Lebanon Web Design
اتيح لمتصفحي موقعنا من الهواتف الذكية تبويب خاص يسهل متابعة الأخبار، بينما يبقى التبويب العادي متوفراً من الالواح الالكترونية التي يزيد حجمها عن 7 انش
وفيات
مقالات مختارة
السّلسلة والضرائب: لعنة كوندورسيت
غسان ديبة

الاخبار


وهم الدّولة الرّيعيّة الخالصة وجنون الرّأسماليّة اللبنانيّة
«بينما البخيل هو رأسمالي أصيب بالجنون، فإن الرأسمالي هو بخيل عقلاني»
كارل ماركس

في الآونة الأخيرة اختلفت الآراء حول احتمال ردّ رئيس الجمهورية لقانون الضرائب، وبالتالي ردّ السلسلة فعلياً، التي تم إقرارها في المجلس النيابي. الكثيرون من كل حدب وصوب، الذين طالبوا الرئيس برد القانونين، ولا سيما الهيئات الاقتصادية ونقابات المحامين والمهندسين والأطباء مروراً بحزب الكتائب وربما أكثرية الشعب اللبناني... سيعلنون النصر إذا استجاب الرئيس لمطالبتهم؛ ولكن المنتصر الحقيقي سيكون الهيئات الاقتصادية والمصارف والرأسمال المالي.

