hit counter script

باقلامهم - الدكتور نسيم الخوري

مستقبل لبنان بين الملثّمين والثائرين تحت الشمس

الإثنين ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٠ - 06:12

  • x
  • ع
  • ع
  • ع

يمعن الملثّمون بتحطيم واجهات المصارف في ليل شارع الحمراء المظلم في بيروت. سمعت وكأنّي بالملثّمين يحطّمون في طريقهم الحراك اللبناني، ويدمّرون الثورة ويقتلون التغيير، متستّرين بالكوفيات المرقّطة والحطّات السوداء. ونسأل معاً جميعاً بالصوت العالي: هل تابع زعماء الطوائف ما يحصل، وهل يسمع هؤلاء بأنّ هناك شعب ثائر في لبنان؟ هم يستنكرون وكأنّ هؤلاء خرجوا من الأوكار؟
وأتابع سائلاً: هل يصدّق السياسيون المشابهون للإصنام، إذ يستيقظون، ويقفون أمام المرايا يفركون عيونهم من غبار النوم ومشاهد التعنيف والخوف الذي يبدو وكأنّه بعيد عنهم، لا يزور أسرّتهم منذ أشهر، ثم يستحمون، ويتناولون الفطور، ويعقدون ربطات أعناقهم، ويبدأون باستقبال الحزبيين والمستشارين وأهل النميمة وعلك الكلام، الذي لا مضامين له، فلا يجرؤون على الخروج أمام أبواب معازلهم وجزرهم الطائفية.
هل يصدّق هؤلاء أننا مواطنون في وطن واحد يبحثون فيه عن حكومة أو أنهم ما زالوا حكامه؟ وهل يصدّق وزير نفسه أنّه ما زال وزيراً في وزارات مهترئة متعفنة بقدر ما هو وزر وإعاقة ومصيبة وطنية، إذ يطرده الحراكيون ذليلاً من مطعم أو مقصف يرتاده وكأنّه يعيش في بلد آخر غير لبنان؟ ألا يشعرون بعد مدى الأحقاد والشرايين المنتفخة التي تطالب بطردهم وعزلهم طلباً لطبقة جديدة نظيفة من الحكام الشباب المستقلّين؟ هل صدّقت تماثيل الحكّام وصورهم وكلامهم العتيق الرطب الروائح، أنّ مستقبل لبنان سيبقى رهينة لهم ولأزلامهم الطائفيين من الموظفين وزراء ونواب، يدورون من حولهم، وأنّ الناس وأولاد الناس سيستمرون جيلاً بعد جيل يهرون أعمارهم من ساحة الى ساحة بحناجرهم ويأسهم وفقرهم، يهتفون بحياة هذا الزعيم أو موت ذاك من الزعماء، أو يقاتلون بعضهم بعضاً كرامة الزعيم وفي مستنقعات آذار وألوانه وأرقامه؟
لنفتح الأعين: نحن على مشارف الدم. لن يبق لكم وقت لضبضبة بيوتكم وحقائبكم.
تبارزتم في رقصات أهل الأرض، وطاف كذبكم الى التلوّي فوق النيران الموسمية المستوردة. هناك حاكم لبناني يرقص فرنسياً فلا ينبس بالعربية، لأنّ لبنانه عمره ما كان عربياً، لا وجهاً ولا لساناً، وأين هي العروبة يقول لك اليوم. لا حلّ سوى باللبنانية واللبنانات على ألسنة المنجمين ونجمات الشاشات؟ وهناك حاكم يرقص أميركياً لا يعنيه سوى تأخّر لبنان عن دفع مستحقّات حقّه في التصويت مع الأمم المتّحدة التي كان من منشئيها. تصوّروا! وشعبه فقير جائع صارخ في الساحات منذ ثلاثة أشهر.
هذا الرقص يمكن تعميمه على المذاهب والزعماء الذين تُفرحهم إبتسامات العدو أو غمزاته، ولا بأس بالإعلان أحياناً أنّ كتابة تقرير أو حمل مملحةً في زاوية من زوايا المطابخ السياسية الدولية، أفضل من وطنه ومستقبل شعبه ومنطقته.
هناك من يرقص فلسطينياً بالكوفية والعقال وباللحية المشذّبة التركيّة المندفعة بجنون وحلم إمبراطوري إسلامي في بقعة الزيت نحو ليبيا في البحر المتوسط، وهناك من يرقص أصولياً بما لا ينتهي من الأشكال والألوان. وهناك من يرقص إيرانياً في انتظاراتٍ أبدية مقنعاً العالم بأنه من سلالة الماء ووريثها في تجديد النقش الإمبراطوري وهو الذي سيحتلّ ثلثي العالم. وهناك من يرقص سورياً وسعودياً وقطرياً واسبانياً وبلجيكياً وبرازيلياً وصينياً وسوفياتياً وبريطانياً وسيرلانكياً وأثيوبياً... الخ.
وهناك "الزعماء" اللبنانيون الذين يختزنون في طيّات ألسنتهم وأجسادهم رقصات الأرض كلها تحقيقاً لثرواتهم اللامتناهية، وسرقاتهم الموصوفة والمودوعة في المصارف السويسرية والدولية، ورثة الشهامة والمذلّة للأبناء والأحفاد، بينما شعب لبنان يئن من جوع وبرد وعطش وظلمات لا تنتهي. ومن لا يحسن الرقص بعد، يشارك بغباءٍ حزبياً بالتصفيق والصراخ والصفير والغناء للزعيم وحمله على الأكتاف وبالروح وبالدم نفديك يا... هذا هو وضعنا من جديد.
الأزمنة تغيّرت والدنيا التي ملكتموها تنهار، فأعقلوا وتوكّلوا ومعه ندبّر المستقبل. 

  • شارك الخبر