باقلامهم - العميد المتقاعد طوني مخايل

الشبكة العنكبوتية

الثلاثاء ١٢ تشرين الثاني ٢٠١٩ - 06:13

  • x
  • ع
  • ع
  • ع

انتهت الحرب اللبنانية عام 1990 وبدأ اللبنانيون حرب إستعادة حياتهم الطبيعية إسوة بباقي شعوب العالم، إنتظمت الحياة السياسية، إنتُخب رؤساء جمهورية، رئيس مجلس نيابي، عُّين رؤساء حكومات، أُجريت انتخابات نيابية، اتى نواب ووزراء بالمئات.

أنتجت الحرب فئات حاكمة توزعت كل فئة منها على عدة مستويات وسُميَّت باللبناني صفوف:
-الصف الاول رؤساء الأحزاب والتيارات الطائفية الرئيسة سواء التي شاركت بالحرب اللبنانية او لم تُشارك.
-الصف الثاني هم رفاق درب الصف الاول منذ بداية إنخراطهم في الشأن العام، وقد اصبحوا لاحقاً وزراء ونواب.
-الصف الثالث هم الاختصاصيين المُقربين،وقد تدرجوا في الوظيفة العامة حتى مستوى موظف درجة فئة أولى.
-الصف الرابع هم المُنفذون لخطط وتعليمات الصفوف السابقة في الإدارة.
-الصف الخامس هم أبناء طائفة الصف الاول وهم خط الدفاع المنيع والأخير عنه.
-الصف السادس هم الناخبون من جميع الطوائف في الدائرة الانتخابية لزعيم الصف الاول.
توزعت الصفوف الثلاث الأخيرة على المستويات الأدنى للوظائف في مختلف الإدارات والمؤسسات الرسمية.
يتشابك ويتفاعل مع هذه الصفوف مجموعة موالين من الجسم الإعلامي، القضائي والأمني،
أضِف اليها شرائح فعَّالة في القطاع الخاص( المصرفي، التجاري والصناعي...).
هذه هي الشبكة العنكبوتية لكل زعيم لبناني مستوى صف اول في المؤسسات العامة والخاصة.
على مر الأيام بعد الحرب اللبنانية، تَصادمت هذه الشبكات واحياناً تَحالفت، وكانت مصالحها في فترة التحالف تعيش عصرها الذهبي، وعند الاختلاف تستعين كل شبكة بصفوفها لضرب الأُخرى لترجع بعدها فترة التحالف وهكذا دواليك.
استمرت مسيرة الحياة السياسية، الاقتصادية والاجتماعية في لبنان لعقود طويلة على هذا المنوال، خَرقَها احياناً صدام مع جهة لا تنتمي الى هذه الشبكات وسُميت بالحِراك المدني.
كالعادة وفي كل مواجهة إنبرت هذه الصفوف للدفاع واحياناً لشن هجوم معاكس وهي نجحت في كل حروبها حتى ١٧ تشرين الاول ٢٠١٩.
١٧ تشرين الاول كان ساعة الصفر لهجوم مفاجئ ومن عدة جبهات على هذه الشبكات، شنَّته مجموعات بشرية لبنانية من جميع الاعمار والمستويات الاجتماعية والفكرية، من جميع المناطق والطوائف وبأسلحة غير اعتيادية تشمل العلم اللبناني، الهوية اللبنانية الواحدة وذخيرتها مطالب وحقوق إنسانية واجتماعية وسياسية.
الايام الاولى للانتفاضة وبسبب سؤ تقدير لم تستعمل هذه الشبكات جميع أسلحتها الدفاعية،لكن تطور مجريات المعركة ورجحان كفة الميزان للمُنتفضين، عمدت الى الاستعانة بجميع صفوفها وما تزال عملية الكر والفر بين الطرفين مستمرة.
اقفال طرقات او فتح طرقات، تعطيل المرافق العامة او لا تعطيل، حكومة تكنوقراط او حكومة تكنو-سياسية...
الى ثوار ١٧ تشرين، الثورات تحدُث على موجات والموجة الثانية من المواجهة يجب ان تكون على محورين :
- المحور الاول قضائي وباتجاه الصف الثالث والرابع من الشبكة، باعتبار ملاحقة الصفين الاولين مباشرة شبه مستحيل في الوقت الحاضر وكون الرابط بينهم هو رابط مصلحة مادية أكثر منه ديني او عائلي، وبالتالي فإن سقوط بعضهم في قبضة القضاء قد يؤدي لعملية سقوط أحجار الدومينو للصفوف الباقية.
- المحور الثاني بإتجاه الصف الخامس (أبناء طائفة الزعيم الاول)، يجب ان تتركز المواجهة على عقل ووجدان هذه الفئة، إقناعهم بأن الزعيم هو حالة مؤقتة، يستغلهم لتكديس ثروته وتعميق سلطته، بأن أبناء الطوائف الأخرى هم ليسوا بأعدائهم، بأن الدولة المدنية هي الضمانة المستدامة له ولعائلته.

كل الامور على ما يرام في النهاية، إن لم تكُّن كذلك، فتلك ليست النهاية (مثل إنكليزي). 

  • شارك الخبر