هؤلاء هم المنتصرون لأنهم بذلك يكونون قد درأوا أهمّ تغيير في النظام الضرائبي باتجاه زيادة العبء على مداخيل الفوائد والأرباح، والذي وان كان طفيفاً، فإنه بالنسبة إلى هؤلاء يشكل خرقاً كبيراً سيكولوجياً ورمزياً يرتعبون أساساً من استكماله لاحقاً.
هنا تكمن المعارضة الحقيقية للضرائب، ولهذا أرادوا أن يشيطنوا الضرائب كلها فـ»يرمى الطفل مع ماء الغسيل» ونعود كما يُأمل الى نقطة الصفر. لكن أين حسابات البيدر من حسابات الحقل هنا؟ وهل يمكن العودة الى نقطة الصفر؟
أولا، لا بد من التأكيد مرة أخرى أن لا حلّ تقنياً لهذه المعضلة. أي إنه ليس هناك «توليفة فُضلى» للسلسلة ولسبل تمويلها عبر الضرائب (أو عدمه لأن الدولة لديها دائماً خيارات أخرى) وما علينا إلا إيجادها عبر البحث العلمي أو النمذجة الاقتصادية أو الاستعانة باستشارة «صديق» من البنك الدولي أو صندوق النقد. كلا، إن الأمر هو اقتصادي - سياسي بالدرجة الأولى، أي إن التوليفة التي سنصل اليها ما هي إلا نتاج الصراع بين الفئات والطبقات المختلفة والتي تحدد من سيربح كم ومن سيخسر كم عند نهايته. وكنا رأينا كيف أن الصراع ارتفع منسوبه مع بدأ التحركات من أجل السلسلة في عام 2011، وكيف أصبح أكثر وضوحاً منذ البدء بالحديث عن تمويل السلسلة وكيف ازداد حدة وشراسة عند وضع سلة تمويلها من الضرائب. في النهاية، أقلّه الآن، انتصر الأجراء في القطاع العام، أما أجراء وعمال وموظفو القطاع الخاص فيتحضرون للمعركة الفاصلة المقبلة حول الأجور في الاقتصاد الخاص؛ وخسر الراسماليون ولكنهم ارتعدوا أكثر من هذه المعركة المقبلة المحتملة فشن الرأسمال المالي الهجوم المضاد، منفّذاً (ربما) ما قاله بصراحة مدهشة أثرى أثرياء العالم الأميركي وارن بافيت «هناك بالتأكيد حرب طبقية وإن طبقتي طبقة الاغنياء، تنتصر»!
ثانياً، إن عودة الاقتصاد السياسي هذه هي، كما قال روبرت رايش وزير العمل الأميركي السابق، بمثابة تجلٍّ للخيارات الاجتماعية في توزيع الدخل والثروة، وهي مرتبطة أيضاً بعودة القوة الشعبية «countervailing power»، التي يمكن أن تحقق توزيعاً أكثر عدلاً. إلّا أنه في لبنان، بعد إقرار السلسلة والضرائب تم تحريض بعض الفئات، التي هي موضوعياً يجب أن تكون في عداد هذه «القوة»، وتم استعمالها من أجل تحقيق هدف الهيئات الاقتصادية. هؤلاء الذي استُعملوا لم يستطيعوا أن يروا أن سلة الضرائب غير المباشرة التي يطال عبؤها اساسا الطبقات العاملة والمتوسطة يمكن أن تكون ثمناً مقبولاً اجتماعياً من أجل إحداث الخرق هذا. فبدلاً من ذلك وقعوا تحت لعنة ماركيز كوندورسيت التي تقول إن السلطة الحقيقية تكمن لدى المظلومين وليس الظالمين، فالمظلومون بقبولهم ودفاعهم عن النظام الذي يستعبدهم يؤدون الى «بقاء إمبراطورية الأقوياء»، كما قال يانيس فاروفاكيس وزير المالية اليوناني الأسبق.
ثالثاً، إن رفض الكثيرين للضرائب يعكس أيضاً، بالاضافة الى خضوعهم لبروباغندا الهيئات الاقتصادية، الثقافة الريعية التي بُنيت في لبنان منذ عام 1992. وهذه الثقافة تُوهم الناس ان المال يُنتج المال في النظام المصرفي العجائبي، وان اكثر المال يُخلق في الخارج، وأخيراً أضيف الى اللائحة «الوهم الأعظم» وهو وهم النفط والغاز. كل هذه الاوهام كسرت في الاقتصاد، كما في العقول، العلاقة بين العمل والانتاجية والرفاه الاقتصادي، وبالتالي كسرت العلاقة بين الاقتصاد الحقيقي وبين الدولة، التي تمرّ في الدول الراسمالية المتقدمة عبر نظام الانفاق والضرائب والتي تصل الى اكثر من 40% في الاقتصاد. بل ان هناك علاقة سببية بين التقدم الاقتصادي وبين حجم الضرائب في الاقتصاد ومدى تصاعديتها. فقط في مجتمعات البداوة (nomadism) تكون الضرائب معدومة وتقترب منها الدول الريعية الخالصة، مثل بعض دول الخليج. أما لبنان فهو ليس دولة ريعية خالصة والريع فيه يتأتى ليس من الطبيعة بل من سيطرة الرأسمال المالي وتهجير المتعلمين وأصحاب المهارات الى الخارج، وبالتالي فإن هذا النمط من الريع الاصطناعي أسوأ من الريع الطبيعي، وهو مدمر للعمل والإنتاجية ولمؤسسات الدولة التي لا بد منها في اقتصاد عصري متقدم. فليعلم اللبنانيون أنهم برفضهم الضرائب يرفضون التقدم.
رابعاً، إن أحد أسس السياسة الاقتصادية اللبنانية هو ثبات سعر الصرف، من دون الأخذ بالاعتبار أي هدف اقتصادي آخر مثل التوظيف والنمو والتنمية ومحاربة الفقر وتحسين توزيع الدخل والثروة وتنافسية الاقتصاد وإنتاجيته ومستوى معيشة اللبناني المتوسط. وبالتالي ليس هناك من «بطولة» تذكر بالمحافظة على هذا الثبات، إذا كان ثمن ذلك التضحية بكل شيء. فالدول في سياساتها حول سعر الصرف لا تضعه كهدف نهائي بذاته بل هو أداة للوصول الى هدف. والأمثلة على ذلك كثيرة من الحاضر والماضي من سعر اليورو تجاه الدولار، الى خيار الانضمام إلى أو الخروج من منطقة اليورو، الى الدولار في مواجهة اليوان الصيني إلخ... فسعر الصرف سلاح للوصول الى الرفاه الاقتصادي. أما في لبنان فاستعمل سعر الصرف لتدمير الرفاه الاقتصادي. حدث ذلك عبر تدمير الاقتصاد المنتج ورفع منسوب الريعية الاقتصادية ومنع رفع الأجور واستعماله دوماً كعصا تهديدية وفي مواجهة أي عملية تغييرية اقتصادية أو اجتماعية.
إن استحقاق السلسلة والضرائب المرافقة لم يكن فقط أمراً له علاقة بإعطاء البعض حقوقهم، بل إن حجم السلسلة وما وضعته على طاولة الدولة والمجتمع من خيارات قد هزّ أسس الاقتصاد السياسي اللبناني، الذي بني على أوهام وعلى ما اعتقد البعض أنها سياسات أبدية. فطُرحت الأسئلة كلها في الوقت نفسه، وارتعد حماة النظام الريعي وبدوا وكأنهم كالبخلاء الذين يتمسكون بمخزوناتهم من الذهب فاستشرسوا دفاعاً عنها، وهم كانوا في الآونة الأخيرة احتاجوا إلى إجراءات يائسة من المصرف المركزي لحمايتها. وارتبك البعض الآخر فاستسلم لبروباغندا راسمالية أصيبت بالجنون وهي تحاول تأبيد نظامها القديم. ولكن مهما حصل وحتى ولو رد الرئيس القانونين فليس هناك من عودة الى نقطة الصفر، لأن متغيرات الاقتصاد السياسي وأزمة الاقتصاد الريعي نفسه الذي يرفض أركانه التحول الى العقلانية، لا يمكن تغييرها الآن إلا في الواقع المادي، ولعل مقولة ماركس في مقدمة نقد فلسفة الحق عند هيغل تعلمنا اليوم شيئاً: «إن سلاح النقد لا يمكن أن يستبدل النقد بالسلاح»!

نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إنّ التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة اطلاقًا من جرّائها.

