hit counter script

خاص - دافيد عيسى - سياسي لبناني

"الأمن" يحمي "الثورة"

الإثنين ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٠ - 06:06

  • x
  • ع
  • ع
  • ع

يعيش لبنان ازمة اقتصادية وضائقة مالية لم يسبق لها مثيل ولم يشهدها في كل تاريخه الحديث، فالركود أصاب كل القطاعات الاقتصادية، والمؤسسات الصناعية والتجارية والسياحية تضطر إما الى الاقفال وتسريح العمال والموظفين وإما الى خفض الأعباء والرواتب في ظل تآكل القدرة على الصمود والاستمرار. 

الازمة الاقتصادية والمالية الخانقة أدت الى ازمة اجتماعية شديدة مع ارتفاع نسبة البطالة والعاطلين عن العمل وحالات الفقر والعوز مقابل غياب ادنى مقومات الحياة الكريمة وأبسط الحقوق المتعلقة بكرامة الانسان وعيشه، وبات اللبنانيون يشعرون بحجم التحول لا بل الانقلاب الحاصل في نظام حياتهم ومستوى معيشتهم.
الوضع السياسي ايضاً مضروب في استقراره وثباته، فبعد سقوط حكومة سعد الحريري حل مكانها حكومة اللون الواحد ولو تحت غلاف "تكنوقراطي"، وتفاقمت الخلافات والانقسامات السياسية والسجالات والمشادات وحصل تصدع من جديد في الجبهة الداخلية مع تعاظم شكوى قسم كبير من طائفة أساسية هي "الطائفة السنية" من الاجحاف والغبن في تمثيلها وقرارها.
في خضم هذه الصورة القاتمة والسلبية، ووسط هذه الغيوم الملبدة والأزمات المتناسلة، لا يبقى الا نقطة واحدة إيجابية وعلامة واحدة مضيئة وتتمثل في الوضع الأمني الذي ما زال جيداً ومصاناً ومتماسكاً قياساً بما آلت اليه الأوضاع العامة على كل المستويات، ومقارنة بما يجري في محيط لبنان ودول الجوار العربي، ويعود الفضل في ذلك الى جهود ودور الجيش اللبناني بقيادة العماد جوزاف عون هذا الرجل الحكيم والواعي والعاقل والذي سيذكره التاريخ في طريقة تعامله مع انتفاضة شعبية في اصعب وادق ظروف، وكذلك الى سائر القوى والأجهزة الأمنية ومثابرتها وتضحياتها ويقظتها.
ولكن الوضع الأمني الذي يعد مكسباً محققاً وإنجازاً يُعتد به، بدأ يواجه في الفترة الأخيرة خروقات وتهديدات ومخاطر من شأنها في حال استمرارها وتصاعدها ان تضرب ما تبقى من مناعة وحصانة في الوضع اللبناني. وهذه المخاطر ناجمة عن عوامل وأسباب متداخلة وتبرز بأشكال ومظاهر مختلفة وتأتي من ثلاث مصادر أساسية هي:
1- المخاطر الناجمة عن تهاوي واهتزاز الامن الاجتماعي بسبب اتساع وتعمق حالات الفقر والجوع والعوز وعدم توافر الحق البديهي للمواطنين في الاستشفاء والسكن والتعليم، ونتيجة لذلك تتكاثر جرائم السرقة والسطو والقتل ويفقد الناس الشعور بالاطمئنان والأمان ويضطرب الامن والاستقرار المعنوي والمادي والاجتماعي.
