hit counter script

باقلامهم - الدكتور نسيم الخوري

الإجهاض الحضاري بين القشور والبذور

الإثنين ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٠ - 09:51

  • x
  • ع
  • ع
  • ع

بين النشوب والركود المستمرّ لثورات العرب والإنشغال بلملمة بقايا خرائبهم ووضعها فوق المصافي الصدئة، يمكنني القول يائساً، أنّه حتّى في لبنان، لا ألمح تفتّح زهورالتغيير الفعلي.
كيف؟
لا يعني امتلاك القشرة، في البلاد التي يمطّ أهلها وحكّامها أعناقهم منبهرين ببلاهة في تقليد العواصم الكبرى، خطوة معاصرة تكفل التمكّن من النواة. التحدّي قائم في امتلاك اللب. أنت قد تأكل الثمرة بقشرتها ولحاها وبذورها الصغيرة إن كنت من روّاد الفلسفة الصحيّة المعاصرة ، وأنت نفسك، قد ترمي نواتها مع إدراكك المنسي بأنّها تختزن الحياة مجدّداً إذا ما زرعتها ورعيتها ولم ترمِها نحو القمامة.عبرهذه الملاحظة أنت جزء من الثقافات العالمية المعاصرة وفيها يكمن الوصل المتلازم المعقّد والضروري بين الإيمان والعقل.

قد توقظ التحوّلات الشكليّة العامة الدهشة، بل البهجة العارمة لدى الكثيرين بسهولة اقتنائهم للعالم الجديد وامتلاكه بالمال، وهي توقظ أيضاً الرفض الكامل لدى آخرين لهذه المظاهر المستوردة التي ربّما تولّد لديهم الغربة والإحباط والضياع، وكأنّها تقبع التاريخ المألوف من أمكنته الراسخة في عقولهم وسلوكهم. تبرز الأشكال الخارجية متقدّمةً في ميادين التحوّلات التي يصعب وصفها أوتحليلها وفهمها لدى الأفراد والعائلات والمجتمعات التقليدية وحتّى لدى أنظمة الحكم الإجترارية الحذرة والخائفة، وإلاّ قد يذهب التغيير بالرافضين ورجال الدين تحديداً إلى اعتبار تلك المستوردات تهديداً خطيراً للأعراف والتقاليد المستمدّة من الأديان والأنبياء.
يمكن الإشارة، في هذا المجال عربيّاً، الى مستويين:
1- مستوى الفرد: يختصر الفرد صورة الرجل في عائلته ومحيطه بصفته جسر البيت وربّ البيت وربّ العائلة وربّ العمل وتتعقّد مصالحته مع المرأة نصفه المتغيّر المهمل والمهمّش والمعنّف مع أنّه النصف الذي يبدو شاغلاً الدنيا ومفجّر طاقاته عبر الشاشات المتنوعة الوظائف والأشكال. يبقى العربي ذكراً متهالكاً على تقديس المظاهر الإيمانية الفارغة، وكأنّه لم يصبه الشك والبحث أو الفكر أو كأنّه لم ينتبه آدميّاً لما يحصل حوله في دنيا "الميديا". تلك الإصابة قد تحصل له سرّاً وتتفاعل لديه كما العادة السريّة، وهي تبقى لذيذة ومقبولة إن كانت خارج الأسرار والأسوار العائلية والإجتماعية. يتحرّك الفرد بأزياء أجداده الأولى في موطنه الأصلي، لكنّه في الأمكنة البعيدة يبدو إبن مجتمعين متناقضين وثقافتين متباعدتين ولو بالشكل، تتقاربان في تزويج القديم والجديد بما يورث الفرد ثنائيات متعددة وتشقّقات بين الظاهر والباطن يصعب سترها.
أ- في المستوى العام:
تصبح العلاقة مع الآخر مسنودة إلى الإقتناء السهل لمكتشفات الشعوب الأخرى دون الإهتمام بالتغيير الإنساني الممكن والمنتظر. إنّها علاقة إقتباس وتشاوف بالمقتبس أحياناً لا علاقة تفاعل وتغيير. علاقات انفعال وردود أفعالٍ لا علاقات تأثر وتأثير ومصالحة وتبادل خبرات وتجارب. لا الجوهر الديني ببراءته المطلقة المطبقة على الزمان كفيل أو قادرعلى الإجابة عن أسئلة العصور المتلاحقة التي تعمّق المسافات بين الثقافات والشعوب، ولا المستوردات والمقتنيات الساقطة كالمطر وكما أشعة الشمس قادرة على مراكمة الإستجابات لحاجات الناس وتطلّعاتهم نحو المضامين المتطوّرة والتجارب الجديدة ، بمعنى المأكل والمشرب والملبس والتزاوج والسلوك العام والقدرة على هضم أو مداواة المتغيرات التي تؤرّق المجتمعات العربية الراكدة.
تتوه الأجيال وتنقسم الآراء والأفكاروتفتح الأبواب الموصدة بسهولةٍ على التجزئة والتفريق وتوسيع الشقوق وتسهيل الصراعات والحروب. ويغدو المجتمع الواحد سواءً أكان متآلفاً دينياً ومذهبياً وثقافياً أم مسكوناً بالتربص والخشية والتباعد ، مجتمعات متعدّدة لا تنوّع فيها، متنافرة، متقاتلة، ينكفيء بعضها نحو أوراق المذاهب ملتمساً السلامة، ويضيع البعض الآخر في إجتهادات ترسّخ الجوهر لبريق العصرنة المتحوّل أبداً.
لا أرى البراعم ولا الزهور في ربيع العرب المتنقّل من بقعةٍ لأخرى.

  • شارك الخبر