hit counter script

باقلامهم - العميد المتقاعد طوني مخايل

مُهَّربة... مُجَّمدة... مُستردة؟

الثلاثاء ٣١ كانون الأول ٢٠١٩ - 06:20

  • x
  • ع
  • ع
  • ع

في الدول الفاشلة على صعيد الحوكمة الرشيدة، أي الدول حيث الحكام أعلى مستوى من الدساتير، لا يُحاسَبوا ولا تطالهم القوانين، هنالك قواسم مشتركة عديدة تجمعهم وإحداها الإثراء غير المشروع بطرق مختلفة، كسرقة المال العام، وإبرام صفقات ملتبسة، وإستغلال الوظيفة وغيرها، ويتم تهريب هذه الاموال المنهوبة الى بلدان خارجية تُسمى جنات ضريبية (حيث لا ضرائب او ضرائب منخفضة جداً على الشركات والثروات)، أو بلدان تعتمد السرية المصرفية وتُسجل بأسماء اشخاص وشركات مغايرة لأصحابها الحقيقيين.

تنطبق هذه الحالة على لبنان حيث تتصدر أسماء الشخصيات اللبنانية السياسية، الاقتصادية، الاعلامية والعسكرية كلما تسربت بطريقة معينة مستندات بهذا الموضوع. ومثال على ذلك الوثائق السرية التي تم تسريبها ويصل عددها الى حولي ١١ مليون وثيقة لشركة "موساك فونسيكا" للخدمات القانونية في بنما، التي تملك منظومة مصرفية تجعلها ملاذاً ضريبياً مغرياً وهي ما عُرفت بوثائق بنما.
كيف تستفيد الدول المُضيفة من هذه الاموال المودعة في مؤسساتها المالية عندما لا يكون عليها أي حظر قانوني (أي غير مجمدة)؟
تُساهم هذه الاموال في تنشيط الدورة الاقتصادية لهذه الدول عن طريق الاستعمال التقليدي للإيداعات من قبل المؤسسات المالية والمصارف فيها:
الإقراض للافراد والمؤسسات.
الاستثمار في المشاريع التجارية والصناعية والعقارية.
المضاربة في سوق الأسهم.
اما في الحالة الثانية، أي عندما تتبدل ظروف أصحاب هذه الرساميل والشركات في بلدانهم نتيجة تغيير في النظام السياسي والقضائي، وقيام منظومة جديدة تسعى الى محاكمتهم وإسترداد ثرواتهم المنهوبة من المال العام، عبر الطلب من الدول المضيفة كخطوة أولى تجميد هذه الاموال وصولاً الى استعادتها، فهل تستفيد هذه الدول مالياً من هذه الحالة؟
وفقاً للخبراء فإن فترة تجميد الاموال (قد تمتد لسنوات)، تبدأ بوضعها في حساب يدعى Escrow account بحيث يبقى ورقياً موجوداً ولكن في الواقع يستفيد منه المصرف إقراضاً واستثماراً، ومن ورائها الدولة المُضيفة وإقتصادها، وحتى في حال عدم القدرة على التصرف بالاموال المجمدة لشروط قانونية محددة، فإن الاستفادة تأتي من فوائدها غير المشمولة عادة بمفعول التجميد كما هي الحال في الاموال الليبية في بلجيكا.
قبل أن ندخل في المرحلة الأخيرة أي إسترداد الاموال، لا بد من الذكر بأن الانقسام السياسي، وعدم وجود نصوص تشريعية وآليات قانونية، وإستشراء الفساد والتدخل الخارجي، كلها عوامل يجب إزالتها، وإلاّ كان مصير عملية الاسترداد الفشل، ومثال على ذلك: العراق واليمن، وليبيا.
في المقابل هنالك دول نجحت في هذه العملية بالرغم من امتدادها لسنوات طويلة كالفيليبين، ونيجيريا، والبيرو، مع الذكر بأن هذه الدول لم تتمكن لغاية الآن من استرداد جميع الاموال التي تطالب بها.
الأسئلة التي تطرح نفسها بعد هذه المعطيات عن حقيقة موقف الدول الغربية المانحة للمساعدات، التي أُقرت على شكل قروض ميَّسرة في مؤتمرات "باريس٣،٢،١"، ناهيك عن القروض والتقديمات التي وصلت الى لبنان من خارج هذه المؤتمرات.
هل كانت هذه الدول على دراية من سوء استعمال هذه الاموال من قبل المسؤولين اللبنانيين؟
هل غضَّ المانحون النظر عن فساد الطبقة الحاكمة اللبنانية للاستفادة من الاموال المُهَّربة وفقاً لما ذُكر أعلاه؟
من الواضح إن مساعدات وقروض مؤتمر "سيدر" لن تسلك نفس الطريق التي سلكتها المؤتمرات السابقة، والدليل إصرار الدول المانحة على تغيير الطبقة السياسية القديمة وتشكيل حكومة تراعي متطلبات الشفافية وتعمل على الإصلاحات المطلوبة التي أُقرت في المؤتمر. وتقاطعت هذه المطالب مع تلك التي يُنادي بها أهل الانتفاضة، مما يُعطيها دفعاً شعبياً ومعنوياً تُزيد من فرص تحقيقها. 

  • شارك الخبر