hit counter script

باقلامهم - الدكتور نسيم الخوري

عندما تتقدّم الغرائز في المشاع اللبناني

الإثنين ١٣ كانون الثاني ٢٠٢٠ - 06:10

  • x
  • ع
  • ع
  • ع

لا تسمع في لبنان كلمة واحدة مسؤولة تشفي غليل الناس الطافشة منذ ثلاثة أشهر في مشاعيات الإدارات المنهوبة. إذن؟ إنّ الظاهرة المرعبة والطاغية هي مستويات التواصل التحقيرية البديلة لمناظر أهل السلطات كما الأصنام في نشرات الأخبار. هنا يتكدّس الفشل والإستعصاء السياسي في واقعٍ مرّ يُرمَى فوق حرائق الإتصال وموجاته المتنوعة. لقد حطّ لبنان نهائياً في مشاعيات الضياع والفوضى العارمة التي تسمح بتبادل الإلغاء حتّى الدموي والحيواني بين الناس.

هناك فَوَرَان هائل للحاجات وللغرائز عبر شاشات التلفزة والواتس أب والفيسبوك والتويتر، يأخذ الاتصال معه معنىً حسياً، فيتحوّل البحث إلى حقل الحواس والحماس. إنّه الحقل الوحيد الذي تتزوّد به الكائنات الأخرى بما يحقق البقاء. البقاء يتقدّم في حياة اللبنانيين، وتبرز الحواس وسائط إنقسام وقتال كلامي وفعلي ومناكفات يُعاد إحياؤها في التعبير والكتابة وتحقيق الذات الهلامية، كأننا في معبر حروب عالمية.
يبدو الاتصال اللبناني إذن محشوراً وفجّاً وحاجةً ملحّة يجب أن يتمّ إشبُاعها، أساساً، بما يقرّبها من الاتصالات المعروفة التي تكشف ما يحتضنه علم السلوك من الفجاجة والقوة في التعبير وتقدّم الغرائز، وصولاً إلى القتل اليومي غير المبرّر.
قد لا يُمكِن تعميم صفة الثبات لاعلى المخلوقات كلِّها ولا على البشر في الحالات المحكومة بالخوف والإنهيار والتدمير، كما هو حاصل بشكلٍ عام في لبنان. وهنا تذكر العلوم الحديثة مثلاً أن القِرَدَة، تتصل في ما بينها بواسطة 15 إلى 20 صرخة مختلفة مصحوبة بالإشارات وهي ثابتة، بينما تنحصر أصوات الدجاج في عشرة أنواع من الأصوات تمثّل قاموس اتصالاتها. وقد لوحظ، علمياً، أن هذه الأصوات قد انخفضت إلى سبعة. ويعزو العلماء ذلك إلى فرضيّة تأثّر هذه الطيور بتقنيّات التفقيس الصناعي التي فجّرت منظومة الغريزة فأورثتها تحوّلات مهمّة.
يُضاف إلى هذه المسألة الهامّة التأثيرات التقنيّة التي يمكن الإشارة إليها في عالم قفير النحل الذي يتراقص ويفاهم أعضاء مجتمعه الشديد التنظيم اتصالياً في ثماني رقصات أمام القفير، تنبعث منها أصوات أو طنينٌ يفسّر بُعدَي المسافة والاتجاه نحو الزهور، أو الغذاء المكتشَف من قِبَل العاملات. وتتحدّد هذه المسافات، غرائزياً، بين مئة متر و6 كلم، ترسمها إنحناءات جناحَي النحلة العاملة، ممّا يشكّل زوايا توازي الزوايا المشكّلة من تقاطع أشعة الشمس مع ظلال النحلة على القفير. الملاحظ، أن إطعام النحل السكّر المذاب الجاهز على باب القفير، قد خربط أنظمة الإتصال الغرائزيّة لدى النحل وفق متغيّرات تشكل حقولاً دراسيّة علميّة حول أثر التقنيّات في التأثير على الغريزة الحيوانيّة وتحوّلاتها.
وفق هذه النظرة أو الملاحظة في التعبير عن الذوات والمواقف، تغيب اللغة الراقية الفاعلية، وتتقدّم اللغات الانفعالية الممثّلة لنقطة البداية في التعبير، وتختلط معها لتؤلّف مناخاً قاسيا من الكلام الفجائيّ الذي يكسو التعبير عن محنة لبنان ومحن إعلامييه ومفكريه وثورييه المزروعة حتى الآن بالحاجات الكثيرة الصلبة والفجة، التي تلوّن صورة لبنان المتعب في المشهد الوطني والعربي والعالمي. وتصبح الحالة الشعورية نظماً مخيفة ومؤذية تفرزها وسائل ومؤسسات تبدو وكأنها طرائق للإحتفاظ بالوجود تفادياً لمخاطر القلّة والجوع والفقر وبيع الأعضاء والهجرة والقتل والإنتحار وحرق المؤسسات والنشل والتسول، وكي لا ننهي المقالة بالكوارث، نقول في ظلّ غيابٍ كامل لمن يقدّم فكرة أو جملة مفيدة تُخرجنا من هذا الجموح الغرائزي الذي يصاحب الإنهيار ويمنح الإجازة الوطنية للتفكير والعقول.

  • شارك الخبر