hit counter script

خاص - دافيد عيسى سياسي لبناني

رياض سلامة بين "مطرقة" الثورة و"سندان" الطبقة السياسية

الإثنين ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٠ - 06:16

  • x
  • ع
  • ع
  • ع

التظاهرات والاعتصامات التي نُظّمت أمام مصرف لبنان احتجاجاً على سياسة المصرف المركزي وتحميله مسؤولية ما آلت اليه الأوضاع المالية والاقتصادية في البلد، وتحطيم بعض المصارف وإحراق البعض منها، تدعونا الى التساؤل لماذا تحميل رياض سلامة والمصارف مسؤولية ما ارتكبته اغلبية الطبقة السياسية منذ العام 1992 وحتى اليوم؟

أولاً– من حيث الشكل، تبين بشكل واضح ان هذه التظاهرات لا تنتمي الى الانتفاضة الشعبية التي انطلقت منذ 17 تشرين الأول الماضي، ولا تمت لها بصلة.
نحن نتفهم ان يكون هناك اعتراض على أداء وإجراءات المصارف القاسية، لكن هذا الاعتراض يكون مقبولاً ومطلوباً في إطار حرية الرأي والتعبير والتظاهر، ولا يعود مقبولاً إذا تحول الى اعتداءات والى محاولة النيل من القطاع المصرفي، الذي طالما كان ركيزة الاقتصاد اللبناني وفي أساس صموده على مرّ سنوات الحرب وحتى اليوم.
ثانياً- من حيث المضمون، إن المجموعة التي شنّت غاراتها وهجماتها ضد مصرف لبنان والمصارف وقامت باحراق وتدمير واجهاتها وصرافاتها الآلية، وشنت حملة شعواء ضد رياض سلامة أخطأت العنوان والهدف. فإذا كانوا يبحثون حقيقة عن السبب الذي أوصل لبنان الى هذا الواقع المرير، فإن مصرف لبنان والمصارف الآخرى ليست المكان المعني بذلك، وإذا كانوا يريدون تحديد المسؤوليات ويبحثون عن المسؤولين الذين أوصلوا البلد الى هذا الدرك (القعر)، فليذهبوا عند المسؤولين والمعنيين بملفات الكهرباء، والاتصالات، والاملاك البحرية، والصناديق، والمجالس، والمسؤولين عن زيادة الرواتب، وعن التوظيفات العشوائية وغير القانونية في الدولة، وعن المسؤولين عن زيادة العجز، وسوء الإدارة السياسية، والصفقات والسمسرات في الدولة.
أما ان يُنتَقد رياض سلامة ويُهاجَم بسبب الهندسات المالية التي نفذها، فإن هذه السياسات والهندسات فرضتها الضرورات والحال التي وصلت اليها الأوضاع المالية والنقدية، والتي تسببت بها السياسات غير المسؤولة التي اتبعتها اغلبية الطبقة السياسية الحاكمة منذ العام 1992 وحتى اليوم، فأفاضت في الفساد وهدر المال العام وإغراق الدولة بدين ثقيل، وتحميل الخزينة والموازنة عجزاً تراكمياً.
فما كان المطلوب من رياض سلامة أن يفعل؟ هل يتفرج ويتنصل من دوره ومسؤولياته ويترك الدولة لمصيرها؟ أم يحذر ويحاول ان يعطي الفرصة للمسؤولين والسياسيين كي يُصححوا ويغيروا ما هم فيه من فساد وعدم مسؤولية، ويوقفوا الهدر والسرقة؟
ماذا يفعل قبطان السفينة إذا شعر ان السفينة سائرة الى الارتطام بالصخور ومصيرها الغرق والهلاك؟ هل يحاول كل ما هو ممكن للحؤول دون ذلك أم يرفع يديه مستسلماً؟
رياض سلامة قاد السفينة المالية، لكن هذه السفينة تعرضت لثقوب وفجوات من قبل اغلبية الطبقة السياسية التي توالت على السلطة، وكان هناك من يُمعن في شدها الى الوراء كلما خطت خطوة الى الامام. رياض سلامة فعل كل ما هو ممكن ومستطاع للحؤول دون الوقوع في المحظور، ولتأخير الأزمة الكبرى لعلّ وعسى. ولكن أوجه الخلل والتقصير والإهمال والفساد في الدولة كانت أقوى منه. رياض سلامة حاول جاهداً ثني المسؤولين عن الاستمرار في سلوكهم وطريقة إدارتهم للدولة، وأعطى نصائح ووجه تحذيرات وتنبيهات للطبقة السياسية الحاكمة كي تعي، ولكن لا من مجيب ولا متجاوب مع النصائح، ولا من أخذ التحذيرات على محمل الجد.
على الناس ان تعرف ان رياض سلامة مسؤول عن السياسة النقدية والمصرفية المالية، ومسؤول عن الاستقرار النقدي وحماية الليرة، وعن سلامة القطاع المصرفي ودوره وعملياته وودائعه.
لكن رياض سلامة ليس مسؤولاً عن السياسة المالية والاقتصادية للدولة، وليس هو من يرسم السياسات والخطط التنفيذية ومن يصدر الأوامر والتعليمات الى مؤسسات الدولة وأجهزتها ودوائرها، ليس هو من حال دون معالجة جذرية لمعضلة الكهرباء التي كلفت الدولة حتى اليوم أكثر من خمسة وأربعين مليار دولار من الدين العام.
ليس رياض سلامة المسؤول عن منظومة الفساد التي نخرت الدولة من رأسها حتى أخمص قدميها.
أما ان يحاول البعض الآن تصوير رياض سلامة كأنه المشكلة وأصل البلاء، هو ظلم بحق هذا الرجل، الذي تساهل أكثر من اللازم مع هذه الطبقة السياسية، وكان عليه ربما ان يستقيل ويترك هؤلاء لمصيرهم.
اذا كانت بعض السلطة وبعض رموزها وبعض ابواقها الاعلامية يبحثون عن مسؤول لتجريمه زورآ وكذبآ لإرضاء مطالب الثوار، فإنهم أخطاوا بالعنوان، ومن له اذنان سامعتان فليسمع. 

  • شارك الخبر