مقالات مختارة

19-08-2017 07:17 - حكاية إبريق الزيت 19-08-2017 07:15 - بلدية طرابلس: معاقبة رئيسة التفتيش لأنها تريد التفتيش 19-08-2017 07:14 - قضية «إيدن باي»: خرائط المحافظ ليست مطابقة للرخصة 19-08-2017 07:09 - أي رسائل تنقلها عُمان بين واشنطن ودمشق؟ 19-08-2017 07:02 - السلطة إطفائي حرائق؟ 19-08-2017 07:00 - المدارس الكاثوليكية وطلّابها والأهالي إلى الشارع؟ 19-08-2017 06:58 - هل هي أكثر من زيارة 3 وزراء لدمشق؟ أم ماذا؟ 19-08-2017 06:57 - لبنان مقبلٌ على مرحلة عاصفة! 18-08-2017 07:07 - خزّان المال العام المثقوب 18-08-2017 07:06 - هل من حرب إسرائيلية قريبة على لبنان؟
18-08-2017 07:05 - إسرائيل تستبق زيارة غوتيريس: الأولوية لتعاظم حزب الله 18-08-2017 06:59 - «العريس» بلال بدر ينفّذ تهديده ضد «اليوسف» 18-08-2017 06:55 - انتهاء القطيعة الرسمية مع دمشق... رغم الصراخ! 18-08-2017 06:54 - روسيا تقارع أميركا... بنفط فنزويلا! 18-08-2017 06:48 - «تفتيتُ» جبل لبنان... وتشتيتُ المسيحيّين 18-08-2017 06:46 - «14 آذار» والسلطة: نتنازل و«رأسنا مرفوع»! 18-08-2017 06:46 - حصّة لبنان من أخطار «الخطة ب» الداعشية 18-08-2017 06:44 - النزوح الوزاري الى الشام 17-08-2017 09:15 - مع استقلالية القضاء...ونعم لاستئصال الفاسدين 17-08-2017 07:13 - من أجل استقلالية التفتيش المركزي 17-08-2017 07:05 - إلغاء المادة 522: محاصرة المُغتصب وقوننة الزواج المبكر! 17-08-2017 07:04 - الجلسة التشريعية: مناكفة مستقبلية للــحريري! 17-08-2017 07:03 - جعجع: حجمُنا في زحلة «نائب وربع» 17-08-2017 06:58 - الجرّاح يطلب سلفة على مشروع موازنة 2017: العودة إلى ممارسات السنيورة 17-08-2017 06:43 - جدّية النواب.. وثقافة الكسل 17-08-2017 06:42 - طارت "الفرعيّة"... فماذا عن الإنتخابات النيابية؟ 17-08-2017 06:41 - لم يعد المُغتصِب زوجاً بريئاً 17-08-2017 06:38 - «السلسلة» بين المخاوف «الوهميّة» و«المشروعة»!؟ 17-08-2017 06:38 - زيادة الخيــر... مش خيــر 16-08-2017 06:52 - الداخلية... بين خلية "الصادق" وخلية "العبدلي" 16-08-2017 06:50 - إيران وإسرائيل وتخريب المنطقة 16-08-2017 06:49 - يهاجمون تيلرسون لأنه لا ينحاز لاسرائيل 16-08-2017 06:48 - أحياناً... عن احتمالات إيران كجارة نافعة 15-08-2017 06:38 - حوار "السلسلة" في بعبدا يضع الملف في يد عون 15-08-2017 06:38 - تاريخ للصُدف المبعثرة! 15-08-2017 06:37 - الخلاف مع قطر مستمر ومتفاقم 15-08-2017 06:29 - بين بيروت ودمشق: شرعية مكتملة المواصفات 15-08-2017 06:27 - دير الزور: المعركة الكبرى 15-08-2017 06:21 - هل صحيح أنّ لقاءَ بعبدا قدَّم "هدية" مجانية للمعارَضة؟ 14-08-2017 07:14 - الإتفاق النووي مستقرّ بعكس وضع المنطقة 14-08-2017 07:11 - صِحَّةُ الحكومةِ هي العَجَبُ 14-08-2017 07:06 - "الاشتراكي" يستغني عن ترّو... سيناريوات عدّة لانتخابات الإقليم 14-08-2017 07:01 - مهوِّلو الإعلام الغربي مستاؤون: "نصرالله مسرور!" 14-08-2017 07:00 - عن حيل الجبناء والمهزومين 14-08-2017 06:46 - حوار عون وإعتذار برِّي 14-08-2017 06:44 - يريدون تطيير "الفرعيّة" لكنهم خائفون! 14-08-2017 06:42 - الموت الرحيم أو التنفُّس الإصطناعي؟ 14-08-2017 06:34 - التوازن المفقود في الداخل والإقليم والحاجة إلى سلام 14-08-2017 05:56 - الإنتخابية القادمة لن تجري وفقاً للإصطفافات الحالية 13-08-2017 07:26 - عون يسعى لاستعادة هالة الرئاسة الاولى
الطقس