2- خطر دخول التطرف والإرهاب على خط الأوضاع اللبنانية المتدهورة التي يجد فيها الارهابيون أرضاً خصبة وبيئة ملائمة لاختراق الامن وتجنيد شبان والتغرير بهم وتغذية نزعة التطرف والعنف والفوضى والقيام بعمليات ارهاب وافتعال صدامات واشتباكات على الأرض، وهذا يعني ان تقدم جهات خارجية على النفاذ الى الداخل اللبناني من نافذة الإرهاب والتطرف لتضرب الامن والاستقرار وإعادة انتاج النماذج التي شهدناها في أكثر من دولة عربية، وما يدفعنا الى هذه الشكوك والهواجس ما حصل من عمليات توقيف وتفكيك لخلايا إرهابية مرتبطة بتنظيم داعش كانت تعد لعمليات وهجمات ووقعت في قبضة جهاز الامن العام اللبناني.
3- الخطر الثالث هو الأهم لأنه داهم ومباشر ويتمثل في المنحى المقلق الذي بدأ يأخذه قسم من المشاغبين ثم عنوان الانتفاضة الشعبية وحركة الاحتجاج على الأرض والذي يحرف "الثورة" عن مسارها وأهدافها ويأخذها الى مكان آخر. وهذا ما بدأ يحصل منذ مطلع هذا العام في بيروت سواء في شارع الحمرا حيث تسير تظاهرات موجهة وتعبث تخريباً وفوضى وعنف غير مبرر ضد المصارف والمحلات، أو في وسط بيروت التي تتعرض لهجمة عبثية عنيفة ويقوم شبان ملثمون ومجهولون بتدمير املاكها الخاصة والعامة واشارات السير وتخريب أمنها وتشويه صورتها وأجوائها والتعدي على قوى الامن وتكسير وتدمير المحلات والمطاعم وكل ما يقع تحت أيديهم وما يمت بصلة الى المدنية والحضارة والحياة.
هذا ليس فعل ثوار وإنما فعل مخربين و"زعران". وهذه ليست الثورة السلمية الراقية التي جمعت ولا فعل أبناء الثورة الحقيقيين والعائلات وكل الطبقات والمستويات وإنما الثورة العنيفة الفوضوية المشبوهة في ما تهدف اليه ومن يقف وراءها تخطيطاً وتحريكاً وتمويلاً.
ثورة 17 تشرين الأول من هؤلاء المخربين المتطرفين "براء"، وهم لا يمثلونها ولا يشبهونها ولا يحملون مبادئها وأهدافها، وعلى المسؤولين والقيمين على المؤسسات العسكرية والأمنية ان يضعوا حداً لهذا الوضع غير الطبيعي من التسيب والفلتان في قلب العاصمة ولا يكون أي مجال للتهاون والتراخي في مواجهة هذا الوضع الذي في حال تركه على سجيته ومداه سيخرج عن السيطرة وسيؤدي الى نسف الوضع الأمني وما تبقى من عناصر صمود اقتصادي واجتماعي ومظاهر حياة وحركة. وعلى المسؤولين في السلطة ان يوفروا كل الدعم للجيش اللبناني والقوى الأمنية وكل ما يلزم من قرار سياسي حازم، وعلى الشعب اللبناني ان يقف خلف جيشه وقوى الامن داعماً ومسانداً في معركة الحفاظ على الامن والاستقرار.
لا تتواجهوا مع العسكريين فهؤلاء ابنائنا وهم يشعرون بوجعكم ايضآ فهم مواطنون لبنانيون، حافظوا على الامن كي تحافظوا على لبنان وشعبه واستقرار وسلمه الأهلي، وكي لا تنزلق الأوضاع الى ما لا تحمد عقباه والى ما انزلقت اليه دول وشعوب مجاورة.
حافظوا على الامن إذا اردتم الحفاظ على الثورة وعدم إضاعة إنجازاتها ومكتسباتها. فأي انحراف الى عمليات وأساليب التخريب والتكسير و"التدمير الذاتي" هو حرف للثورة عن نهجها وغاياتها ودعوة للناس للنفور والابتعاد عنها وخفض الآمال بها.
الأمن يحمي الوطن والشعب... الأمن يحمي الثورة.
 

  • شارك الخبر