنفاسَها على الطريق... "المشنقة قليلة عليه" 23-01-2018 06:34 - لبنان "صخرة" أمنيّة تتكسر عليها "أمواج" الإرهاب 23-01-2018 06:18 - النازحون والوضع في الجنوب "نجما" مباحثات زيارة الرئيس الألماني
23-01-2018 06:16 - الانخراط الأميركي لسوريا الى أين؟ 23-01-2018 06:15 - في عفرين وضحاياها... 23-01-2018 06:06 - طيفُ المثالثة فوق معارك المراسيم 23-01-2018 05:59 - ماذا يقول مقربون من جنبلاط عن الحملة ضده؟ 22-01-2018 06:56 - علامات ايجابية داخلية بالرغم من المشهد السلبي في المنطقة 22-01-2018 06:54 - "الرياح السعودية" تلفح اللوائح الإنتخابية 22-01-2018 06:53 - انتخابُ التمديد في غيابِ الصوتِ التغييريّ 22-01-2018 06:50 - لا لقاء وشيك بين الحريري وجعجع 22-01-2018 06:48 - متطرّفو صيدا يطالبون بالسنيورة رداً على تحالف بهية الحريري 22-01-2018 06:48 - خلفيات الغاء المساعدات الاميركية للاونروا 22-01-2018 06:35 - جونسون يقترح بناء جسر بين بريطانيا وفرنسا 22-01-2018 06:34 - "8 و14" في الكونغرس الأميركي أيضاً؟ 22-01-2018 06:32 - "المجتمع المدني": سنقتحم بـ10 نواب وأكثر! 22-01-2018 06:31 - يريدون نسف الإنتخابات! 22-01-2018 06:24 - الإدارات والأساتذة والأهالي: هذا ما ننتظره من الجلسة الحكومية التربوية 22-01-2018 06:22 - إحتمالات العثور على النفط في المياه اللبنانية 7 في المئة؟ 22-01-2018 06:20 - موسم التزلّج إنطلق بعد انتظارٍ طويل 22-01-2018 06:16 - إعادة تحريك شريان البلد ومفارقات "الاستقرار الناقص" 22-01-2018 06:14 - شهران على اغتيال صالح 22-01-2018 06:00 - تعديل قانون الانتخاب في عهدة اللجنة الوزارية اليوم 21-01-2018 07:17 - أنا وصدام حسين... ويلاه من ترجمة صدام 21-01-2018 07:16 - قيادات عالمية دون مستوى التحديات 21-01-2018 07:15 - 2018 عام العودة الأميركية لسوريا 21-01-2018 07:14 - فيما كانا... 21-01-2018 07:14 - مسؤوليتنا تجاه الذين يموتون برداً 21-01-2018 07:10 - شعوب الخليج كفى تهكماً فأنتم الأفضل 21-01-2018 07:05 - لبنان والرقص على حافة التسلط 21-01-2018 07:04 - موقف تركيا ازاء سورية والولايات المتحدة 21-01-2018 06:58 - ألف سلام من تونس على "الربيع العربي" 21-01-2018 06:25 - حكم من المحكمة العسكرية بنفي الصحافية اللبنانية حنين غدّار 20-01-2018 07:18 - اسئلة حول تأجيل زيارة لجنة التحقيق الاميركية لبيروت 20-01-2018 07:16 - تدخل سفراء عرب واقليميين في الاستعدادات للانتخابات 20-01-2018 07:15 - ازمة مرسوم الاقدمية وتعديل قانون الانتخاب: المخارج مفقودة 20-01-2018 07:14 - هل انتقل الخلاف بين عون وبري الى «الخارجية»؟ 20-01-2018 07:11 - معركة عكار غامضة وتحالفات آنية بانتظار موقف فارس 20-01-2018 07:09 - حزب الله سعى لتجنيب مجلس الوزراء الصدام... والحريري صامت 20-01-2018 06:55 - المصارف المركزية توسّع مهماتها لتحفيز الإقتصاد 20-01-2018 06:55 - «جبال» دستورية وسياسية تعوق التعديلات على قانون الإنتخاب!؟ 20-01-2018 06:50 - «القوات» و«الكتائب» والتحالفات الموضعيّة 20-01-2018 06:49 - هل أُلغيت المواجهة الإقليمية أم أُرجئت؟
الطقس