Lebanon Web Design
اتيح لمتصفحي موقعنا من الهواتف الذكية تبويب خاص يسهل متابعة الأخبار، بينما يبقى التبويب العادي متوفراً من الالواح الالكترونية التي يزيد حجمها عن 7 انش
وفيات
باقلامهم
الشبكات الاجتماعية والبشر غير الاجتماعيين
مازن ح. عبّود

قديما كان القلم سلاحا فعالا بيد النخب المثقفة التي كانت تعي أهمية الكلمة ومفاعيلها. وكان الكثيرون من اهل القلم ممن لم يكونوا شعراء البلاط، ضمائر جماعاتهم واهلهم وشعوبهم والسنة احوالهم. فشكل الكثير منهم حراس القيم والضمانة والصوت المدوي الى حد الموت في وجه الحاكم ان تجرأ وتجاوز حدود السلطة الممنوحة له او تعسف في استعمالها. كانوا قلة قليلة وعزيزة. لكن الان ومع تقدم التكنولوجيا ما عادت أصواتهم مسموعة. اضحى حق التعبير مقدسا حتى أكثر من الحقيقة والموضوعية والمقدسات واحترام الاخر ومعتقداته، وبالطبع أكثر أهمية من الضوابط الناظمة للمجتمعات.

صارت وسائل التواصل الاجتماعي متوفرة لجميع الناس، ممن يدركون او لا يدركون أهمية الكلمة ومفاعيلها، ممن تطورت عقولهم ام مازالت قابعة في الجاهلية. فصاروا يقولون أي شيء. ومن كان يختلق الاخبار بشكل محصور متكلا على لسانه، مازال يختلقها وصار يعتمد على شبكات التواصل الاجتماعي. فصار ضرره أكثر تعميما وأكثر فائدة له وخربا علينا. ولولا شبكات التواصل لما تمكن الدواعش من نشر فكرهم الظلامي مثلا وتمرير رسائلهم واستقطاب من استقطبوا.
ما تقدمت به لا يلغي الفوائد الجمة والوعي الذي خلقته ثورة المعلومات وشبكات التواصل، بحيث انّ العالم صار أكثر قربا. وصار ممكنا تعميم الفوائد أيضا.
لكنّ المشكلة هي مع كل هذا الكم من الاخبار السوداء والتحليلات الغريبة التي نتلقاها على شبكات التواصل الاجتماعي. أزمتنا هي في كيفية تحديد ما هو صحيح مما نقرأ وما هو ضلال ومختلق، كي نبني على الشيء مقتضاه، ونتخذ القرار المناسب. المشكلة ما عادت في نقص المعلومات بل في فائض ما هو محيّر وندرة ما هو مؤكد.
تكنولوجيا الكلمة صارت في ايدي الجميع حتى في متناول العقول التي لم تتطور. والنتيجة بأننا بدأنا نرى ونسمع ما لم نتعود او تعودنا على سماعه. فخرجت اقوال القمامة من مكباتها وغرفها السوداء الى الضوء واضحينا نعاني من مشكلات تلوث أخلاقي وكلامي مزمن على الشبكات الاجتماعية وكل ملحقاتها.
نشعر باننا دخلنا في زمن الخردة، في زمن "Junk Food" و"Junk People " و "Junk Stories" ، صارت غالبية حياتنا خردة.
أترى من يقدر ان يقينا من تأثيرات هجمة الخردة علينا وعلى حضارتنا؟ من يقينا من حق تعبير اهل الكهوف والمغاور والجاهلية؟
التهمت الحرية غير المسؤولة كل الضوابط، فصار يقال أي شيء. الفي سنة من الحضارة بدأت تزول بفعل هاتف ذكي في يد انسان غير ذكي، المدنية تزول بفعل هاتف متمدن بيد عقل غير متمدن. ما يحصل هو أحيانا بمثابة إبادة معنوية وقتل للناس وحضارتهم تحت غطاء حرية رأي غير مسؤولة.
نعم انّ ما يجري الكترونيا في العالم الافتراضي توازي تأثيراته مفاعيل إبادة معنوية. وما نشهده من انتهاكات على الصفحات الاجتماعية يدفع كل أصحاب الضمائر الحية الى الوقوف وقفة حق لمنع تدمير ثقافتنا ونظمنا واولادنا. نقف كي نضمن ديمومة مطارح سلام وامان على الكوكب.
نشعر بانّ ثمة حملات ممنهجة لتدمير المقامات المعنوية بغية تفكيك القواعد الناظمة للمجتمعات. نعلم انّ شاغليها ليسوا كلهم بقديسين. وهم يدركون ذلك، ويدركون بأنهم من تراب. لكن مواقعهم اوجدت كي تبقى. اوجدت لغاية، وما الغاية منها الا الحفاظ على القيم وارشاد الناس. خلقت كي تستمر بالقوة المعنوية وايمان الناس. يا معشر اهل الشبكات الاجتماعية تذكروا بانّ من لا يحترم كبيره لا يكبر ابدا في القيمة والقدر. تذكروا بأنّ حرية التعبير هي وسيلة للشهادة للحقيقة وليست هدفا بحد ذاتها. فالهدف من خلق الانسان ليس النطق بأي شيء حتى بالقباحة والسفاهة، بل الكمال. تذكروا بأنّ للأهداف النبيلة وسائل نبيلة ومنطق نبيل ولغة نبيلة. تذكروا بأنّ الأسلوب هو الرجل، وبانّ ما تقولونه يعكس حقيقتكم وليس بالضرورة حقيقة من تشتمونه، فحذار!
لا ليست وسائل التواصل الالكتروني والاقلام هي أسباب تكوم كل هذه النفايات والخردة بل الايادي والعقول التي تستخدمها. لا اعرف متى تنتهي مرحلة الأجهزة الذكية والناس غير الذكية، وتبدأ حقبة الناس الذكية والمتطورة والراقية والأجهزة الذكية والمتطورة والراقية! لا اعرف متى تنتهي مرحلة الشبكات الاجتماعية والبشر غير الاجتماعيين، وتبدأ حقبة الشبكات الاجتماعية والبشر الذين يستعيدون طبيعتهم الاجتماعية! من اجل ذلك أصلي...
 

ق، . .
باقلامهم
الحقيقة
14-11-2017
امسك سماعته ووضعها على صدري، راح يستمع الى قلبي، وقال بصوت جهوري ومتهدج، كما طبيبه تماما: "تنفس...تنفس... بعد". وضع سماعته جانبا. نظر في اذنيّ وفمي وعيناي، وقال
الطقس