 |
|
انقضت عشرون سنة على اتفاق الطائف الذي شكّل مدخلاً لنهاية الحرب من دون أن يؤسّس لسلامٍ حقيقيّ. قيل الكثير عن الإنقلاب على الطائف وعن عدم تطبيق روحيّة الإتفاق وعن الخشية من تعديل الإتفاق أو عن الحاجة الى إدخال تعديلات عليه... ولكنّ من المؤكّد أن الكثير من بنود هذا الإتفاق بقيت حبراً على ورق ولم تجد طريقها الى التطبيق لأسبابٍ مختلفة. أمّا أبرز هذه البنود فهي: - "مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثّل فيه جميع العائلات الروحيّة وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيريّة". - "التمسّك باتفاقيّة الهدنة الموقّعة في 23 آذار 1949". - "العمل على تحقيق عدالة إجتماعيّة شاملة من خلال الإصلاح المالي والإقتصادي والإجتماعي". - "على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيّين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق هذا الهدف (إلغاء الطائفية السياسيّة) وتشكيل هيئة وطنيّة برئاسة رئيس الجمهوريّة تضم بالإضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيّات سياسيّة وفكرية واجتماعيّة، مهمّة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفيّة وتقديمها الى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحليّة". - "إلغاء قاعدة التمثيل الطائفيّة... باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وفي ما يعادل الفئة الأولى فيها وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيّين والمسلمين دون تخصيص أيّة وظيفة لأيّة طائفة". - الإنماء المتوازن للمناطق ثقافيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً". - "إصلاح التعليم الرسمي والمهني والتقني وتعزيزه وتطويره وإصلاح الجامعة اللبنانيّة". بالإضافة الى ذلك، هناك الكثير من البنود التي تمّ تطبيقها خلافاً للنصّ الأصلي، بالنسبة الى عدد أعضاء المجلس النيابي، ومهام المجلس الدستوري، وحلّ مشكلة المهجرين، وتنظيم الإعلام والتمديد لرئيس الجمهوريّة...
آراء ما زال اتفاق الطائف، على الرغم من مرور عقدين على إقراره، محلّ تجاذب سياسيّ بين الأفرقاء اللبنانيّين. وفي حين يتّفق بعض من في المعارضة ومن في السلطة على أنّ الإتفاق لم يطبّق، يختلف هؤلاء حول أسباب عدم التطبيق، كما يختلفون حول مسألة إدخال تعديلات على الإتفاق، علماً أن لا وجود لقرار واحد في هذا الشأن سواء داخل الموالاة أو داخل المعارضة. أمين سر "تكتل التغيير والاصلاح " النائب ابرهيم كنعان يرى ان الطائف لم يوضع لينفذ، لان جميع الذين شاركوا فيه يعرفون ان الاتفاق كان ورقة فضفاضة، رغم التسميات المتنوعة بأنه تسوية تاريخية وغير ذلك ويضيف:" كان يهدف الى تجميد الحل في لبنان الذي كان العماد النائب ميشال عون دفع في اتجاهه ، فأتى الطائف تحت شعار وفاقي وطني لدفن هذا التوجه ووضع لبنان تحت الوصاية والحراسة، وكان تفاهم "السين - سين" والرعاية الاميركية لهذا الاتفاق، وتم نقل مركز الثقل في النظام من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء نظرياً لكن الواقع اثبت انه انتقل الى رئيس الوزراء مع بعض الامتيازات للطائفة الشيعية، وتمّت تغطية هذه المليّة البعيدة عن الدستور والمتنكرة للاصلاحات الاساسية التي نص عليها الطائف، خصوصاً لجهة الغاء الطائفية السياسية والانماء المتوازن واللامركزية الادارية... الخ". ويعتبر كنعان ان الطائف، وبتغطية من بعض الاطراف المسيحية التي اقتصر دورها في المرحلة الاولى على ضرب القوة المسيحية الفاعلة على الساحة اللبنانية التي استنهضها العماد عون، أما في المرحلة اللاحقة فكان تهميش المسيحيين، اذ بدأنا نسمع نظرية الانقلاب على الطائف، علماً ان الاخير لم يكن فيه ما يستحق التنفيذ وانما جاء كتسوية سورية – سعودية". واما الحديث اليوم عن حكم الاكثرية فمن الواضح ان الطائف نقل الصلاحيات من الرئاسة الاولى الى مجلس الوزراء مجتمعاً، بموازاة الثنائية في السلطة التنفيذية والتوازن ما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية مع غياب آلية الحسم الداخلية ، وذلك يعني ان الموافقين على الطائف قبلوا بالديموقراطية التوافقية. من جهته يرى النائب بطرس حرب ان الاتفاق يطبق عندما تحترم بنوده من قبل الأطراف التي وضعته ويضيف : "ان الحرب التي شنها عون بعد الطائف لبقائه في السلطة وإلغاء اي وجود سلطوي وعسكري في المنطقة التي يسيطر عليها، اي إلغاء "القوات اللبنانية " ادت الى تغيير المعطيات التي استند اليها الطائف والى الاستعانة بسوريا واعادة تكريس دورها في لبنان وبدأت تنعكس على الواقع الدولي وكادت تحول دون تنفيذ اتفاق اللبنانيين واحزابهم طيلة 15 عاماً ، وهذا ما ادى الى اعادة الدور لسوريا الى لبنان وتكريس الحاجة اليه وهو ما يتناقض مع الغاية التي من اجلها حصل الطائف، اي استعادة اللبنانيين حقهم في تقرير مصيرهم. هذا ما سمح للسوريين ان يوظفوا الخطأ التاريخي الذي ارتكبه عون آنذاك لرفضه تسليم السلطة للرئيسين معوض والهراوي ثانياً وبقائه في السلطة في بعبدا، علماً ان تعيينه كرئيس لحكومة انتقالية كان يهدف الى تحميله مسؤولية حصول انتخابات رئاسية وحمايتها وليس تعطيلها. وهذه صفة لا يمكن ان تسمح له بالقيام بما قام به من اعمال واتخاذ مواقف اساسية مرتبطة بمستقبل لبنان واتخاذ القرارات خارج اطار المؤسسات الدستورية، كاعلان حرب التحرير ، في الوقت الذي كان يعلم ان هذه الحرب لن تؤدي الى تحرير لبنان وانما الى تعزيز الوجود السوري وهذا ما حصل، وازداد عدد السوريين في لبنان وارتفع من 30 الى 50 الف عسكري اضافة الى ان حرب عون ضد سوريا لم تكن حرباً تحريرية بل كانت حرب قذائف متبادلة على الأراضي اللبنانية وأملاك اللبنانيين أدت في النتيجة الى الاضرار الكبير باللبنانيين وممتلكاتهم من دون تحرير اي شبر من الأرض التي كانت سوريا موجودة فيها " . كتب داني حداد
|