hit counter script

باقلامهم - جورج عبيد

إلى الحبيب عصام خليفة

الثلاثاء ٧ كانون الثاني ٢٠٢٠ - 06:18

  • x
  • ع
  • ع
  • ع

يا عصام، لم يطق بعضهم طلاقتك وجرأتك وفكرك، فأطبقوا على حريتك وأصدروا قرارًا للقبض عليك ليزجّوا بك خلف قبضان الظلم والظلمة. كنت أحد النماذج الراقية والرموز النضرة والناصعة مذ عرفتك في رحاب كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة الجامعة اللبنانيّة أستاذًا جامعيًّا عالي المستوى وفي الحركة الثقافيّة في أنطلياس أمينًا عامًّا لها يتحلّق حولك طلاّبك يتعلّقون بك وينهلون من فكرك ويقبلون على تأريخك للأحداث القديمة والمعاصرة والحديثة، ويستشفّون منك الرؤى ليكمّلوا الدرب ويبلغون المرام.

غير مرّة كنت تصرخ صراخ الأنبياء، وإن بدا في بريّة موحشة، لأنك أحببت وطن الأرز وارتضيته رسالة أنموجيّة في العالم، وناضلت بقوّة من أجل رفع الحيف عن أساتذة هم مصدر الفكر ومشتله يعيشون في العوز والتعب، وعملت بشغف وانطلقت برسالتك وصبوت بتصميم كبير لكي تتحوّل الجامعة اللبنانيّة، جامعتنا الحبيبة، إلى مصفّ الجامعات الكبرى في العالم لتنشأ فيها مراكز أبحاث على كلّ المستويات ضمن الرسالة اللبنانيّة-المشرقيّة. ذلك أنّ الرقيّ والرفعة تنبعان من حرص الدولة على تكوين مراكز أبحاث تنير طريقها بأقصى الاستنارة المطلوبة في المعارج العلميّة والتاريخيّة والسياسيّة والدبلوماسيّة، فتتحوّل إلى مختبرات تفحص المعطيات والمتحوّلات فتستنتج النتائح بالحقائق الدامغة ومناهج علميّة صارمة، لتنتهجها الدولة في مساراتها ضمن القضايا الوطنيّة والماليّة والاقتصاديّة وفي علاقات لبنان مع الخارج، وفي المسارات العلميّة المختلفة. وكنت تشير بالإصبع إلى العدوّ الإسرائيليّ (هكذا بالحرف) وتشدّد على أنّ الدولة-العدوّ تنفق مليارات الدولارات (أين هي اليوم في لبنان؟!) على مراكز أبحاثها لتترقّى وتسمو وتبلغ الرؤى الاستراتيجيّة في بناء الدولة وفي السياسة الخارجيّة على كلّ المستويات، فيما الدولة اللبنانيّة تستطيب الإذعان والعشائريّة في السياسة، وعدد من رموزها متفلّت من القواعد الأخلاقيّة والموانع القيميّة ومدمن على الفساد والإفساد وتلك هي معاناتك يا عصام ومعاناتنا جميعًا.

كانت متعتي أن ألتقي بك وأخوض معك في النقاشات والحوارات والقراءات، وأنت المؤرّخ الكبير الذي لا ترقى إليه الشكوك باستنادك إلى مصادرك ومراجعك. ورغم الفاقة التي أضنتك غير مرّة، كنت حريصًا لتجهد وتجاهد وتسافر إلى الدول الكبرى، بمبادرة شخيصّة منك فتبحث في كبرى مكاتبها وتقمّش في المراجع والمصادر، وتؤمّن، هنا وثمّة، ما يتوفّر من خرائط ومعلومات، فما كان عملك محصورًا بالتأريخ لأجل التأريخ أو ترف التأريخ لكي أكون أكثر دقّة في التعبير. فأنت مع الكبير الدكتور شارل مالك كنت تردّد لمن هم حولك، بأنّ التاريخ ضياء مستقبلنا كلّنا إذا ما رنونا إلى نحت مستقبل مجيد ومشرق، وهو مطَلٌّ على آفاق الحاضر والمستقبل، فساهمت بجلاء مسائل دقيقة كترسيم الحدود النفطيّة بين لبنان وإسرائيل، والحدود البريّة بين لبنان وإسرائيل، ولبنان وسوريا، وأثبتّ بأن مزارع شبعا وبالوثائق التي في حوزتك والمأخوذة من السجلاّت والعائدة إلى القرن التاسع عشر لبنانيّة بامتياز وليست سوريّة. مرّة وحيدة اختلفت معك حول قضيّة ضمّ وادي النصارى إلى لبنان، وكنت تصرّ بأنّ البطريرك الياس الحويك لم يخطئ فيما أنا أصريت عكس ذلك لأن عائلتي كانت جزءًا من مشهد محاولة الضمّ والتي رفضها البطريرك الحويك رحمه الله، وعلى الرغم من ذلك لم يفسد الخلاف بيننا في الودّ قضيّة لأنك يا عصام وليد المحبّة.

أنا شاهد كبير يا عصام على صدق نضالك ونصاعتك. منذ أن كنتُ طالبًا في الجامعة اللبنانيّة، وأنت مندمج بقضاياها ومندرج بمستقبلها. من الحركة الطالبيّة إلى رابطة الأساتذة الجامعيين واجهت المشقّات والتعب، وكان صوتك ينفجر عاليًا مليئًا بالغضب. إنّه الغضب المبرّر لأن دولة تهمل أساتذتها وجامعتها ولا تقيم وزنًا لهم لهي فاشلة ومائتة بل باطلة بجوهرها. كيف يعقل أن تحوي الجامعة التي أفتخر بأن أكون أحد خرّيجيها الفوضى المدمّرة لها، بسياقاتها الحزبيّة والطائفيّة غير المنضبطة والخارجة عن كلّ نبل ورقيّ في التعاطي؟ كان الدكتور والأديب الراحل إحسان عبّاس يقول بأنّ الأمّة التي لا تكرّم كبارها وتكتب أسماءهم على أوراق البرديّ لهي أمّة فاشلة، فكيف وهي لا تمنح الحقّ العادل للأساتذة منشئي العقول وتعمد على إذلالهم؟ كنت أتشرّف بجميع الأساتذة الذين نّشأوني على المعرفة وحسّ النقد والمناهج الأدبيّة في كليّة الآداب ورأيتهم سعاة كبارًا لاتّلاد جيل كبير منّا من صاروا من كبار المبدعين والشعراء والإعلاميين، هؤلاء فضلهم عليّ جليل ولا يقدّر بثمن. أحتسب يا عصام أنّ طلابك لا ينسون فضلك عليهم ويعلنون جهارًا بشغف وحبّ، وأنت الذي شجعتهم للخوض في البحث والغوص في الأعماق والابتعاد عن السطحيّة، ودأبت غير مرّة على دعوتهم إلى رحابك في الحركة الثقافية في أنطلياس ليطلقوا فكرهم الجديد.

لم أنسَ يومًا ان تكريم الأجيال المبدعة من روحيين ومفكرين وإعلاميين وأطباء واقتصاديين كانت فكرتك وعملت على الوضع الأسس لها خلال معرض الكتاب السنويّ خلال شهر آذار، كنت تصرّ بأنّهم منارات مضيئة للبنان. وترجمت وجسّدت ذلك مع زملائك في الحركة الثقافيّة في انطلياس وغالبيتهم من الأصدقاء الأحباء. وكنت تفرح مع كلّ تكريم تقوم به ضمن دائرة الحركة الثقافيّة، فتراه تكريمًا لكلّ لبنان من شماله إلى جنوبه ومن بقاعه إلى جبله وساحله. كان التكريم لكلّ مضمون راق، عنى ويعني لبنان بوجوده الحرّ والكريم.

أنا آسف يا عصام يا صديقي الحبيب أن يمنطقوك بالظلم. ولو افترضنا أنك كنت على خطأ في تقديرك لوضع رئيس الجامعة اللبنانيّة الدكتور فؤاد أيّوب الأكاديميّ، أو اتهامك له بأنّ صفته الأكاديميّة باطلة، فلا تسوغ معالجة الخطأ بخطأ آخر يودي إلى طلب المحكمة بإلقاء القبض عليك، هذا الأمر بإمكانه أن يحلّ بمحاولة التوفيق بينكما، أو البلوغ نحو تسوية مقبولة ومعقولة ترضيكما معًا، وترضي معكما الجامعة اللبنانيّة. فالاحترام يقتضي ذلك ولا أخال الدكتور فؤاد أيّوب الذي ليست لديّ معرفة شخصيّة به غريب عن أورشليم بحال جاء تقديرك على خطأ تجاهه، ولا اخالك بحال أنك كنت على حقّ فستذهب نحو ما هو أسوأ بل تذهب توًّا نحو الحقّ العادل للجميع. الخطأ الكبير والخطير أن يسطّر قرار بإلقاء القبض عليك وسوقك إلى المحكمة بسبب من هذه القضيّة فيما مجرمون ولصوص وعملاء وفاسدون كبار لا يزالون أقوى من المساءلات. ما حصل معك يا عصام مرفوض بالمطلق، ولا يجوز بالنخب المثقفة الصادقة وبجيلك وبمن عرفوك على صدقك أن يتركوك وحيدًا في المواجهة، فلا يجوز للقضاء اللبنانيّ أن يبرم حكمًا من هذا النوع المؤلم للغاية وغير المبرّر بطبيعته وجوهره.

أمر إلقاء القبض عليك بهذه الطريقة لتساق كمجرم ضالّ مرفوض. وأستغلّ رسالتي الداعمة لك، بل للحقّ عندك، لكي أناشد فخامة الرئيس الحبيب والجبل الشامخ العماد ميشال عون لكي ينصفك، وأنا أعي ما يمثّله فخامة الرئيس من قيم أخلاقيّة راقية وتقدير لرجال الفكر في لبنان لأنه واحد منهم. فرجل مثلك جدير بالإنصاف، حتى لو اختلف كثيرون معك بالسياسة والفكر. ليس مسموحًا المسّ برجال كبار مثلك، كنت تدفع من مالك وتعبك لكي تستمرّ في عالم التأريخ من أجل لبنان ووجوده الحرّ والكريم، العيب ان لا يتمّ تقدير هذا الجانب الهامّ عندك.

أسلّم عليك تسليمًا كبيرًا، متمنيًّا إنصافك من فخامته ومن القضاء بإخلاص وبالحقّ، وأن تظلّ شامخًا في بيتك وجامعتك وأبحاثك وفكرك ونضالك بصوتك الصارخ بخير وسلام.

  • شارك الخبر